قال «٣» محمد بن على بن الحسين بن على- صلوات الله عليهم: إن الله جلّ وعزّ- أدّب محمدا صلّى الله عليه أحسن الأدب، فقال ﵎:
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ.
فلمّا قبل عن ربّه جلّ وعزّ، وعمل بما أمره به ربّه أثنى عليه فقال:
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
[ ١٤ ]
وقال «١» صلّى الله عليه: أوصانى ربّى بتسع خصال: الإخلاص فى السرّ والعلانية، والعدل فى الرّضا والغضب، والفضل «٢» فى الفقر والغنى، وأن أعفو عمّن ظلمنى، وأعطى من حرمنى، وأصل من قطعنى، وأن يكون نطقى ذكرا، وصمتى فكرا، ونظرى عبرا،،.
وقال أنس بن مالك: لمّا قدم رسول الله صلّى الله عليه المدينة جاءت بى أمّى إليه فقالت: يا رسول الله، هذا ابنى جئتك به ليخدمك، فخدمته عشر سنين ما سمعته قال أفّ قطّ، ولا قال فى شىء فعلته: لم فعلته؟ ولا قال فى شىء لم أفعله: لم لم تفعله؟ فلما كانت السنة الّتى توفّى فيها رسول الله صلى الله عليه جاءته أمّى، فقالت: يا رسول الله خادمك أنس تدعو الله له، فقال:
اللهمّ أطل عمره، وكثّر ولده وماله، واغفر له. فقال أنس: قد دفنت من ولدى مائة إلّا اثنين، أو مائة واثنين، وغلّتى تأتينى فى السّنة مرتين. وبلغ سنّه مائة سنة وسنين بعد ذلك لم يعدّه، وخلّف من الولد عددا كالقبيلة الوافرة. قال أنس:
وإنى لأرجو الله فى الدعوة الرابعة. ولم يسأل صلى الله عليه الله ﷿ شيئا فمنعه.
ويروى أنه نظر إلى عصابة قادمة من الأعراب ولم يكن عنده فى ذلك الوقت شىء يقسمه بينهم، فتناوله بعضهم بما كرهه، فجاءوه فقالوا: يا رسول الله الله اقتصص منا، فقال ﵇: لا أفعل.
وقال صلّى الله عليه لوافد وفد عليه، فسأله عن شىء فكذبه: أسألك فتكذبنى! لولا سخاء فيك ومقك الله عليه لشردت بك من وافد القوم.
[ ١٥ ]
وقدم عليه علىّ بن أبى طالب رضوان الله عليه بأسراء، فأمر بقتلهم إلّا واحدا منهم، فقال علىّ: يا رسول الله، الرب واحد، والدين واحد، فما بال هذا من بينهم؟ فقال: إن جبرئيل أمرنى عن الله ﵎ بترك هذا لسخاء فيه شكره الله له.
ولما دخل المدينة قال لبنى سلمة «١»: من سيّدكم؟ قالوا: جدّ بن قيس، على بخل فيه. فقال ﵇: وأى داء أدوى من البخل؟ لا يسود البخيل، بل سيّدكم الأبيض الجعد عمرو بن الجموح،، ويقال: بشر بن البراء «٢» . وجاء فى الحديث أن رجلا سأله ﵇ أىّ الأعمال أفضل؟ قال: «حسن الخلق» .
وسئلت عائشة رحمة الله عليها عن خلق رسول الله صلى الله عليه فقالت:
أو ما تقرءون القرآن: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه مع أصحابه فصنعت له طعاما، وصنعت له حفصة طعاما، وسبقتنى، فقلت لجاريتى: اذهبى فأكفئ قصعتها، فلحقتها وقد أهوت أن تضعها بين يدى رسول الله صلّى الله عليه فكفأتها، فانكسرت القصعة، وانتشر الطعام، فجمعها رسول الله صلّى الله عليه وما فيها من الطعام على نطع فأكلوا، ثم بعثت قصعتى إلى حفصة فقلت: خذوا هذه ظرفا مكان ظرفكم فكلوا ما فيها. قالت: فما رأيت ذلك فى وجه رسول الله صلّى الله عليه.
وجاءه رجل فقال: يا رسول الله أوصنى، فقال: عليك بتقوى الله واليأس عما فى أيديهم، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وإذا صليت فصلّ صلاة مودّع
[ ١٦ ]
وإياك وما يعتذر فيه «١»،،. فقال: زدنى، قال: «حسن الخلق وصلة الرّحم يزيدان فى العمر» . وروى عنه أنه قال: «من أقال نادما ببيع أقال الله عثرته، ومن سعى فى حاجة أخيه كان الله معه» . وقال ﵇: «إن من الصدقة- أو قال:
من المعروف- لفضل لسانك تعبّر به عن أخيك» . وقال ﵇:
«لعن الله المثلّث» . قيل: وما المثلّث؟ قال: «الذى يسعى بجاره «٢» إلى سلطانه، فقد أهلك نفسه وجاره وسلطانه» .
وروى محمد بن علىّ بن الحسين ﵈ قال: [قال] رسول الله ﵇: «اهتبلوا عثرات الكرام» . يقول: اغتنموا أن يعثروا فتصفحوا عنهم.
وقال ﵇: «لا يزال المرء فى فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» .
وروى عن أمير المؤمنين ﵇ أنه قال: من أخذه الله بمعصيته فى الدنيا فالله أكرم من أن يعيدها عليه فى الآخرة، ومن عفا عنه فى الدنيا فالله أكرم من أن يأخذه بها فى الآخرة. فيقال إن هذا أحسن حديث روى فى الإسلام.
وروى أنه لما همّ رسول الله صلّى الله عليه بتزويج فاطمة عليّا رحمهما الله أمر بجمع المهاجرين والأنصار، ثم قال لعلىّ ﵇: «تكلّم خطيبا لنفسك» .
فقال: الحمد لله حمدا يبلغه ويرتضيه، وصلّى الله على نبيه صلاة تزلفه وتحظيه، والنكاح مما أمر الله تعالى به، واجتماعنا مما قدّره الله وأذن فيه، وهذا محمد بن عبد الله رسول الله صلّى الله عليه زوّجنى ابنته فاطمة على خمسمائة درهم، وقد رضيت، فاسألوه واشهدوا.
[ ١٧ ]
ويروى أن أبا طالب خطب «١» لتزويج رسول الله صلّى الله عليه خديجة بنة خويلد رحمها الله فقال: الحمد لله الذى جعلنا من زرع إبراهيم، ومن ذرّية إسماعيل، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا، وجعلنا الحكّام على الناس فى محلّنا الذى نحن فيه، ثم إن ابن أخى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب لا يوزن برجل من قريش إلّا رجح به، ولا يقاس به شىء إلا عظم عنده، وإنه وإن كان فى المال قلّ فإن المال بعد رزق جار، وله فى خديجة رغبة، ولها فيه تلك، والصداق ما سألتموه عاجله وآجله فمن مالى، وله والله خطر «٢» عظيم، ونبأ شائع جسيم.