قلت في رثاء كريمة توفّيت لسيّد العلماء ورئيس المحققين والفضلاء علاّمة الزمن المهدي نجل الحسن أعلى الله كلمته ورفع درجته، وهذه ليست التي مرّت مرثيتنا لها في باب الهمزة، وإنّما تلك كريمته الصغرى وهذه كريمته الكبرى:
مالهم يا قبر قد جدّوا انصرافا بعدما قد دفنوا فيك العفافا
وحثوا منك على عين العلى تربةً تستافها الحور استيافا
نفضوا تربك والصبر معًا عن يد تمسك أكبادًا لهافا
وردوا أمس ثقالًا بالجوى فبماذا صدروا اليوم خفافا
هل أعادوا معهم ما أخذوا من حشاشات تبقوها ضعافا
لا ومن قد طهر الماء بها مذ لها مطلقه صار مضافا
والتي راح الحيا ملتحفًا معها طاهر برديها التحافا
بل أعادوا جمرة الوجد إلى أضلع باتت إليها تتجافى
حجب القبر ابنة الوحي التي شرف الذكر بعلياها أنافا
من كريمات على الله لها ضرب العصمة خدرًا وسجافا
لم تلد إلاّ الذي يسقي كلا ماتحي سجليه شهدًا وذعافا
والتي ما مدّت العليا على مثلها يومًا لتخدير طرافا
ساقها الحتف ولكن بعدما شقّ من صدر الهدى عنها الشغافا
أبت العلياء إلاّ ردّها وأبى الموت بها إلاّ انصرافا
وعليها مسح المجد ضحى مقلة عمياء لا تدري الجفافا
أوحشت من أُمّ شبل غابة لو بها مرَّ أبو شبل لخافا
كعبة التخدير إلاّ أنّها خلقت للملأ الأعلى مطافا
دار قدس أودع الله بها خير أهل الأرض نسكًا وعفافا
قل لمن رام انحرافًا عنهم ضلّ من يبغي عن الحقّ انحرافا
سادة للرشد في مهديّهم جعل الله من الغيَّ انتصافا
كلّهم أبحر علم طفحت فاغترف من أيّهم شئت اغترافا
فضّلوا الخلق أكفًّا سحبًا ترفع المحل وأخلاقًا سلافا
أسكرت في حبّهم حتّى العدى فهي الصهباء لطفًا وارتشافا
كرماء لقرى أضيافهم ينحرونالبدر لا البدن العجافا
آمنوا في الله من آمنه وأخافوا من له الله أخافا
يا ذوي الحلم وفيكم رقّة فقتم فيها حنوًّا وانعطافا
إنّما هزت قنا صبركم نكبة الدهر فزادتها ثقافا
وعلى زحف الليالي لا شكت أبدًا أبيات علياكم زحافا
وقال عمّنا المهدي قدّس الله روحه في رثاء أخي الممدوح الماجد محمّد الرضا نوّر الله ضريحه:
قلبك خلف الطاعنين انصرفا ألحق الظعون أم تخلّفا
علمت فيمن لا يزال عاطفا عليه في حثّ السرى ما عطفا
وظلّ في صيخودة من حزنه تعسّف السير بها فضعفا
وعنه في جمانة المجد سرى ال موت للحد نورها فيه اختفى
والهفتا لدرّة المجد التي أمست لها ثرى اللحود صدفا
[ ١٧٢ ]
من بعد ما كانت على جيد العلى عقدًا وفي أُذنيه كانت شنفا
يامسعدي عيني من الحزن قد ابي ضّت ومنها دمعها ما نزفا
قد غشيتني ظلمة الحزن التي مادمت فوق الأرض لن تنكشفا
من ناقلٌ لي للرضا صحيفةً أقصُّ فيها من شجوني طرفا
لعلّه على محبّه الذي أنحله فقدانه أن يعطفا
إنّي أرى لهابريدًا ومتى قد بعث الحي لميت صحفا
روحي فداء للذي قد غاب عن عيني وعن قلبي ما تخلّفا
فذكره لم يخل من قلبي وإن ذكرته قلبي منّي اختطفا
منها:
لله يوم هتّف الناعي به بموته وليته لا هتفا
وقفت من حرّ الأسى ذا قدم خيل على جمر حشاه وقفا
أعضّ كفّي أسفًا ولم يفد إذ فاتني عضّي كفّي أسفا
ومنها:
والوعة المجد على نيّره الزاهر أمسى في الثرى ملتحفا
كان هلالًا يرتجى كماله وحينما حاز الكمال انخسفا
وروضة المعروف في أزهارها صوّحها الدهر وكانت أنفا
والمكرمات أصبحت معولةً على أخيها تكثر التلهّفا
تدعوا أخي صحبت منك ماجدًا عنّي في حياته ما صدفا
وأنت للوفّاد بحرٌ زاخر منك متى شاء النوال اغترفا
لله أيّ ماجد بموته الناس وأملاك السماء اختلفا
هذه تلقّت روحه ضاحكة وهذه تبكي عليه أسفا
وهذه لروحه قد زيّنت جنّة عدن فرحًا والغرفا
وتلك شقّت جدثًا لجسمه بصرخة ثهلان منها رجفا
يا نكبة لم يستطع مصابها لسان كلّ ناطق أن يصفا
ومنها في تعزية أبيه الماجد محمّد الصالح:
يا من تراه الناس في الجلى إذا ماليلها بالحادثات أسدفا
أقرّها قلبًا إذا ما أقبلت سوداء قلب الدهر منها وجفا
أنت الذي بوجهه عن الورى ما إن دجا الحادث إلاّ انكشفا
في الأسى تهدي إلى قلب من صبرك لو جلَّ المصاب تحفا
فيغتدي قلبك من رقّته أشدُّ إصلادًا بها من الصفا
محمّد للصبر أنت صالح عرفت من معناه ما لن يعرفا
وهي طويلة. واعلم أنّ كثيرًا من شعر عمّنا المذكور لم نذكر منه إلاّ اليسير اتّكالًا على ذكره له في كتابه المسوم ب "مصباح الأدب الزاهر".