المقابلة: مواجهة اللفظ بما يستحقه في الحكم، هذا حد ما اتضح عندي
المقابلة: بين التقسيم والطباق، وهي تتصرف في أنواع كثيرة، وأصلها ترتيب الكلام على ما يجب؛ فيعطي أول الكلام ما يليق به أولًا، وآخره ما يليق به آخرًا، ويأتي في الموافق بما يوافقه، وفي المخالف بما يخالفه.
وأكثر ما تجئ المقابلة في الأضداد، فإذا جاوز الطباق ضدين كان مقابلة مثال ما أنشده قدامة لبعض الشعراء، وهو:
فيا عجبًا كيف اتفقنا؛ فناصح وفي، ومطوي على الغل غادر؟
فقابل بين النصح والوفاء بالغل والغدر، وهكذا يجب أن تكون المقابلة الصحيحة، لكن قدامة لم يبال بالتقديم والتأخير في هذا الباب، وأنشد للطرماح:
أسرناهم وأنعمنا عليهم وأسقينا دماءهم التربا
[ ٢ / ١٥ ]
فما صبروا بلأس عند حرب ولا أدوا لحسن يدٍ ثوابا
فقدم ذكر الإنعام على المأسورين، وأخر ذكر القتل في البيت الأول؛ وأتى في البيت الثاني بعكس الترتيب، وذلك أنه قدم ذكر الصبر عند بأس الحرب وأخر ذكر الثواب على حسن اليد، اللهم إلا أن يريد بقوله فما صبروا لبأس عند حرب القوم المأسورين إذ لم يقاتلوا حتى يقتلوا دون الأسر وإعطاء اليد؛ فإن المقابلة حينئذ تصح وتترتب على ما شرطنا، وهذه عندهم تسمى مقابلة الاستحقاق، ويقرب منها قول أبي الطيب: وفعله ما تريد الكف والقدم لأن الكف من اليد بمنزلة القدم من الرجل، فبينهما مناسبة وليست مضادة، ولو طلبت المضادة لكان الرأس أو الناصية أولى، كما قال تعالى: " فيؤخذ بالنواصي والأقدام ".
ومن أناشيد المقابلة قول النابغة الجعدي:
فتى تم فيه ما يسر صديقه على أن فيه ما يسوء الأعادية
فقابل يسر بيسوء وصديقه بالأعادي، وهذا جيد؛ ولو كان كل مقابل على وزن مقابله في هذا البيت والبيت الذي أنشده قدامة أولًا لكان أجود..
وقال عمرو بن معدي كرب الزبيدي:
ويبقى بعد حلم القوم حلمي ويفنى قبل زاد القوم زادي
فقال يبقى بعد ثم قال يفنى قبل فهذا كما أردنا.
وقال الفرزدق:
وأنا لنمضي بالأكف رماحنا إذا أرعشت أيديكم بالمعالق
[ ٢ / ١٦ ]
سأل أبو جعفر المنصور أبا دلامة فقال: أي بيت قالته العرب أشعر؟ قال: بيت يلعب به الصبيان، قال: وما هو ذلك؟ قال: قول الشاعر:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
وقال يزيد بن محمد المهلبي، يقوله لسليمان بن وهب:
فمن كان للآثام والذل أرضه فأرضكم للأجر والعز معقل
وقال في التغزل:
إن تغيبي عني فسقيًا ورعيًا أو تحلي فينا فأهلًا وسهلًا
والمعجز قوله الله تعالى: " ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرًا ولتبتغوا من فضله " فقابل الليل بالسكون، والنهار بابتغاء الفضل، وجعل بعض المفسرين الليل والنهار بمعنى الزمان، والأول أعجب إلى، وقال تعالى: " وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين ".
ومن جيد المقابلة قول بكر بن النطاح الحنفي:
أذكى وأوقد للعداوة والقرى نارين نار وغى ونار زناد
وكذلك قوله:
لباسي حسام أو إزار معصفر ودرع حديد أو قميص مخلق
إلا أنه لو كان الإزار رداء كان أجود، لا سيما والسيف يسمى رداء، ولكنا هكذا رويناه.
ومن خفي المقابلة والقسمة قول العباس بن الأحنف وأحسن ما شاء:
اليوم مثل الحول حتى أرى وجهك، والساعة كالشهر
وهذا مليح؛ لأن الساعة من اليوم كالشهر من الحول جزء من اثني عشر.
وقال محمد بن أحمد العلوي:
لا تؤخر عني الجواب فيومي مثل دهر، وساعتي مثل شهر
[ ٢ / ١٧ ]
فلم يصنع شيئًا، وكان يمكنه أن يجعل مكان دهر حولا؛ فتكون قسمة مستوية، ولكنا هكذا رويناه.
ومن جيد ما وقع في المنثور من المقابلة قول بعض الكتاب فإن أهل الرأي والنصح لا يساويهم ذوو الأفن والغش، وليس من يجمع إلى الكفاية الأمانة كمن أضاف إلى العجز الخيانة ومن كلام إبراهيم بن هلال الصابي وأعد لمحسنهم جنة وثوابًا، ولمسيئهم نارًا وعقابًا.
وقال أبو الفتح محمود بن حسين كشاجم:
تريك الحسن والإحسان وقفًا إذا برزت لنا وإذا تغيب
ومما عابه الجرجاني على ابن المعتز:
بياض في جوانبه احمرارٌ كما احمرت من الخجل الخدود
لأن الخدود متوسطة وليست جوانب؛ فهذا من سوء المقابلة، وإن عده الجرجاني غلطًا في التشبيه، وإنما العلة في كونه غلطًا ما ذكرناه..
ومن المأخوذ المعيب عندي قول الكميت يخاطب قضاعة:
رأيتكم من مالك وادعائه كرائمة الأولاد من عدم النسل
فوقع تشبيهه على الادعاء والرثمان خاصة، لا على صحة المقابلة في الشبهين؛ لأن هؤلاء فيما زعم يدعون أبا، والرائمة تدعى ولدًا، وهما ضدان.
والصواب قول الآخر يهجو كاتبًا، أنشده الجاحظ:
حمار في الكتابة يدعيها كدعوى آل حرب في زياد
وقال أبو نواس:
أرى الفضل للدنيا وللدين جامعًا كما السهم فيه فوق والريش والنصل
فزاد في المقابلة قسمًا؛ لأنه قابل اثنين بثلاثة.
وكذلك قول أبي قيس ابن الأسلت:
الحزم والقوة خير من ال إدهان والفكة والهاع
[ ٢ / ١٨ ]
فقابل الحزم بالإدهان، والقوة بالفكة وهي الضعف ويروي الفهة وهي العي، وزاد الهاع، وهو الجبن والخفة.
ومما سقط فيه عبد الكريم من جهة المقابلة وإن كان تمثيلًا وتشبيهًا قوله يمدح نزار بن معد صاحب مصر:
إلى ملكٍ بين الملوك وبينه مسافة ما بين الكواكب والترب
لأنه لما أتى بالملوك أولًا وبضمير الممدوح وهو الهاء التي في بينه بعد ذلك، ثم أتى بالكواكب وهي جماعة تقابل الملوك وبالترب وهو واحد يقابل الضمير باتحاده؛ أوجب له بهذا الترتيب أن يكون هو الترب، وتكون الملوك هم الكواكب، ولم يرد إلا أن يجعله موضع الكواكب، ويجعلهم موضع الترب، ولكن حكم عليه ما حكم على ابن المعتز الذي إليه انتهى التشبيه وسر صناعة الشعر.. ويدلك على صحة ما طلبته به قول امرئ القيس بن حجر:
كأن القلوب الطير رطبًا ويابسًا لدي وكرها العناب والحشف البالي
قابل الرطب أولا بالعناب مقدمًا، وقابل اليابس ثانيًا بالحشف تاليا. وكذلك قول الطرماح:
يبدو وتضمره البلاد كأنه سيف على شرف يسل ويغمد
فقابل يبدو بيسل، وقابل تضمره البلاد بيغمد، على ترتيب، وكذلك كان يجب لهؤلاء أن يصنعوا، وإلا كانوا مخطئين أو مقصرين.
ومن المقابلة ما ليس مخالفًا ولا موافقًا كما شرطوا إلا في الوزن والازدواج فقط، فيسمى حينئذ موازنة نحو قول النابغة:
أخلاق مجد تجلت ما لها خطر في البأس والجود بين الحلم والخبر
وعلى هذا الشعر حشا النعمان بن المنذر فم النابغة درًا.
وينضاف إلى هذا النوع قول أبي الطيب:
[ ٢ / ١٩ ]
نصيبك في حياتك من حبيب نصيبك في منامك من خيال
فوازن قوله في حياتك بقوله في منامك وليس بضده ولا موافقه، وكذلك صنع في الموازنة بين حبيب وخيال، وإن اختلف حرف اللين فيهما، فإن تقطيعه في العروض واحد.
فأما قول أبي تمام:
فكنت لناشيهم أبًا، ولكهلهم أخًا، ولذي التقويس والكبرة ابنما
فإنه من أحكم المقابلة وأعدل القسمة.
وقد بنيت في أول هذا الباب أن المقابلة بين التقسيم والطباق؛ فكلما توفر حظها منهما كانت أفضل.
ومن أملح ما رويناه في الموازنة وتعديل الأقسام مما يجب أن نختم به هذا الباب قول ذي الرمة:
أستحدث الركب عن أشياعهم خبرًا أم راجع القلب من أطرابه طرب؟؟
لأن قوله أستحدث الركب موازن لقوله أم راجع القلب وقوله عن أشياعهم خبرًا موازن لقوله من أطرابه طرب وكذلك الركب موازن للقلب وعن موازن لمن، وأشياعهم موازن أطرابه وخبرًا موازن لطرب.
وقال السيد أبو الحسن في هذا النوع:
لكفاك أندى من غيوم سواجم وعزمك أمضى من حسام مهند
فكل لفظة من القسيم الأول موازنة لأختها من القسيم الآخر موازنة عدلٍ وتحقيق.