قلت في ذلك:
ما أكثر النّاس إلاّ إنّهم بقرٌ تأتي المثالب أفواجًا إذا ذكروا
لو شام آدم بعضًا من فضائحهم لما أحبّ إليه تنسب البشر
الباب الحادي عشر: في قافية الزاء وفيها فصل في المديح قلت في مدحه هذه القطعة الباهرة:
ودار عُلىً لم يكن غيرها لدائرة الفخر من مركز
بها قد تضمّن صدر النّديّ قتىً ليديه الندى يعتزي
صليب الصفاة صليب القناة عود معاليه لم يغمز
أرى المدح يقصر عن شأوه فأطنب إذا شئت أو أوجز
فلست تحيط بوصف امرء نشا هو والمجد في حيّز
ربيب المكارم ترب السماح قرى المعتفي ثروة المعوز
فأيّ العوارف لم يبتدىء وأيّ المواعد لم ينجز
فتى في صريح العلى ليس فيه لكاشح علياه من مهمز
وذو هاجس أينما زجّه فما طلب الغيب بالمعجز
تراه خبيرًا بلحن المقال بصيرًا بتعمية الملغز
نسجن المكارم أبراده وقلن لأيدي الثنا طرّزي
ترى الدهر يحلب من كفّه لبون ندىً قطّ لم تغرز
فأمّا قولي فيها:
تراه خبيرًا بلحن المقال بصيرًا بتعمية الملغز
فقد اشتمل على ذكر اللحن والتعمية واللغز؛ فأمّا اللحن فهو الكناية عن الشيء والتعريف بذكره والعدول عن الإفصاح عنه، قال الله تعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ القَوْلْ) . وقال الشاعر:
ولقد وحيت لكم ليكما تفطنوا ولحنت لحنًا ليس بالمرتاب
وقال الآخر:
وحديث ألذّه وهو ممّا ينعت الناعتون يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا نًا وخير الحديث ما جاء لحنا
وقيل: إنّ المعنيّ من اللحن في هذاالبيت هو الفطنة وسرعة الفهم على معنى ما روي عن النبي ﵇ أنّه قال: لعلّ أحدكم أن يكون ألحن بحجّته، أي أفطن لها وأغوص عليها.
[ ١٤٨ ]
وأخبر أبو عبد الله محمّد بن عمر بن موسى المرزباني قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله العسكري قال: حدّثنا العنبري قال: حدّثنا علي بن إسماعيل اليزيدي قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: تكلّمت هند بنت أسماء بن خارجة فلحنت وهي عند الحجاج، فقال لها: تلحنين وأنت شريفة في بيت قيس؟ قالت: أما سمعت قول أخي مالك لامرأته الأنصاريّة؟ قال: ما هو؟ قالت: قال:
منطق صائب ونلحن أحيا نًا وخير الحديث ما كان لحنًا
فقال لها الحجاج: إنّما عنى أخوك اللحن في القول إذا كنى المحدّث عمّا يريد ولم يعن اللحن في العربيّة فأصلحي لسانك.
قال السيّد المرتضى: وقد ظنّ عمرو بن بحر الجاحظ مثل هذا بعينه وقال: إنّ اللحن مستحسن في النساء الغرائر - جمع غريرة وهي التي لم تجرب الأُمور - وليس بمستحسن منهنّ كلّ الصواب والتشبّه بفحول الرجال، واستشهد بأبيات مالك بعينها وظنّ أنّه اراد باللحن ما يخالف الصواب، وتبعه على هذا الغلط عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري فذكر في كتابه المعروف بعيون الأخبار أبيات الفزاري واعتذر بها من لحن أن أُصيب في كتابه.
قال الشريف المرتضى: وأخبرنا أبو عبد الله المرزباني قال أخبرنا محمّد بن يحيى الصؤلي قال حدّثني يحيى بن علي المنجّم قال حدّثني أبي قال قلت للجاحظ: مثلك في عقلك وعلمك بالأدب ينشد قول الفزاري ويفسّره على أنّه أراد اللحن في الإعراب وإنّما أراد وصفها بالظرف والفطنة وإنّها توري عمّا قصدت له وتتنكّب التصريح به؟ فقال: قد فطنت لذلك بعد، فقلت: غيّره من كتابك، فقال: كيف لي بتغيير ما سار به الركبان. قال الصؤلي: فهو في كتابه على خطأه.
قال الشريف المرتضى: ومن حسن اللحن الذي هو التعريض والكناية ما أخبرنا به أبوالحسن علي بن محمّد الكتاب قال: حدآثنا أبوبكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي أنّ رجلًا من بني العنبر حصل أسيرًا في بكر بن وائل فسألهم رسولًا إلى قومه فقالوا له لا ترسل إلاّ بحضرتنا لأنّهم كانوا عزموا على غزو قومه فخافوا أن ينذرهم فجيء بعبد أسود فقال له: أتعقل؟ قال: نعم إنّي لعاقل، قال: وما أراك عاقلًا، وأشار بيده إلى الليل، فاقل: ما هذا؟ قال: الليل، قال: أراك عاقلًا، ثمّ ملأ كفّيه من الرمل فقال: كم هذا؟ قال: لا أدري وإنّه لكثير، فقال: أيّما أكثر النجوم أم النيران؟ قال: كلٌّ كثير، فقال: أبلغ قومي التحيّة وقل لهم ليكرموا فلانًا فإنّ قومه لي مكرمون - يعني به أسيرًا كان في أيديهم من بكر -، وقل لهم إنّ العرفج قد أدبى وشكت النساء وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها وأن يركبوا جملي الأصهب بآية ما أكلت معكم حيسًا، واسالوا عن خبري أخي الحارث.
فلمّا أدّى العبد الرسالة إليهم قالوا: لقد ألحن الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملًا أصهبًا، ثمّ سرّحوا العبد ودعوا الحارث فقصّوا عليه القصّة، فقال: قد أنذركم؛ أمّا قوله: قد أدبى العرفج، يريد أنّ الرجال قد استلئموا ولبسوا السلاح، والعرفج جنس من الشوك، وأدبى أي أورق وصار الورق عليه كالدبا، الدبا صغار النمل، أي ارتحلوا عن الدهناء وأركبوا الصمان وهو الجمل الأصهب. وقوله: أكلت معكم حيسًا، يريد أخلاطًا من النّاس قد غزوكم لأنّ الحيس يجمع التمر والسمن والأقط، فامتثلوا ما قال وعرفوا لحن كلامه.
[ ١٤٩ ]
وممّا يناسب هذه القضيّة وهو من التعريض بالأفعال دون الأقوال - وهذا وإن كان ذكره في باب التعريض أليق إلاّ أنّ فيه شبهًا بهذه القضيّه - ما ذكر أنّ الأخوص بن جعفر الكلابي أتاه آت من قومه فقال: إنّ رجلًا لا نعرفه جائنا فلمّا دنا منّا بحيث نراه نزل عن راحلته فعلق على شجرة وطبًا من لبن ووضع في بعض أغصانها حنظلة ووضع صرّة من تراب وحزمة من شوك ثمّ أثار راحلته فاستوى عليها وذهب. وكان أيّام حرب تميم وقيس عيلان، فنظر الأخوص في ذلك فعيّ به فقال: أرسلوا إلى قيس بن زهير، فقال: ألم تك أخبرتني أنّه لا يردّ عليك أمر إلاّ عرفت ما فيه ما لم تر نواصي الخيل؟ قال: ما خبرك؟ فأعلمه، فقال: قد تبيّن الصبح لذي عينين، هذا رجل قد أخذت عليه العهود أن لا يكلّمكم ولا يرسل إليكم وإنّه قد جاء فأنذركم: أمّا الحنظلة، فإنّه يخبركم أنّه أتاكم بنوا حنظلة، وأمّا الصرّة، فإنّه يزعم أنّهم عدد كثير، وأمّا الشوك، فيخبركم أنّ لهم شوكة، وأمّا الوطب، فإنّه يدلّكم على قرب القوم وبعدهم، فذوقوه فإن كان حلوًا حليبًا فالقوم قريبون وإن كان قارصًا فالقوم بعيدون وإن كان مسخًا لا حلوًا ولا حامضًا فالقوم لا قريبون ولا بعيدون، فقاموا إلى الوطب فوجوده حليبًا، فبادروا إلى الإستعداد وغشيتهم الخيل فوجدتهم مستعدّين.
ويناظر هذه الحكاية ما حكي أنّ قتيبة بن مسلم دخل على الحجّاج وبين يديه كتاب قد ورد إليه من عبد الملك وهو يقرؤه ولا يعرف معناه وهو مفكّر، فقال له: ما الذي أحزن الأمير؟ قال: كتاب ورد من أمير المؤمنين ولا أعرف معناه، قال: إن رأى الأمير إعلامي به، فناوله إيّاه وفيه: أمّا بعد فإنّك سالم والسّلام، فقال قتيبة: مالي إن إستخرجت لك ما أراد به؟ قال: ولاية خراسان، قال: إنّه ما يسرّك أيّها الأمير ويقرّ عينك، إنّما أراد قول الشاعر:
يديرونني عن سالم وأديرهم وجلدة بين العين والأنف سالم
أي أنت عندي مثل سالم عند هذا الشاعر، فولاّه خراسان.
قال في القاموس: وقول الجوهري يقال للجلدة التي بين العين والأنف سالم غلط واستشهاده ببيت عبد الله بن عمر باطل، وهذا البيت لعبد الله بن عمر قاله في ابنه سالم.
وذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين قال: خطب الوليد بن عبد الملك فقال: أمير المؤمنين عبد الملك قال: إنّ الحجّاج جلدة مابين عيني وأنفي، ألا وإنّي أقول: إنّ الحجّاج جلدة وجهي كلّه.
وأمّا اللغز وهو الأحجية والمعمى، فإن يجيء المتكلّم بأوصاف أو بوصف في ألفاظ مشتركة من غير الموصوف ويشير بها إلى مقصود مجهول أو اسم بتغيير حروفه وإمّا بتصحيف أو بعكس أو حساب. والحاصل أنّ أنواعه كثيرة ليس هذا محلّ حصرها لتشعّبها، ومدار هذا النوع على الحزر والحدس والفطنة ومعرفة الحساب، ولنودر نبذة من الأمثلة في ذلك، قال بعضهم في الضرس:
وصاحب لا أملُّ الدهر صحبته يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
ما إن رأيت له شخصًا فمذ وقعت عيني عليه افترقنا آخر الأبد
وقال الحريري في الميل:
وما ناكح أختين سرًّا وجهرة وليس عليه في النكاح سبيل
متى يغش هذي يغش في الحال هذه وإن مال بعل لم تجده يميل
يزيدهما عند المشيب تعاهدًا وبرًّا وهذا في الفحول قليل
وقال الآخر في الخيمة:
ومضروبة من غير ذنب أتت به إذا ما هدى الله الأنام أضلّت
وقال بعضهم في اسم عثمان:
حروفه معدودة خمسة إذا مضى حرف تبقى ثمان
وقال الآخر في القلم:
وذي شحوب راكع ساجد ودمعه من عينه جاري
ملازم الخمس لأوقاتها معتكف في خدمة الباري
وقال الآخر في الميزان:
وقاضي قضاة يفصل الحكم ساكتًا وبالحق يقضي لا يبوح فينطق
قضى بلسان لا يميل وإن يمل على أخد الخصمين فهو مصدق
وقال الآخر فيه:
وما حاكم أعمى وفصلٌ قضاؤه ولو كان ذا عين لما قام بالفصل
وفي هذا القدر من الأمثلة كفاية، لأنّ هذا الباب واسع جدًّا لا تحصى أمثلته لكثرتهما.