يروى أن معاوية بن أبى سفيان كان أكثر الناس حلما، وأوسعهم عفوا، وأشدّهم إغضاء عمّن نابذه، وأحسنهم احتمالا لمن عازّه وعانده.
[ ٨٦ ]
فمن ذلك أن رجلا أغلظ له فى الكلام، فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتحلم عن هذا وقد قال ما قال؟ قال معاوية: ما كنت لأحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا.
ويروى «١» أن أبا الجهم الأموىّ «٢» قال: لقد بتّ ليلة بأسرها قلقا أفكّر فى حلم معاوية فيذهب عنى وسنى، قال: وغدوت عليه وأنا مجمع لقاءه بما أرجو أن يطيّشه، فدخلت عليه، وقد كان عنده رجل أغضبه بأشياء لقيه بها، فقلت فى نفسى: ظفرت به، فسلّمت عليه، فردّ علىّ جوابا ضعيفا، فقلت: يابن هند، أبلغ بك الأمر إلى أن أسلّم عليك فتردّ علىّ مثل هذا الردّ! والله لقد رأيت أمّك وهى شابة ناهد، وأنا إذ ذاك أطلب الفجور، فعرضت علىّ نفسها فأبيتها، فقال: يا أبا الجهم، أما إنك لو نكحتها لنكحت حصانا كريمة، ولكنت أهلا لها. قال أبو الجهم: فوقعت على رجليه أقبلهما، وأقول:
نقلّبه لنخبر حالتيه فيكشف عنهما كرما ولينا
نميل على جوانبه كأنّا نميل إذا نميل على أبينا
فقام معاوية فدخل إلى حجرة له فدعا بأبى الجهم فقال له: يا أبا الجهم، إيّاك وإغضاب الملوك، فإن لهم غضبا كغضب الصبيان، وبطشا كبطش الأسد.
يا غلام، أعطه ثلاثين ألف درهم، وليحملها معه ثلاثة من العبيد، فخرج من بين يديه ومعه تلك الصّلة.
[ ٨٧ ]
ويروى أنه كان يقول: إذا لم يكن الملك حليما استفزّه الشىء اليسير الذى يندم عليه، وإذا لم يكن شجاعا لم يخفه عدوّه، وإذا كان شحيحا لم يكن له خاصة ولا مناصح، وإذا لم يكن صدوقا لم يطمع فى رأيه.
وحدثنى العتبىّ قال: قيل لمعاوية: ما النّبل؟ قال: مؤاخاة الأكفاء، ومداجاة الأعداء، فقيل له: ما المروءة؟ قال: الحلم عند الغضب، والعفو عند القدرة.
ويروى أنه لما ورد عليه خبر علىّ بن أبى طالب، صلوات الله عليه صعد المنبر فقال: الحمد لله الذى أدالنا من عدوّنا، وردّ إلينا من زماننا، فقام اليه رجل من أهل الشام، فقال: ما ذاك من كرامتك على الله يا معاوية، فقال له عمرو بن العاص: اسكت يا جاهل، فو الله لأنت أنذل أهل الشام وأقطعهم عن الكلام، فتمثّل معاوية:
إنى أرى الحلم محمودا مغبّته والجهل أفنى من الأقوام أقواما
ونظر يوما إلى يزيد ابنه يضرب غلاما له، فقال: يا يزيد، أتضرب من لا يمتنع منك! والله لقد حالت القدرة بينى وبين أولى التّرات.
ويروى من ناحية زبير قال: حدّثنى مبارك الطبرى قال: سمعت أبا عبيد الله «١» يقول: سمعت المنصور يقول للمهدىّ: يا أبا عبد الله، الخليفة لا يصلحه إلّا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلّا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلّا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا «٢» من ظلم من هو دونه، وأنشد:
وأحلام «٣» عاد لا يخاف جليسهم إذا نطق العوراء غرب لسان «٤»
إذا حدّثوا لم يخش سوء استماعهم وإن حدّثوا أدّوا بحسن بيان
[ ٨٨ ]
وقال عمر بن عبد العزيز: ثلاث من كنّ فيه فقد كمل: من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحقّ، وإذا رضى لم يدخله رضاه فى الباطل، وإذا قدر عفا وكفّ.
ويروى أن وفودا دخلت عليه، فتحفّز فتى منهم للكلام، فقال عمر: كبّروا، أى ليتكلّم أكبركم، فقال الفتى: إن قريشا ليرى فيها من هو أسنّ منك.
فأطرق عمر ثم قال: تكلم يافتى.
وقال الشعبىّ: ما رأيت رجلا أفهم إذا حدّث، ولا أنصت إذا حدّث، ولا أحلم إذا خولف من عبد الملك.
وقال المدائنىّ: شتم رجل المهلّب بن أبى صفرة فلم يردد عليه، فقيل له:
لم حلمت عنه؟ قال: لم أعرف مساويه، وكرهت أن أبهته «١» بما ليس فيه.
وشتم رجل فقال الرّجل لشاتمه «٢»: يا هذا، ما ستر الله عليك من عورتى أكثر، وأنشد «٣»:
لن يدرك المجد أقوام وإن كرموا حتى يذلّوا وإن عزّوا لأقوام
أو يشتموا فترى الألوان مشرقة لا صفح ذلّ ولكن صفح أحلام
وكان يقال: العقوبة ألأم حالات ذوى القدرة. وقال جعفر بن محمد: لأن أندم على العفو أحبّ إلىّ من أن أندم على العقوبة. وقال أمير المؤمنين ﵇:
أوّل ما عوّض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره. وأنشد الشعبىّ:
ليست «٤» الأحلام فى حال الرّضا إنما الأحلام فى حال الغضب
[ ٨٩ ]
وقال الأخطل «١» فى بنى أميّة:
صمّ عن الجهل عن قول الخنا خرس وإن ألمّت بهم مكروهة صبروا
شمس «٢» العداوة حتى يستقاد لهم وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
وقال حاتم الطائى «٣»:
تحلّم عن الأدنين واستبق ودّهم فلن تستطيع الحلم حتى تحلّما
إذا شئت نازيت امرأ السّوء ما نزا «٤» إليك ولا طمت اللئيم الملطّما
وقال محمد بن زياد الحارثى:
تخالهم للحلم صمّا عن الخنا وخرسا عن الفحشاء عند التهاجر «٥»
ومرضى إذا لاقوا حياء وعفّة وعند الحفاظ كاللّيوث الخوادر
لهم ذلّ إنصاف وأنس تواضع بهم ولهم ذلّت رقاب المعاشر
كأنّ بهم وصما يخافون عاره وما وصمهم إلّا اتقاء المعاير
وقال رسول الله ﷺ «٦»: «إياكم ومشارّة الناس، فإن المعاير تدفن الغرّة وتظهر العرّة «٧»» . وأنشد:
[ ٩٠ ]
وإنى «١» ليثنينى عن الجهل والخنا وعن شتم ذى القربى خلائق أربع
حياء وإيمان ودين وأنّنى حليم ومثلى لا يضرّ وينفع
وقال رجل «٢» من بنى حنيفة يرثى أخاه:
لقد وارى المقابر من شريك كثير تكرّم وقليل عاب
به كنّا نصول على الأعادى وننقض مرّة «٣» القوم الغضاب
صموت فى المجالس غير عىّ جدير حين ينطق بالصواب
كثير الحلم لا طبع عيّى ولا فحّاشة نزق السّباب «٤»
قوله: «صموت فى المجالس غير عىّ»، نظير قول ابن كناسة «٥» فى إبراهيم بن أدهم الغنوىّ:
رأيتك لا يغنيك ما دونه الغنى وقد كان يغنى دون ذاك ابن أدهما
[ ٩١ ]
يشيع الغنى إن ناله وكأنّما يلاقى به البأساء عيسى بن مريما
أخاف الهوى حتى تجنّبه الهوى كما اجتنب الجانى الدم الطالب الدما
وأكثر ما تلقاه فى القوم صامتا وإن قال بدّ القائلين فأفحما
وقال آخر «١»:
إنى ليمنعنى من ظلم ذى رحم لبّ أصيل وحلم غير ذى وصم
إن لآن لنت وإن دبّت عقاربه ملأت كفّيه من عفو ومن كرم
ويروى أن الأحنف كان حليما وقورا عالما فقيها، وكانت الملوك ترجع إلى رأيه وتعمل بقوله، وذكروا أن ختنا «٢» له أراد أن يستفز حلمه فقال: ملأتنا ابنتك البارحة من دمائها، فقال: نعم إنها من نسوة يخبأن ذلك لأزواجهنّ، فقال: إنى حملت على نفسى البارحة فى جماعها، فقال: ما زوّجناك إلّا لذلك. وكان يقول «٣»:
ما نازعنى أحد إلا أخذت عليه بإحدى ثلاث: إن كان فوقى عرفت له قدره، وإن كان دونى رفعت نفسى عنه، وإن كان مثلى تفضّلت عليه. ويروى «٤» أن معاوية قال له: يا أحنف، أأنت صاحبنا يوم صفّين، والمخذول «٥» عن أمير المؤمنين؟
فقال الأحنف: والله يا معاوية إن القلوب التى أبغضناك بها يومئذ لفى صدورنا، وإنّ سيوفنا التى قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن دنوت إلينا شبرا من خير لندنونّ إليك ذراعا من عذر «٦»، ولئن شئت ليصفونّ لك ودّنا بفضل حلمك عنّا. قال:
قد شئت. وروى زبير عن رجاله قال: دخلت «٧» على معاوية موجدة على يزيد، فأرق
[ ٩٢ ]
لذلك ليلته، فلمّا أصبح بعث إلى الأحنف فقال له: كيف رضاك عن ولدك؟
- أو ما تقول فى الولد؟ - قال الأحنف: فقلت فى نفسى: ما سألنى أمير المؤمنين عن هذا إلا لموجدة دخلته على يزيد، فحضرنى كلام لو كنت روّأت «١» فيه سنة كنت قد أجدت، فقلت: يا أمير المؤمنين: هم ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، وبهم نصول ونصل إلى كلّ حيلة، فإن سألوك فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمحضوك ودّهم، ويلطفوك جهدهم، ولا تكن عليهم قفلا لا تعطيهم إلّا نزرا فيملّوا حياتك ويكرهوا قربك. فقال: لله درّ الأحنف! لقد دخلت علىّ وإنّى لمن أشدّ الناس موجدة على يزيد، فلقد سللت سخيمة «٢» قلبى، يا غلام، اذهب إلى يزيد فقل له: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: قد أمرنا لك بمائتى ألف درهم ومائتى ثوب، فأرسل من يقبض مالك، فأتاه الرسول فأعلمه، فقال: من كان عند أمير المؤمنين؟ فقال: الأحنف، [فقال]: لا جرم! لأقاسمنّه الجائزة، فوجّه برسول يأتيه بالمال ورسول يأتيه بالأحنف. فقال: يا أبا بحر: كيف كان رضا أمير المؤمنين؟ فأخبره، فقاسمه الجائزة، وأمر له بمائة ألف ومائة ثوب.
وحدّثنى الرياشىّ قال: دخل عقيل بن أبى طالب على معاوية- وكان من أحضر الناس جوابا- فقال له معاوية: يا عقيل «٣»، ما حال عمّك أبى لهب؟
وأين مكانه من النار؟ فقال: إذا أنت دخلتها فخذ على يسارك، فستجده مفترشا عمّتك حمّالة الحطب، فأطرق معاوية.
[ ٩٣ ]
ويروى أنه قال [له] يوما: أيّما خير لك: أنا أم علىّ؟ فقال: ذاك خير لدينى، وأنت خير لدنياى. وكان يسبغ جائزته إذا وفد عليه.
وحدّثنى الزيادىّ قال: لما بنى معاوية الخضيراء دخل إليها ومعه عمرو بن العاص، فأخذ يفتح بابا بابا، ويقول: هذا اتخذناه لكذا، وهذا بنيناه لكذا، فرأى فى بعض الأبنية غلاما يفجر بجارية من جواريه، فقال: وهذا اتخذناه ليفجر فيه غلماننا بجوارينا، وحلم عن الغلام والجارية ولم يعاقبهما.
ويروى أن كسرى أنو شروان لما قتل بزرجمهر بعث إلى ابنته، فلما بعث إليها غطّت رأسها، فقالت: هيبتى لك فى وفاته، كهيبتى لك فى حياته، وكذا كنت أفعل، فقال: اخطبوها لى، فقالت: انظروا إلى ملك يقتل وزيرا لا يجد له عوضا، ويصيّر بينه وبين فراشه موتورة «١» بأبيها! فدعا بجوهر فحشا [به] فاها.
ويروى أنّ رجلا قال للرشيد: إنى أريد أن أعظك وأغلظ لك فى القول، فقال الرشيد: يا هذا ليس ذاك لك، قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شرّ منى، فأمره أن يقول له قولا لينا.