وينبغي للشاعر أن لا يقول شيئًا يحتاج أن يعتذر منه، فإن اضطره المقدار إلى ذلك، وأوقعه فيه القضاء؛ فليذهب مذهبًا لطيفًا، وليقصد مقصدًا عجيبًا، وليعرف كيف يأخذ بقلب المعتذر إليه، وكيف يمسح أعطافه، ويستجلب رضاه، فإن إتيان المعتذر من باب الاحتجاج وإقامة الدليل خطأ، لا سيما مع الملوك وذوي السلطان، وحقه أن يلطف برهانه مدمجًا في التضرع والدخول تحت عفو الملك، وإعادة النظر في الكشف عن كذب الناقل، ولا يعترف بما لم يجنه خوف تكذيب سلطانه أو رئيسه، ويحيل الكذب على الناقل والحاسد، فأما مع الإخوان فتلك طريقة أخرى.
وقد أحسن محمد بن علي الأصبهاني حيث يقول:
العذر يلحقه التحريف والكذب وليس في غير ما يرضيك لي أرب
وقد أسأت فبالنعمى التي سلفت إلا مننت بعفو ما له سبب
وقال إبراهيم بن المهدي للمأمون في أبيات يعتذر إليه:
الله يعلم ما أقول فإنها جهد الألية من مقر خاضع
ما إن عصيتك والغواة تمدني أسبابها إلا بنية طائع
وقد سلك أبو علي البصير مذهب الحجة وإقامة الدليل بعد إنكار الجناية، فقال:
لم أجن ذنبًا فإن زعمت بأن جنيت ذنبًا فغير معتمد
قد تطرف الكف عين صاحبها ولا يرى قطعها من الرشد
ونحوت أنا هذا النحو فقلت:
[ ٢ / ١٧٦ ]
لا يبعد الله أبا جعفر دعابة بت على نارها
وإن تأذيت فيا ربما تأذت العين بأشفارها
وأجل ما وقع في الاعتذار من مشهورات العرب قصائد النابغة الثلاث: إحداهن: يا دار مية بالعلياء فالسند يقول فيها:
فلا لعمر الذي مسحت كعبته وما هريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير تمسحها ركبان مكة بين الغيل والسند
ما قلت من سيء مما أتيت به إذًا فلا رفعت سوطي إلي يدي
إذًا فعاقبني ربي معاقبة قرت بها عين من يأتيك بالحسد
إلا مقالة أقوام شقيت بها كانت مقالتهم قرعًا على الكبد
نبئت أن أبا قابوس أوعدني ولا قرار على زأر من الأسد
والثانية: أرسمًا جديدًا من سعاد تجنب
[ ٢ / ١٧٧ ]
يقول فيها معتذرًا من مدح آل جفنة ومحتجًا بإحسانهم إليه:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلغت عني خيانة لمبلغك الواشي أغش وأكذب
ولكنني كنت امرأ لي جانب من الأرض فيه مستراد ومهرب
ملوك وإخوان إذا ما لقيتهم أحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم فلم ترهم في شكرهم لك أذنبوا
فلا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلي به القار أجرب
وذلك أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب
فإنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
والثالثة: عفا ذو حسي من فرتنا فالفوارع يقول فيها بعد قسم قدمه على عاداته:
لكلفتني ذنب امرئ وتركته كذي العر يكوي غيره وهو راتع
فإن كنت لا ذو الضغنين عني مكذب ولا حلفي على البراءة نافع
ولا أنا مأمون بقول أقوله وأنت بأمر لا محالة واقع
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقد تعلق بهذا المعنى جماعة من الشعراء: قال سلم الخاسر يعتذر إلى المهدي:
إني أعوذ بخير الناس كلهم وأنت ذاك بما نأتي ونجتنب
وأنت كالدهر مبثوثًا حبائله والدهر لا ملجأ منه ولا هرب
ولو ملكت عنان الريح أصرفه في كل ناحية ما فاتك الطلب
[ ٢ / ١٧٨ ]
فليس إلا انتظاري منك عارفة فيها من الخوف منجاة ومنقلب
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
وإني وإن حدثت نفسي بأنني أفوتك إن الرأي مني لعازب
لأنك لي مثل المكان المحيط بي من الأرض أني استنهضتني المذاهب
وإلى هذه الناحية أشار أبو الطيب بقوله:
ولكنك الدنيا إلي حبيبة فما عنك لي إلا إليك ذهاب
إلا أنه حرف الكلم عن مواضعه.
واختار العلماء لهذا الشأن قول علي بن جبلة:
وما لامرئ حاولته عنك مهرب ولو رفعته في السماء المطالع
بلى هارب لا يهتدي لمكانه ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
لأنه قد أجاد مع معارضته النابغة، وزاد عليه ذكر الصبح، وأظنه اقتدى بقول الأصمعي في بيت النابغة: ليس الليل أولى بهذا المثل من النهار وفي هذه الاعتراض كلام يأتي في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
وأفضل من هذا كله قول الله تعالى: " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ".
ووجد الفضل بن يحيى على أبي الهول الحميري فدخل إليه فأنشده:
كساني وعبد الفضل ثوبًا من البلى وإيعاده الموت الذي ما له رد
وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد من الجرم ما يخشى على مثله الحقد
فجد بالرضا لا أبتغي منك غيره ورأيك فيما كنت عودتني بعد
[ ٢ / ١٧٩ ]
فقال له الفضل على مذهب الكتاب في تحرير الخطاب: لا أحتمل والله قولك: " ورأيك فيما كنت دعوتني " فقال أبو الهول: لا تنظر أعزك الله إلى قصر باعي، وقلة تمييزي، وافعل بي ما أنت أهله، فأمر له بمال جسيم، ورضي عنه، وقربه.
وفي اشتقاق الأعذار ثلاثة أقوال: أحدهما أن يكون من المحو، كأنك محوت آثار الموجدة، ومن قولهم: اعتذرت المنازل، إذا درست، وأنشدوا قول ابن أحمر:
أم كنت تعرف آيات فقد جعلت أطلال إلفك بالودكاء تعتذر
والثاني: أن يكون من الانقطاع، كأنك قطعت الرجل عما أمسك في قلبه من الموجدة، ويقولون: " اعتذرت المياه " إذا انقطعت. وأنشدوا للبيد:
شهور الصيف واعتذرت إليه نطاق الشيطين من السماء
والقول الثالث: أن يكون من الحجر والمنع قال أبو جعفر: يقال " عذرت الدابة " أي جعلت لها عذرًا يحجزها من الشراد، فمعنى اعتذر الرجل احتجز، وعذرته: جعلت له بقبول ذلك حاجزًا بينه وبين العقوبة والعتب عليه، ومنه تعذر الأمر احتجز أن يقضى، ومنه جارية عذراء.
[ ٢ / ١٨٠ ]