ذكر ابن المعتز أن الجاحظ سمى هذا النوع المذهب الكلامي.
قال ابن المعتز: وهذا باب ما علمت أني وجدت منه في القرآن شيئًا، وهو ينسب إلى التكلف، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
[ ٢ / ٧٨ ]
قال صاحب الكتاب: غير أن ابن المعتز قد ختم بهذا الباب أبواب البديع الخمسة التي خصها بهذه التسمية، وقدمها على غيرها، وأنشد الفرزدق:
لكل امرئ نفسان: نفس كريمة وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها
ونفسك من نفسيك تشفع للندى إذا قل من أحرارهن شفيعها
وأنشد لآخر، ولا أظنه إلا إبراهيم بن العباس:
وعلمتني كيف الهوى وجهلته وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي
فاعلم مالي عندكم فيميل بي هواي إلى جهلي وأعرض عن علمي
وعاب على أبي تمام قوله:
فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن يرضى المؤمل منك إلا بالرضا
وحكى أن إسحاق الموصلي سمع الطائي ينشد ويكثر من هذا الباب وأمثاله عند الحسن بن وهب، فقال: يا هذا، لقد شددت على نفسك.
وأنشد ابن المعتز لنفسه:
أسرفت في الكتمان وذاك مني دهاني
كتمت حبك حتى كتمته كتماني
فلم يكن لي بد من ذكره بلساني
وهذه الملاحة نفسها، والظرف بعينه.
ومن هذا الباب نوع آخر هو أولى بهذه التسمية من كثير مما ذكره المؤلفون، نحو قول إبراهيم بن المهدي يعتذر إلى المأمون من وثوبه على الخلافة:
البر منك وطاء العذر عندك لي فيما فعلت، فلم تعذل ولم تلم
وقام علمك بي فاحتج عندك لي مقام شاهد عدل غير متهم
وكذلك قول أبي عبد الرحمن العطوي:
[ ٢ / ٧٩ ]
فو حق البيان يعضده البر هان في مأقط ألد الخصام
ما رأينا سوى الحبيبة شيئًا جمع الحسن كله في نظام
هي تجري مجرى الإصابة في الرأ ي ومجرى الأرواح في الأجسام
وقد نقلت هذا الباب نقلًا من كتاب عبد الله بن المعتز، إلا ما لا خفاء به عن أحد من أهل التمييز، واضطرني إلى ذلك قلة الشواهد فيه، إلا ما ناسب قول أبي نواس:
سخنت من شدة البرودة حتى صرت عندي كأنك النار
لا يعجب السامعون من صفتي كذلك الثلج بارد حار
فهذا مذهب كلامي فلسفي.. وقوله أيضًا:
فيك خلاف لخلاف الذي فيه خلاف لخلاف الجميل
وأشباه ذلك مما في هذا غنى عنه ودلالة عليه.