أنشدنى أبو عثمان المازنىّ «٣»:
وإنا لمشّاءون بين رحالنا إلى الضّيف منّا لاحف ومنيم «٤»
فذو الحلم منا جاهل من ورائه وذو الجهل منا عن أذاه حليم
وقال آخر «٥» يصف ضيفا:
عوى فى سواد اللّيل بعد اعتسافه «٦» لينبح كلب أو ليفزع نوّم
[ ٣٧ ]
فجاوبه مستسمع الصوت للقرى له مع إتيان المهيبين «١» مطعم
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا يكلّمه من حبّه وهو أعجم
وقال أعرابى «٢»:
وعاو عوى شبه الجنون وما به جنون ولكن كيد أمر يحاوله
فأوقدت نارى فاستضاء بضوئها وأخرجت كلبى وهو فى السجن داخله
فلما رآها كبّر الله وحده وبشّر قلبا كان جمّا بلابله
فلما أتاها قلت أهلا ومرحبا تقدّم ولم أقعد إليه أسائله
فقمت إلى البرك «٣» الهجان أعودها بضربة حقّ لازم أنا فاعله
فجالت قليلا واتّقتنى بخيرها سناما، وأدناها من الشحم كاهله
فأطعمته من لحمها وسنامها شواء، وخير الخير ما كان عاجله
طعامين لا أسطيع بخلا عليهما جنى النحل والمغصوب «٤» تغلى مراجله
وقال آخر يصف ضيفا «٥»:
ومستنبح قال الصّدى مثل قوله حضأت «٦» له نارا لها حطب جزل
وقمت إليه مسرعا فغنمته مخافة قومى أن يفوزوا به قبل
فأوسعنى حمدا وأوسعته قرى وأرخص بحمد كان كاسبه الأكل
وقال أبو كدراء العجلىّ «٧»:
يا أم كدراء مهلا لا تلومينى إنى كريم وإن اللوم يؤذينى
[ ٣٨ ]
فإن بخلت فإن البخل مشترك وإن أجد أعط عفوا غير ممنون
ليست بباكية إبلى إذا فقدت صوتى ولا وارثى فى الحىّ يبكينى
بنى البناة لنا مجدا ومكرمة لا كالبناء من الآجرّ والطين
وقال عتبة بن بجير «١»:
سأقدح من قدرى نصيبا لجارتى وإن كان ما فيها كفافا على أهلى «٢»
إذا أنت لم تشرك صديقك فى الّذى يكون قليلا لم تشاركه فى الفضل
وعلى ذلك قول الآخر «٣»:
ليس جود الأقوام عن فضل مال إنما الجود للمقلّ المواسى
وكذلك قول العتبىّ «٤»:
ليس العطاء من الكثير سماحة حتى تجود وما لديك قليل
ومثل قول عتبة «٥» فى شعره ووصفه سعة قدره وإيثاره جاره على أهله قول بعض الأعراب:
وقدر إذا «٦» ما أنفض «٧» الناس أو فضت «٨» بأزفارها تومى إليها الأرامل
الزّفر: الحمل، يقول: إذا قل مال الناس لم يبخل بما كان يقيمه للأضياف المحتاجين إليه. وأوفضت أى وسّعت، ويقال أسرعت.
[ ٣٩ ]
وحدّثنى المازنى عن أبى زيد قال: وصفت امرأة من سعد امرأة فقالت:
إنها لليّاء العنق، ممذاق السّقاء، منهاء القدر.
ليّاء العنق: كثيرة الالتفات إلى الأضياف. ممذاق السقاء، يقول: إذا قلّ لبنها مذقته بالماء ليتّسع على أضيافها، كما قال الشاعر «١»:
نمدّهم بالماء لا لهوانهم ولكن إذا ما قلّ شىء يوسّع
ومنهاء القدر، أى تعجّل إنزالها إلى أضيافها، ونظن أن قولها: منهاء القدر، من نهىء اللحم إذا كان نيئا.
وقال خالد بن عبد الله الطابى، ويقال لحاتم الطائى «٢»:
وعاذلة قامت علىّ تلومنى كأنى إذا أعطيت مالى أضميها
أعاذل إن الجود ليس بمهلكى ولا يخلد النفس الشحيحة لؤمها
وتذكر أخلاق الفتى وعظامه مغيّبة فى اللّحد بال رميمها
ومن يبتدع خيما سوى خيم نفسه يدعه ويغلبه على النفس خيمها
وأنشد أبو زيد «٣» فى قصيدة لحاتم أوّلها:
ألا أرقت عينى فبتّ أديرها
وإنا نهين المال من غير ضنّة ولا يشتكينا فى السّنين ضريرها
إذا «٤» ما بخيل الناس هرّت كلابه وشقّ على الضيف الغريب عقورها
[ ٤٠ ]
فإنى جبان الكلب بيتى موطّأ جواد إذا ما النفس شحّ ضميرها
وإنّ كلابى قد أقرّت وعوّدت قليل على من يعتريها هريرها
وأبرز قدرى بالفناء قليلها يرى غير ممنون به «١» وكثيرها
وليس على نارى حجاب يكنّها لمقتبس ليلا ولكن أثيرها «٢»
فلا وأبيك ما يظلّ ابن جارتى يطوف حوالى قدرنا ما يطورها «٣»
وما تشتكينى جارتى غير أنّنى إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
سيبلغها خيرى ويرجع بعلها إليها ولم تسدل علىّ ستورها
وقال حاتم أيضا «٤»:
وإنى لأستحيى حياء يشفّنى إذا القوم أمسوا مرملى الزاد جوّعا
وإنى لأستحيى أكيلى أن يرى مكان يدى من جانب الزاد أقرعا
أكفّ يدى من أن تنال أكفّهم إذا نحن أهوينا لمطعمنا معا
أبيت خميص البطن مضطمر «٥» الحشى حياء أخاف اللوم أن أتضلّعا
فإنك إن أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا
وحكى أبو عبيدة وغيره- والخبر مشهور، فى ألفاظه اختلاف: أن حاتما الطائىّ لما أقام فى عنزة بأن قد فدى أسيرا لهم بنفسه، غاب الرجال مرة وبقى هو والنساء، نيط «٦» لبعير لهم. فقلن له: قم فافصد هذه الناقة، وأخذ الشفرة
[ ٤١ ]
فنحرها، فلطمته امرأة منهن وسبته، فقال: «لو «١» غير ذات سوار لطمنى» أى لو لطمنى رجل! فقلن: أمرناك بأن تفصد فنحرتها! فقال: «هكذا فصدى [أنه]» .
وحدّثنى المازنى قال: سمعت العرب تقول: «لو غير ذات سوار لطمنى» .
ويقول النحويون: «لطمتنى» . فأخذت «غير» «٢» قول النحويين وتركت قول العرب.
وقال مالك بن أسماء «٣»:
قالت طريفة ما تبقى دراهمنا وما بنا سرف فيها ولا خرق
إنا إذا كثرت يوما دراهمنا ظلّت إلى سبل المعروف تستبق
لا يألف الدرهم المنقوش صرّتنا إلا لماما قليلا ثم ينطلق
حتى يصير إلى نذل يخلّده يكاد من صرّه إيّاه يمّزق
وقال أعرابى: ما أبالى أصررت على حجر أم صررت على دنانير إذا كنت لا أنفقها.
وحدّثنى ابن عائشة عن بعض أشياخه قال: قال الأحنف بن قيس: بئس الرفيقان الدراهم والدنانير فإنهما لا ينفعانك حتى يفارقاك. وأنشدنى ابن عائشة:
عوّدت نفسى إذا ما الضيف نبّهنى عقر العشار على يسرى وإعسارى
وأترك الشىء أهواه ويعجبنى أخشى عواقب ما فيه من العار
[ ٤٢ ]
وقال بعض المتقدّمين «١»:
تغطّ بأثواب السّخاء فإننى أرى كلّ عيب فالسخاء غطاؤه
وقارب إذا قاربت حرّا فإنما يزين ويزرى بالفتى قرناؤه
وأقلل إذا ما قلت قولا فإنه إذا قلّ قول المرء قلّ خطاؤه
إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه ولا خير فى وجه إذا قلّ ماؤه
إذا قلّ مال المرء قلّ صديقه وضاقت عليه أرضه وسماؤه
إذا قلّ مال المرء لم يرض عقله بنوه ولم يغضب له أقرباؤه
وأصبح لا يدرى وإن كان حازما أقدّامه خير له أم وراؤه
إذا المرء لم يختر صديقا لنفسه فناد به فى الناس هذا جزاؤه
وقد أفضينا من هذا الباب إلى بعض ما قصدنا له مما يجانس الباب المتقدّم، ونبتدئ بباب من معانى الشعر المستحسنة، وبالله الحول والقوة.