قلت في زواج الممدوح وزواج ابن أخيه الرضا مهنيًا بذلك الماجد محمّد الصالح:
حيتك من وجناتها بشقيقها وجلت عليك مدامة من ريقها
وتبسّمت لك عن ثنايًا لم تشم عين كبارقها ولا كعقيقها
وحبتك من رشفاتها بسلافة ما فضَّ مرتشفٌ ختام رحيقها
وتعطّفت لك بانة غير الصبا لم يحظ قبلك بانعطاف رشيقها
ورنت بأجفان إليك فواتر بأخي الهوى الدنيا تضيق لضيقها
يا أهل رامة ما الجمال وما الهوى إلاّ لشائق ريمكم ومشوقها
نفحتكم بعبيرها ريح الصبا ونحتمكم ديم الحيا ببروقها
فسقت ملاعبكم بأوطف تزدهي منه برائق زهره وأنيقها
غيث بسيب ندى محمّد صالح تشبيه واكف سحبه ودفوقها
ملك تجلّى في البريّة فخره السامي تجلّي الشمس عند شروقها
فإذا تكرّم كان فارج ضيقها وإذا تكلّم كان ضيق حلوقها
هو خير من رضع المكارم درّها ورعى لها مذ كان فرض حقوقها
من مثله وهو ابنها البرّ الذي ما هم لمحة ناظر بعقوقها
[ ١٨٠ ]
ورث العلى عن سابقين لغاية ما للبريّة مطمع بلحوقها
ولدته ثمّ أباالأمين فأحرزت بهما ثناء عدوّها وصديقها
بلغا السماء علىً وزاد أبوالرضا شرفًا سما فيه على عيوقها
أحيت أنمله العفاة ومن رأى لججًا تكون بها حياة غريقها
كرم كغادية السحاب تزينه لمعات بشر كالتمال بروقها
يا من تفرّع في الذرى من دوحة تجني المكارم من ثمار وريقها
من دوحة الشرف التي بثرى العلى وشجت قديمًا ساريات عروقها
أهدى لك الفرح الإله مخلّدًا وكساك من حلل الهنا برقيقها
هذي المسرّة كم أقرّت أعينًا ولا عين كانت قذى في موقها
فليهنينّك سائغ الطرب الذي لك قد أغصَّ الحاسدين بريقها
واسعد بعرس محمّد حسن العلى وأخي النهى عبد الحسين شقيقها
داما بظلّلك رافهين ولم تزل تغلي حشاشة من أبى بحريقها
ابني العلى ارتشفوا سلافة فرحة أحلى من الصهباء في راووقها
طاف السرور بها فقلت مؤرخًا وصل الأحبّة عرسكم برحيقها
وقلت مهنّيًا للفاضل محمّد الصالح عند قدوم ولدي ولده المهدي من الحج وهما عبد الهادي ومحمّد الحسين، وأرسلتها إليه.
وصلت وريعان الشبيبة مونق وجفت وقد لبس المشيب المفرّق
والغيد طوع نسيم ريعان الصبا يهتزُّ غصن شبابهنّ المورق
والشيب إن حطّت عقاب نهاره فغراب ليلة وصلهنَّ محلّق
أدرت فتات الحي إنّي مذ نأت قلبي أسير هوىً ودمعي مطلق
أنا والجوى والدمع وهي ومهجتي طوع البعاد مغرب ومشرق
عافت أخا دمعي العقيق وثغرها أمسى يضيء به أخوه الأبرق
لله موقفنا صبيحة أجمعت بينًا له جزعًا بريقي أشرق
ومسكت قلبي كي يقرّ وإنّه ليكاد يلفظه الزفير فيخفق
وكظمت أنفاسي الغداة وفوقها كادت مجامع أضلعي تتفرّق
جاذبتها فضل الرداء فأقبلت بالعنف تجمع ما جذبت وأرفق
ومذ استقلَّ بها الفراق دعوتها بالدمع إذ هو من لساني أطلق
الله يا ذات النطاق بواجم لسن المدامع عن جواه تنطق
وتذكّري عهد المودّة بيننا أيّام أوقاتي بلهوك تنفق
متألّفين بحيث لا ظلُّ الهوى ضاح ولا صفو الوداد مرنّق
في روضة عذراء لم يبرح بها يمري مذانبه الغمام المغدق
يسري النسيم عليلةً أنفاسه فيها بنشر من عبيرك يعبق
وعيون نرجسها المندى غازلت منك المحيّا وهو شمس تشرق
فكأنّ في أجفانهنّ الطلُّ من أنوار وجهك أدمعٌ تترقرق
ولهوت منك بذات خدر زانها ثوب الشباب الغض لا الاستبرق
طورًا تعاطيني الحديث وتارةً راحًا بها شمل الهموم تفرّق
قالت وقد عاقرتها من كفّها صرفًا لها نور يروق ورونق
ألها نظير قلت خلق محمّد في لطفه منها أرقُّ وأروق
خلق لأبلج غير معقود الندى ديم الغمام به غدت تتخلّق
عذبت بفيه نعم فليس بغيرها يلقى الذي من جوده يسترزق
ويودُّ أنَّ بكلّ منبت شعرة منه بقول نعم لسانًا ينطق
أثرى من الحسب الكريم وكلّمن أثرى بلا حسب مقلٌّ مملق
المستجار من الزمان بظلّه إن جاء يرعد بالخطوب ويبرق
والمستضاء بوجهه إن يدج من دهم الحوادث ليلهنَّ الأودق
ومسدّد الآراء أسهم رأيه غرض القضايا الغامضات تطبق
بقضان قد سبرت تجارب حزمه غور الزمان بأيّ فنّ يطرق
إن أبهمت يومًا مطالع شبهة عمياء فيها الحقُّ لا يتحقّق
يغشى نعاس الجهل تحت ظلامها بصر القلوب المدركات فتخفق
فعمود صبح بيانه بضيائه غسق العمى لذوي البصائر يفلق
وإذا تحيّرت العقول بمشكل صعب مجال الوهم فيه ضيّق
جمع العقول عللى الصواب بحجّة فيها احتمال الريب لا يتطرّق
فمن السكينة والوقار سكوته وله المقال الفصل ساعة ينطق
[ ١٨١ ]
وعلاؤه الآفاق ضقن بعظمها وبعظم مفخره البسيطة أضيق
فالناس في جدواه شخص واحد وبمدحه الدنيا جميعًا منطق
ونداه لو سكتوا لنوّه باسمه إنّ الندى لهو الخطيب المفلق
وإذا ترادفت المحول تشعّبت منه غمائم للبلاد تطبّق
وغدا يرفُّ على البريّة ظلّها ويريق النعماء فيهم تغدق
حتّى تمجّ الأرض ماء نعيمها ريًّا وبالعشب الثرى يتشقّق
فتبيت حالية بوشي ربيعها ولساكنيها العيش غضًّا يونق
مننٌ تفوت الواصفين وإنّما وصف الأنام ببعضها يستغرق
وإذا انتمى فلدوحة الشرف التي تنمو على مرّ الزمان وتورق
وشجت قديمًا ساريات عروقها حيث المجرّة نهرها يتدفّق
فأصولها فوق السما وفروعها شرفًا إلى ما لا نهاية تبسق
إلى أن قلت في قدوم الهادي والحسين من الحج:
قدمًا معًا والسعد طائر يمنه غردٌ يرفُّ عليهما ويرنق
ولئن تشوّقت البلاد إليهما فإلى لقائهما المعالي أشوق
لا مسَّ أيدي الراميات إلى منىً نصبٌ ولا منها عقرن الأسوق
فلكعبة البيت الحرام بكعبتي أمل العفاة سرت خفائف تعنق
وبثقل أجرهما ثقيلات الخطا صدرت كأنّ لها الرواسي أوسق
المحرمَين وإن أحلاّ دائمًا زهدًا بما تهوى النفوس وتعشق
فكأنّ كلّ مقام احتلاّ به حرمٌ وحجٌّ كلُّ يوم يخلق
والركن يشهد أنّ كفّهما التي استلمته لا إثمٌ بها متعلّق
نحرا غداة النفر هديًا قال لم يقبل سواي لو أنّ هديًا ينطق
وسرين من حرم الإله جوانحًا بهما إلى حرم النبي الأينق
بيت لو البيت استطاع لجائه بالركن يسعى سعي من يتملّق
فالدهر فيه محرم فمقصّر والفخر فيه طائف فمحلّق
عكفا به يتمسّكان فناشق لثم الضريح ولاثم يستنشق
واستقبلا حرم الوصيّ وإنّه حرم الإله به الملائك تحدق
وحمىً يجير من السعير لأنّه نفحات عفو الله منه تعبّق
فاستشفعا لله فيه ويمّما ناد بغير العزّ ليس يروّق
رفعت بأعلا الكرخ منه سرادق بعلائها العيّوق لا يتعلّق
جمع الصلاح على التقى أطرافه وغدا لواء الفخر فيه يخفق
أوما ترى كأس المسرّة تجتلي لعشيرة الشرف الرفيع وتدهق
عقدوا الندي وللوفاء محبّهم ينشي القريش مهنّيًا وينمق
يا من رباعهم غدت مملوئة بالوفد من كلّ الأماكن تطرق
فتحوا لهم باب السماح بهنَّ في زمن به باب المكارم مغلق
قد زفَّ فكري من عقائله لكم عذراء ليس لغيركم تتشوّق
أضحت بجيب الدهر جونة عنبر في نشر ذكركم تضوع وتعبق
جائت كما اقترح السرور وإن يكن كثر القصيد فغيرها لا يعشق
وترى الوفا نفس الكريم لأهله فرضًا ولو بأدائه هي تزهق
وتمجّه نفس اللئيم ولو لها لا زلت بالعسل المصفّى تلعق
وقال عمّنا المهدي مهنّيًا للفاضل محمّد الصالح بعرس ولده مصطفى الشرف الواضح آل كبّه:
أتتكومنها الشمس في الوجه تشرق ونشر الخزامى في الغلائل يعبق
رشيقة قدٍّ في السهام لحاظها حشا صبّها عن قوس حاجب ترشق
ولم تشبه الأغصان قامة قدّها وأنّى ومنها قدُّ مية أرشق
وليس التي بالماء يورق غصنها كمن هو من ماء الشبيبة مورق
لقد فضحت في عينها جؤذر النقا وإن هي في عينيه ترنو وترمق
وهاروت منها قد تعلّم سحره فما بالها ما قد تعلّم تسرق
فأعجب بها للمرء تسلب قلبه وأضلاعه عن قلبه لا تشقق
فتأخذه منه وأضلاع صدره على قلبه مجموعة لا تفرق
تميس وقرطاها قليقان والحشا على وفق قرطيها من الشوق يخفق
وما قلقنا إلاّ تمنّت نفوسهم مكانهما أكبادهم تتعلّق
وفاحت عليهم للمسرّات نفحة عليهم بأنواع المسرّات تعبق
وطبّقت الدنيا سرورًا بعرس من بغير النهى آباؤه ما تمنطقوا
[ ١٨٢ ]
وقد نادت الدنيا بنيها ألا ابشروا سينشي لكم روض من الجود مونق
فللمصطفى زفّ الفخار نجيبة ببيت علاء بالفخار يسردق
ومن نسله فيكم تعول أماجد على نهج آباها المكارم تنسق
لقد عقدوا النادي فكانوا نجومه وفي صدره شمس العشيرة تشرق
وكم قام مابين السماطين مصقع بتلك التهاني منشدًا يتأنّق
فيهتزُّ عطفاها لمدح زعيمها ومبسمها عن بارق يتألّق
فتىً كلّما ترنو ترى فيه غيرما رأيت من الفضل الذي ليس يسبق
وما للعلى إلاّ محمّد صالحٌ لأكمام أزهار المعالي يفتق
وإنّ على الزوراء كالشمس بيته بأشراقه غرب تساوي ومشرق
فمن بأقاصي الخافقين يرى سنا ضياه كمن في جنب علياه ملصق
ومن كان في مرمي سحيق يشمُّ من ثرى أرضه مسكًا سحيقًا وينشق
فطينته من طينة المجد صلصلت ومن نور شهب الفخر حصباه تخلق
وساحته مدّت به من سماحة سحاب نداها في البريّة مغدق
زوبالشرف الوضّاح عَلَيّ سقفه فأضحت به ريح المكارم تخفق
وفي منتهى العلياء إن صيّروا له أساسًا لعمري السقف أين يحلّق
إذا ما تجلّى ربّه يوم مفخر رأيت أجلاّء البريّة تصعق
فيامن رأى منه الأنام عجائبًا ببحر معانيها البصائر تغرق
فضحت الذي جاراك إذ فتَّ طرفه فظنّ بمضمار العلى هو أسبق
ولم يدر أمسى في الحضيض وأنت عن هواجس أوهام الأنام محلّق
حنانيك فيك الوهم لا يتعلّق فإنّى لك الصيد الأماجد تسبق
سموت وخلّفت النجوم بغيظها ورائك تبدوا تارةً ثمّ تخفق
وبدر السما من شدّة الغيظ وجهه به كلفٌ لا ينجلي حين يشرق
إذا الشهب لم تلحقك كيف بك الذي تقاعد في الأرض البسيطة يلحق
فهذا وما شارفت ما تستحقّه وأنت بمن جاراك في السبق ترفق
فلو تعطين منك النقيبة حقّها وكنت إلى حيث التسحقّق تجلّق
لقمت مقامًا دون أدنى محلّة تقطّع أوهام الورى وتفرّق
لعمري لانت الحوّل القلب الذي لما فتقت أيدي الحوادث ترتق
إذا أعوصت عمياء أسدف نهجها ومن دونها باب الإصابة مغلق
وضلّ بها رأي الحصيف وكلّما تثبّت فيها حازم الرأي يزلق
كشفت بديهًا أمرها وكأنّما على غامضات الغيب صدرك مطبق
فما أنت إلاّ آية جلَّ قدرها بأعجازها أعداء مجدك صدّقوا
وهي طويلة ومن أرادها فليطلبها من كتابه المسمّى بمصباح الأدب الزاهر.