العرب كثيرًا ما تستعمل المجاز، وتعده من مفاخر كلامها؛ فإنه دليل الفصاحة، ورأس البلاغة، وبه بانت لغتها عن سائر اللغات.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ومعنى المجاز طريق القول ومأخذه، وهو مصدر جزت مجازًا كما تقول " قمت مقامًا "، وقلت مقالًا " حكى ذلك الحاتمي، ومن كلام عبد الله بن مسلم بن قتيبة في المجاز قال: لو كان المجاز كذبًا لكان أكثر كلامنا باطلًا؛ لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر، ونقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا، والفعل لم يكن وإنما يكون، وتقول: كان الله، وكان بمعنى حدث، والله قبل كل شيء، وقال في قول الله ﷿: " فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه " لو قلنا لمنكر هذا كيف تقول في جدار رأيته على شفا انهيار؟ لم يجد بدًا من أن يقول: يهم أن ينقض، أو يكاد، أو يقارب، فإن فعل فقد جعله فاعلًا، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من ألسنة العجم إلا بمثل هذه الألفاظ.
والمجاز في كثير من الكلام أبلغ من الحقيقة، وأحسن موقعًا في القلوب والأسماع، وما عدا الحقائق من جميع الألفاظ ثم لم يكن محالًا محضًا فهو مجاز؛ لاحتماله وجوه التأويل، فصار التشبيه والاستعارة وغيرهما من محاسن الكلام داخلة تحت المجاز، إلا أنهم خصوا به أعني اسم المجاز بابًا بعينه؛ وذلك أن يسمى الشيء باسم ما قاربه أو كان منه سبب، كما قال جرير ابن عطية:
إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا
أراد المطر لقربه من السماء، ويجوز أن تريد بالسماء السحاب؛ لأن كل ما أظلك فهو سماء، وقال " سقط " يريد سقوط المطر الذي فيه، وقال " رعيناه " والمطر لا يرعى، ولكن أراد النبت الذي يكون عنه؛ فهذا كله مجاز، وكذلك قول العتابي:
[ ١ / ٢٦٦ ]
يا ليلة لي بجوارين ساهرةً حتى تكلم في الصبح العصافير
فجعل الليلة ساهرة على المجاز، وإنما يسهر فيها، وجعل للعصافير كلامًا، ولا كلام لها على الحقيقة. ومثله قول الله ﷿ إخبارًا عن سليمان صلى الله على سيدنا محمد وعليه: " يا أيها الناس علمنا منطق الطير " وإنما الحيوان الناطق الإنس والجن والملائكة، فأما الطير فلا، ولكنه مجاز مليح واتساع، وهذا أكثر من أن يحصره أحد، ومثله في كتاب الله ﷿ كثير، من ذلك قوله تعالى: " واسأل القرية " ومثله " وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم " يعني حبه، ومنه: " فتبارك الله أحسن الخالقين " وهو الخالق حقًا وغيره خالق مجازًا، وقوله: والله خير الماكرين وإنما سمي ذلك مكرًا لكونه مجازاة عن مكر، وكذلك قوله: " فبشرهم بعذاب أليم " والعذاب لا يبشر به، وإنما هو أنه مكان البشارة.
ومن أناشيد هذا الباب قول الفرزدق:
والشيب ينهض في الشباب كأنه ليل يصيح بجانبيه نهار
وقال يعقوب بن السكيت: العرب تقول:
بأرض بني فلان شجر قد صاح؛ إذا طال، وأنشدوا للعجاج: كالكرم إذ نادى من الكافور قال ابن قتيبة: لما تبين الشجر بطوله ودل على نفسه جعله كأنه صائح؛ لأن الصائح يدل على نفسه بصوته. وأنشد غيره قول سويد بن كراع في نحو هذا:
رعى غير مذعور بهن، وراقه لعاع تهاداه الدكادك واعد
يقال: نبات واعد، إذا أقبل كأنه قد وعد بالتمام، وكذلك إذا نور أيضًا قيل: قد وعد. ومن المجاز عندهم قول الشاعر وغيره: فعلت ذاك والزمان غر، والزمان غلام، وما أشبه ذلك، وهو يريد نفسه ليس الزمان، ولا أرى ذلك مستقيمًا
[ ١ / ٢٦٧ ]
بل عندي الصواب ونفس الاستعارة أن يبقى الكلام على ظاهره مجازًا؛ لأنا نجد في هذا النوع ما لا ينساغ فيه التأويل، كقول بعضهم:
سألتني عن أناس هلكوا شرب الدهر عليهم وأكل
فليس معناه شربت وأكلت عليهم؛ لأنه إنما يعني بعد العهد لا السلو وقلة الوفاء. وقال أبو الطيب:
أفنت مودتها الليالي بعدنا ومشى عليها الدهر وهو مقيد
فإنما أراد الدهر حقيقة. وقال الصنوبري:
كان عيشي بهم أنيقًا فولى وزماني فيهم غلامًا فشاخا
فليس مراده كنت فيهم غلامًا فشخت، ولكل موضع ما يليق به من الكلام ويصح فيه من المعنى.
وأما كون التشبيه داخلًا تحت المجاز فلأن المتشابهين في أكثر الأشياء إنما يتشابهان بالمقاربة على المسامحة والإصلاح، لا على الحقيقة، وهذا يبين في بابه إن شاء الله تعالى.
وكذلك الكناية في مثل قوله ﷿ إخبارا عن عيسى ومريم ﵉: " كانا يأكلان الطعام " كناية عما يكون عنه من حاجة الإنسان، وقوله تعالى حكاية عن آدم وحواء صلى الله عليهما: " فلما تغشاها " كناية عن الجماع، وقول النبي ﷺ: " العين وكاء السه " وقوله لحادٍ كان يحدو به " إياك والقوارير " كناية عن النساء لضعف عزائمهن، إلى أكثر من هذا.