قلت في مدحه هذه المدحة:
رأت المشيب بعارضيك فغاضها وثنت بذات البان عنك لحاظها
هيفاء لو برزت لنسّاك الورى يومًا لأصبى دلّها وعاضها
ريم لئالي نحرها تحكي لئا لىء ثغرها اللائي حكت ألفاظها
قد كان شملك بالكواعب جامعًا أيّام سوق صباك كان عكاظها
فتنبّهت عين الزمان ففرّقت بالشيب شملك لا رأت إيقاظها
رقّت إليك قلوبهنّ مع الصبا وأعادهنَّ لك المشيب غلاظها
فدع الغواني القاتلات بصدّها كم فتنة غنح الحسان أفاظها
واهتف هديت ولو من النبل العدا كسرت عليك لغيظها أرعاضها
بمدائح الحسن الذي آباؤه كانوا لأسرار الندى حفّاظها
حمّال ثقل المكرمات بهمّة لم تشك مذ نهضت بها أبهاظها
يا من أعار النيّرات ضيائها فزهت وأعطى المخدرات حفاظها
أوقدت نار قرى لضيفك ضوئها وبقلب كاشحك اقتدحت شواظها
فأمّا قولي: رأيت المشيب بعارضيك الخ فمثل قول مهيار الديلمي من قصيدة:
ولم أنس إذ راحوا مطيعين للنوى وقد وقفت ذات الوشاحين والوقف
ثنت طرفها دون المشيب ومن يشب فكلّ الغواني عنه مثنيّة الطرف
وقد ولع الشعراء في وصف المشيب فأتوا فيه بكلّ معنى دقيق، في نظم أنيق، ويعجبني قول بعضهم في جارية سوداء:
وجارية من بنات الحبوش ذات لحاظ صحاح مراض
تعشّقتها للنصابي فشبت غرامًا ولم أك بالشبيب راضي
وكنت أعيّرها بالسواد فصارت تعيّرني بالبياض
وظريف قول بعضهم وهو من الهزل المراد به الجدّ:
تبسّم الشيب بذقن الفتى يوجب سفح الدمع من جفنه
حسب الفتى بعد الصبا ذلّة أن يضحك الشيب على ذقنه
وذمّ الشباب بعضهم بقوله:
لم أقل للشباب في دعة الله ولا حفظه غداة استقلاّ
زائراٌ زارنا أقام قليلًا سوّد الصحف بالذنوب وولّى
وما أحسن قول أبي العلا المعرّي في مدح الشيب:
خبّريني ماذا كرهت من الشيب فلا علم لي بذنب المشيب
أضياء النهار أم وضح اللؤ لؤ أم كونه كثغر الحبيب
وفي هذا المعنى قول بعضهم في ذمّ الشباب:
[ ١٥٧ ]
أخبرني فضل الشباب وماذا فيه من منظر يروق وطيب
غدره بالخليل أم حبّة للغي أم كونه كعيش الأديب
وبديع قول حسن بن النقيب في التأسّف على فقدان المشيب لا على أخلاق رداء الشباب القشيب:
لا تأسفنّ على الشباب وفقده فعلى المشيب وفقده يتأسّف
هذاك يخلفه سواه إذ انقضى ومضى وهذا إن مضى لا يخلف
وأمّا قولي في هذه المقطوعة:
هيفاء لو برزت لنسّاك الورى يومًا لأصبى دلّها وعاضها
فنظير قول ابن دريد في مقصورته حيث يقول:
ولاعبتني غادة وهنانة تضني وفي ترشافها برؤ الضنا
لو ناجت الأعصم لانحطَّ لها طوع القياد من شماريخ الذرى
أو صابت القانت في مخلولق مستصعب المسلك وعر المرتقى
ألهاه عن تسبيحه ودينه تأنيسها حتّى تراه قد صبا
كأنّما الصهباء مقطوب بها ماء جنى ورد إذا الليل غشا
يمتاحه راشف برد ريقها بين بياض الثغر منها واللما
ومنها:
يا هؤلاء هل نشدتنّ لنا ثاقبة البرقع عن عيني طلا
ما أنصفت أُمّ الصبيين التي أصبت أخا الحلم ولمّا يصطبى
وأمّا قولي فيها:
ريم لئالي نحرها تحكي لئا لىء ثغرها اللائي حكت ألفاظها
فالمقصود منه أنّ عقدها وأسنانها وألفاظها كلّها لئالىء يظهر ذلك من تشبيه بعضها ببعض. وللشعراء في هذا النحو والتشبيه معان غريبة، فمن ذلك قول البحتري:
ولمّا التقينا والنقا موعدٌ لنا تعجّب رائي الدرّ منّا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
وقال المتنبّي في ذلك:
ديار اللواتي دارهنّ عزيزة بسمر القنا يحفظن لا بالتمائم
حسان التثنّي ينقش الوشي مثله إذا مسن في أجسامهنّ النواعم
ويبسمن عن درٍّ تقلّدن مثله كأنّ التراقي وشحت بالمباسم
وشبّه الأرجاني الدمع في خدّ معشوقه باللؤلؤ في حال الفراق فقال:
نأى النوم عنّي لمّا نأوا وأقسم لا عاد حتّى يعودوا
فبلّغ سلامي بدر الخيام يكسفه نأيه والصدود
بآية ما قال يوم الرحيل مرعيّة للخليل العهود
ولمّا وقفنا غداة الوداع وقيّدت لتظعن بالحيّ قود
بكى وتنفّس خوف الفراق فأسلم عقديه جفن وجيد
كان الذي خلعته النحور من لؤلؤ لبسته الخدود
وقال أيضًا:
وكأنّ كلّ مليحة يوم النوى قد علّقت في الخدّ عقد الجيد
وأمّا قولي فيها:
واهتف هديت ولو من النبل العدا كسرت عليك لغيظها أرعاضها
فالرعظ بالضم مدخل سنخ النصل وفوقه لفائف العقب وتُسمّى الرصاف، والجمع أرعاظ، ويقال: إنّ فلانًا ليكسر عليك أرعاظ النبل، مثلٌ لمن يشتدّ غضبه، كأنّه يقول: إذا أخذ السهم نكت به الأرض نكتًا شديدًا حتّى تنكسر رعظه، أو معناه: يحرق عليك الأسنان، شبّه مداخل الأسنان ومنابتها بمداخل النصال من النصال، ومثلٌ آخر: ما قدرت على كذا حتّى تعطّفت عَلَيّ أرعاظ النّبل.