العتاب وإن كان حياة المودة، وشاهد الوفاء فإنه باب من أبواب الخديعة، يسرع إلى الهجاء، وسبب وكيد من أسباب القطيعة والجفاء، فإذا قل كل داعية الألفة، وقيد الصحبة، وإذا كثر خشن جانبه، وثقل صاحبه.
وللعتاب طرائق كثيرة، وللناس فيه ضروب مختلفة؛ فمنه ما يمازجه الاستعطاف والاستئلاف، ومنه ما يدخله الاحتجاج والانتصاف، وقد يعرض فيه المن والإجحاف، مثل ما يشركه الاعتذار والاعتراف.
وأحسن الناس طريقًا في عتاب الأشراف شيخ الصناعة وسيد الجماعة أبو عبادة البحتري الذي يقول:
يريبني الشيء تأتي به وأكبر قدرك أن أستريبا
[ ٢ / ١٦٠ ]
وأكره أن أتمادى على سبيل اغترار فألقى شعوبا
أكذب ظني بأن قد سخطت وما كنت أعهد ظني كذوبا
ولو لم تكن ساخطًا لم أكن أذم الزمان وأشكو الخطوبا
ولا بد من لومة أنتحي عليك بها مخطئًا أو مصيبا
أيصبح وردي في ساحتي ك طرقًا ومرعاي محلًا جديبا؟!
أبيع الأحبة بيع السوام وآسى عليهم حبيبا حبيبا
ففي كل يوم لنا موقف يشقق فيه الوداع الجيوبا
وما كان سخطك إلا الفراق أفاض الدموع وأشجى القلوبا
ولو كنت أعلم ذنبًا لما تخالجني الشك في أن أتوبا
سأصبر حتى ألاقي رضا ك إما بعيدًا وإما قريبا
أراقب رأيك حتى يصح وأنظر عطفك حتى يؤوبا
والذي يقول أيضًا:
وأصيد إن نازعته اللحظ رده كليلًا، وإن راجعته القول جمجما
ثناه العدى عني فأصبح معرضًا وأوهمه الواشون حتى توهما
وقد كان سهلًا واضحًا فتوعرت رباه وطلقا ضاحكا فتجهما
أمتخذ عندي الإساءة محسن ومنتقم مني امرؤ كان منعما؟
ومكتسب في الملامة ما جد يرى الحمد غنما والملامة مغرما
يخوفني من سوء رأيك معشر ولا خوف إلا أن تجوز وتظلما
أعيذك أن أخشاك من غير حادث تبين أو جرم إليك تقدما
ألست الموالي فيك غر قصائد هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
ثناء كأن الروض فيه منور ضحًا، وكأن الوشى فيه منمنما
[ ٢ / ١٦١ ]
ولو أنني وقرت شعري وقاره وأجللت مدحي فيك أن يتهضما
لأكبرت أن أومي إليك بأصبع تضرع أو أدنى لمعذرة فما
وكان الذي يأتي به الدهر هينًا علي ولو كان الحمام المقدما
ولكنني أعلي محلي أن أرى مدلًا وأستحييك أن أتعظما
فهذا عتاب كما قال:
عتاب بأطراف القوافي كأنه طعان بأطراف القنا المتكسر
وقد نحوت أنا هذا النحو في كلمة عاتبت بها القاضي جعفر بن عبد الله الكوفي قلت فيها:
وقد كنت لا آتي إليك مخاتلًا لديك، ولا أثني عليك تصنعا
ولكن رأيت المدح فيك فريضة علي إذا كان المديح تطوعا
فقمت بما لم يخف عنك مكانه من القول حتى ضاق مما توسعا
ولو غيرك الموسوم عني بريبة لأعطيت منها مدعي القول ما ادعى
فلا تتخالجك الظنون فإنها مآثم، واترك في للصنع موضعا
فوالله ما طولت باللوم فيكم لسانًا، ولا عرضت للذم مسمعا
ولا مات عنكم بالوداد، ولا انطوت حبالي، ولا ولى ثنائي، مودعا
بلى ربما أكرمت نفسي فلم تهن وأجللتها عن أن تذل وتخضعا
ولم أرض بالحظ الزهيد، ولم أكن ثقيلًا على الإخوان كلا مدفعا
فباينت لا أن العداوة باينت وقاطعت لا أن الوفاء تقطعا
ألوذ بأكناف الرجاء، وأتقي شمات العدا، إن لم أجد فيك مطمعا
ومن معاتبات أبي تمام قوله لابن عبد الملك الزيات:
لئن هممي أوجدنني في تقلبي مآلا لقد أفقدنني منك موئلًا
وإن رمت أمرًا مدبر الوجه إنني لأترك حظًا في فنائك مقبلا
[ ٢ / ١٦٢ ]
وإن كنت أخطو ساحة المحل إنني لأترك روضا من جداك وجدولا
كذلك لا يلقي المسافر رحله إلى منقل حتى يخلف منقلا
ولا صاحب التطواف يعمر منهلا وربعًا إذا لم يخل ربعًا ومنهلا
ومن ذا يداني أو ينائي؟ وهل فتى يحل عرى الترحال أو يترحلا؟
فمرني بأمر أحوذي فإنني أرى الناس قد أثروا وأصبحت مرملًا
فسيان عندي صادفوا لي مطعنًا أعاب به أو صادفوا لي مقتلًا
ومن قصيدة أخرى لأبي تمام:
تقطعت الأسباب إن لم تغرلها قوى أو يصلها من يمينك واصل
سوى مطلب ينضى الرجاء بطوله وتخلق إخلاق الجفون الوسائل
وقد تألف العين الدجى وهو قيدها ويرجى شفاء السم والسم قاتل
ولي عدة تمضي العصور وإنها كعهدك من أيام مصر لحائل
سنون قطعناهن عشرًا كأن ما قطعنا لقرب العهد منها مراحل
وإن جزيلات الصنائع لامرئ إذا ما لليالي ناكرته معاقل
وإن المعالي يسترم بناؤها سريعًا، كما قد تسترم المنازل
ولو حاردت شوال عذرت لقاحها ولكن حرمت الدر والضرع حافل
منحتكها تشفي الجوى وهو لاعج وتبعث أشجان الفتى وهو ذاهل
ترد قوافيها إذا هي أرسلت هوامل مجد القوم وهي هوامل
وكيف إذا حليتها بحليها تكون وهذا حسنها وهي عاطل؟؟!
أكابرنا، عطفًا علينا؛ فإننا بنا ظمأ برح وأنتم مناهل
وقال ابن الرومي لأبي الصقر إسماعيل بن بلبل يعاتبه في قصيدة جيدة مختارة:
[ ٢ / ١٦٣ ]
عقيل الندى، أطلق مدائح جمة خواصي حسرى قد أبت أن تسرحا
وكنت متى تنشد مديحًا ظلمته يكن لك أهجى كلما كان أمدحا
عذرتك لو كانت سماء تقشعت سحائبها أو كان روض تصوحا
ولكنها سقيا حرمت رويها وعارضها ملق كلاكل جنحا
وأكلأ معروف حميت مريعها وقد عاد منها الحزن والسهل مسرحا
فيا لك بحرًا لم أجد فيه مشربًا وإن كان غيري واجدًا فيه مسبحا
مديحي عصا موسى، وذاك لأنني ضربت به بحر الندى فتضحضحا
فيا ليت شعري إن ضربت به الصفا أيحدث لي فيه جداول سيحا
كتلك التي أبدت ثرى البحر يابسًا وشقت عيونًا في الحجارة سفحا
سأمدح بعض الباخلين لعله إذا اطرد المقياس أن يتسمحا
فهذا هو الذي لا يبلغ جودة، ولا يجاري سبقًا، على أن البحتري قد تقدم إلى بعض المعنى في قوله للفتح بن خاقان:
غمام خطاني صوبه وهو مسبل وبحر عداني فيضه وهو مفعم
وبدر أضاء الأرض شرقًا ومغربًا وموضع رحلي منه أسود مظلم
وما بخل الفتح بن خاقان بالندى ولكنها الأقدار تعطي وتحرم
وأما أبو الطيب المتنبي فكان في طبعه غلظة، وفي عتابه شدة، وكان كثير التحامل، ظاهر الكبر والأنفة، وما ظنك بمن يقول لسيف الدولة:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظلم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم
[ ٢ / ١٦٤ ]
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الناس جراها ويختصم
وجاهل مده في جهله ضحكي حتى أتته يد فراسة وفم
إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم
فهذا الكلام في ذاته في نهاية الجودة، غير أنه من جهة الواجب والسياسة غاية في القبح والرداءة، وإنما عرض بقوم كانوا ينتقصونه عند سيف الدولة ويعارضونه في أشعاره، والإشارة كلها إلى سيف الدولة، ثم قال بعد أبيات:
يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمة لو أن أمركم من أمرنا أمم
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة إن المعارف في أهل النهى ذمم
كم تطلبون لنا عيبًا فيعجزكم ويكره الله ما تأتون والكرم؟!
ما أبعد العيب والنقصان من شرفي أنا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي عند صواعقه يزيلهن إلى من عنده الديم
أرى النوى يقتضيني كل مرحلة لا تستقل بها الوخادة الرسم
لئن تركن ضميرًا عن ميامننا ليحدثن لمن ودعتهم ندم
وإنما قال أولا ليحدثن لسيف الدولة الندم ثم بدله، وليس هذا عتابًا، لكنه سباب، وبسبب هذه القصيدة كاد يقتل عند انصرافه من مجلس إنشادها، وهذا الغرور بعينه.
فأما عتاب الأكفاء، وأهل المودات، والمتعشقين من الظرفاء، فبابة أخرى جارية على طرقاتها.
قال إبراهيم بن العباس الصولي يعاتب محمد بن عبد الملك الزيات، وقد تغير عليه لما وزر:
[ ٢ / ١٦٥ ]
وكنت أخي بإخاء الزمان فلما نبا صرت حربًا عوانا
وكنت أذم إليك الزمان فأصبحت فيك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائبات فها أنا أطلب منك الأمانا
وهذا عندي من أشد العتاب وأوجعه.
ومن أكرم العتاب قول السيد أبي الحسن أدام الله سيادته وسعادته:
وإني لأطرى كل خل صحبته وأنت ترى شتمي بغير حياء
ستعلم يومًا ما أسأت لصاحب تكرم أخلاقي وحسن وقائي
ومن مليح ما سمعت قول سعيد بن حميد يعاتب صديقًا له:
أقلل عتابك فالبقاء قليل والدهر يعدل تارة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة ألمت مدة ولكل حال أقبلت تحويل
فالمنتمون إلى الإخاء عصابة إن حصلوا أفناهم التحصيل
ولعل أحداث المنية والردى يومًا ستصدع بيننا وتحول
ولئن سبقت لتبكين بحسرة وليكثرن علي منك عويل
ولتفجعن بمخلص لك وامق حبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت، ولا سبقت، ليمضين من لا يشاكله لدي خليل
وليذهبن بهاء كل مروءة وليفقدن جمالها المأهول
وأراك تكلف بالعتاب وودنا صاف، عليه من الوفاء دليل
ود بدا لذوي الإخاء جماله وبدت عليه بهجة وقبول
ولعل أيام الحياة قصيرة فعلام يكثر عتبنا ويطول
إلى ههنا أومأ أبو الطيب بقوله:
ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها فمفترق جاران دارهما العمر
[ ٢ / ١٦٦ ]
وأشار إليه أيضًا بقوله، وأردت البيت الأخير:
زودينا بحسن وجهك ما دا م فحسن الوجوه حال تحول
وصلينا نصلك في هذه الدني افإن المقام فيها قليل
والجميع من قول الأول:
ولقد علمت فلا تكن متجنيًا أن الصدود هو الفراق الأول
حسب الأحبة أن يفرق بينهم ريب المنون فما لنا نستعجل
إلا أن ابن حميد قد فنن وبين، وشرح ما أجمل غيره بقوله " لئن سبقت أنا " " ولئن سبقت أنت " فله بذلك فضل بين، ورجحان ظاهر.
وما أحسن إيجاز الذي قال:
العمر أقصر مدة من أن يمحق بالعتاب
وقال أبو المحدثين بشار:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدًا أو صل أخاك فإنه مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه