يروى من غير وجه: سمعنا أن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب «٢» كان يقال له عبيد الله الجواد. حدثنى على بن القاسم الهاشمىّ قال: كانت سمات أربعة من ولد العباس: عبد الله «٣» الحبر، وعبيد الله الجواد. ومعبد الشهيد، وقثم الشبيه، وتأويل ذلك أن قثم بن العباس كان كثير المشابهة برسول الله صلى الله عليه، وكان العباس يرقّصه ويقول:
أيا قثم أيا قثم أيا شبيه ذى الكرم
شبيه ذى الأنف الأشمّ
صلى الله عليه. وحدّثنى المازنى قال: قدم قوم على معاوية بالشام فقال: من أفقه من خلفت «٤» بالمدينة؟: فقال: عبد الله بن العباس. قال: فأسخاهم؟ قال:
[ ٢٩ ]
عبيد الله. قال: فأعبدهم؟ قال: معبد. ويروى أنه قيل لعبيد الله بن العباس:
صف لنا أنفسكم وبنى أمية، قال: نحن «١» أفصح وأسمح وأصبح، وبنو أمية أمكر وأنكر وأغدر. وفى خبر آخر: نحن أمجد وأجود وأنجد.
ويروى أن مولى لبنى أمية قال لمولى لبنى هاشم: موالىّ أجود من مواليك، فقال الهاشمى: بل موالىّ والله، فهلّم فسل عشرة من مواليك وأنتم السلطان، وأسأل عشرة من موالىّ، فتحالفا وتعاقدا على ذلك، فانطلق الأموى فسأل عشرة من مواليه، فأعطاه كلّ واحد عشرة آلاف، وانطلق الهاشمى إلى عبيد الله بن العباس فسأله فأعطاه مائة ألف، وأتى الحسن بن علىّ فسأله فقال: سألت أحدا قبلى؟
قال: نعم، عبيد الله بن العباس. فقال: لو بى بدأت لكفيتك أن تسأل غيرى.
وأعطاه ثلاثين ومائة ألف. ثم أتى الحسين بن علىّ ﵉. فسأله، فقال:
هل سألت أحدا قبلى؟ قال: نعم، أخاك الحسن فأعطانى ثلاثين ومائة ألف، فقال الحسين: لا أتجاوز ما فعل سيّدى، وأعطاه مثلها. قال: فانطلق الهاشمى من ثلاثة بثلاثمائة ألف وستين، وأتى الأموىّ من عشرة بعشرة آلاف، فانصرف مغلوبا فردّها على «٢» من أعطاه فقبلها، ورجع الهاشمى ليردّ ما أخذه على من أعطاه، فكلهم قالوا بعد أن أبوه قبولها: اذهب فألقها حيث شئت.
ويروى «٣» أنّ عبيد الله بن العباس خرج يريد معاوية ذات يوم فأصابه سماء، ونظر إلى نويرة عن يمينه، فقال لغلامه: مل بنا إليه، فلما انتهى إذا رجل شيخ، وإذا هيئة رثّة ونعم مهازيل، فقال له الشيخ: انزل فنزل، ودخل الشيخ على
[ ٣٠ ]
امرأته فقال: هبى لى عنزك حتى أقضى بها ذمام هذا الرجل، فقد توسمت فيه الخير، فإن يكن من مضر فهو من بنى عبد المطلب، وإن يكن من اليمن فهو من بنى آكل المرار. قالت: وقد عرفت حال صبيتىّ هاتين وأن معيشتهما منهما وهما توءمتان، وأنا أتخوّف عليهما الموت، قال: موتهما خير من اللؤم، فقبض على رجل الشاة فاجترّها إلى المذبح، وأخذ الشّفرة بيمينه ثم قال:
قرينتى لا توقظى ابنتيه إن توقظا تنتحبا عليّه
وتنزعا الشّفرة من يديّه أبغض «١» بهذا وبذا لديّه
ثم شحطها «٢» وكشف «٣» عن جلدها، وقطعها أرباعا فقذفها فى القدر، وصبّ عليها ماء وحفن عليها من الملح، وجعل يحشّ تحتها حتى بلغت إناها، ثم ثرد فى جفنة فعشّاهم، ثم غدّاهم، فأقام عنده يومين وليلتين، ثم أراد الرحيل فقال لغلامه: ارم إلى الشيخ بما أخرجت من النفقة، فقال: سبحان الله! إنما ذبح لك شاة فكافئه بمثلها خمس مرات، وهو بعد لا يعرفك «٤» . فقال: ويحك! إن هذا لم يملك من الدنيا غير هذه الشاة فجاد بها، وإن يكن لا يعرفنى فأنا أعرف نفسى، ارم بها إليه، فقال: إنها أكثر من ذلك، قال:
وإن كثرت. فرمى بها إليه- وكانت خمسمائة دينار- ثم ارتحل فأتى معاوية فقضى حاجته وأكرمه، وأقبل راجعا إلى المدينة حتى قرب من الشيخ، فقال لغلامه، يا مقسم، مل بنا إليه ننظر إليه كيف حاله، فإذا فناء رجل سرىّ، وإذا نار ورماد ودخان عال وإبل كثيرة وغنم، ففرح بذلك، فقال له: أتعرفنى؟ قال: لا والله فمن أنت؟ قال: أنا أبو منزلك ليلة كذا، قال: وإنك لهو! فجعل يقبّل رأسه ثم قال: جعلنى الله فداءك! قد قلت أبياتا فاسمعها منى، فقال:
[ ٣١ ]
توسّمته لمّا رأيت مهابة عليه وقلت المرء من آل هاشم
وإلا فمن آل المرار فإنهم ملوك عظام من ملوك «١» أعاظم
فقمت إلى عنز بقيّة أعنز فأذبحها «٢» فعل امرئ غير نادم
فعوّضنى منها غناى ولم تكن تساوى قليلا من قليل الدّراهم
فقلت لعرسى فى الخلاء وصبيتى أحقّا أرى أم تلك أحلام نائم
فقالوا جميعا: لا بل الحقّ هذه تخبّ به «٣» الركبان وسط المواسم
بخمس مئين من دنانير عوّضت من العنز ما جادت به كفّ حاتم
فضحك عبيد الله وقال: لما أعطيتنا أكثر مما أخذت، يا غلام أعطه مثلها. فبلغت فعلته معاوية فقال: لله درّ عبيد الله! من أىّ بيضة خرج؟ وفى أىّ عش درج؟
هذه لعمرى من فعلاته.
ويروى من غير وجه: أن عبد الله بن جعفر- وكان من الأجواد المتقدّمين- خرج يريد الشأم، فألجأه المطر إلى أبيات، فإذا قبّة حمراء بفنائها رجل ينادى:
الذّرى «٤» الذّرى! فأنحنا وحطّ عن رواحلنا، ثم أتى بجزور فنحرها، فبتنا فى شواء وقدير، وتحدّث معنا هنيهة من الليل، ثم انصرف وأتى بجزور فنحرها، فقلنا له:
يرحمك الله! ما تريد بهذا وقد فضل ما فيه كفاية؟ فقال: كلوا رحمكم الله! فإنا لا نطعم الضيف غابّا. قال عبد الله: فدعوت بثوب وجعلت فيه زعفرانا وصررت فى كل طرف منه مائتى دينار، ثم بعثت به إلى أهله فقالوا: إنا لا نقدر على أخذه إلا بإذنه، وسألته أن يقبله فأبى، فلما ارتحلنا [و] ودّعته أمرت بالثوب،
[ ٣٢ ]
فألقى بين البيوت، قال: فإنا لنسير إذ لحقنا على فرس مشرعا رمحه، قد احمرّت «١» عيناه فصاح بنا: أغنوا عنّى هذه، ونبذه إلينا وولّى وهو يقول:
وإذا أخذت ثواب ما أعطيته فكفى بذاك لنائل تكديرا
وهذا يشبه ما حدّثنى به الرّياشىّ من أن سليمان بن عبد الملك لما حجّ ونزل الطائف هاربا من و«٢» مد مكة، قال له رجل من ثقيف: انزل علىّ، فقال: إنك لن تطيقنى، فقال: إنى لأطيقك. فنزل عنده أياما، ثم ارتحل، فأمره بالخروج معه، فقالت له امرأته: اخرج معه إلى مستقرّه، فقال: أعمل معه ماذا؟ أقول له أعطنى ثمن ما أكلته عندى! لا والله لا أفعل أبدا.
ويروى أن الحسن والحسين ﵉ لاما عبد الله بن جعفر فى إسهابه فى إعطاء المال- وكانا «٣» من الجود ما لا نهاية له- فقال: بأبى وأمى أنتما! إن الله ﷿ عوّدنى أن يمدّنى بماله، وعوّدته أن أفضل على خلقه، فأكره أن أقطع العادة فتنقطع عنى المادّة، وهذا يشبه ما يزوى عن رسول الله صلى الله عليه أنه قال:
«الخلق عيال الله، فأحبّهم إليه أنفعهم لعياله» .
وفى عبد الله بن جعفر يقول القائل:
وما كنت إلّا كالأغرّ ابن جعفر رأى المال لا يبقى فأبقى به حمدا
ويروى «٤» أن نصيبا امتدحه فأعطاه خيلا وإبلا ودنانير ودراهم وثيابا، فقال أحد من حضر: أمثل هذا الأسود يعطى هذا المال؟ فقال: أما إنه لئن كان أسود إنّ شعره لأبيض، وإنّ مدحه لعربىّ، ولقد استحقّ بما قال أكثر مما
[ ٣٣ ]
نال، وما الذى أعطيناه؟ إنما أعطيناه مالا يفنى، وثيابا تبلى، ومطايا تنضى وأعطانا ثناء يبقى، ومديحا يروى.
وهذا يشبه ما يروى «١» عن معاوية أنه قال لرجل من ولد قيس بن معديكرب:
ما أعطى أبوك الأعشى حين مدحه؟ فقال: ثيابا وإبلا وأشياء أنسيتها، قال:
لكنه أعطاه ما لا ينسى.
ويروى أن عبد الله بن الحسن قدم على أمير المؤمنين أبى العباس فسلّم عليه والمال فى ذلك الوقت قليل- فلما انصرف بعث إليه بثلاثين ألف درهم وقال له: أعلمت أن مثلى وهب لمثلك مثلها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قدم عبد الله ابن جعفر على يزيد بن معاوية فسلّم عليه. فلما انصرف وجّه إليه بمائة ألف درهم وقال للرسول: احفظ ما يقول، فرجع إليه فقال [: قال]: اقرأ ﵇.
قال يزيد: لم يرض ابن جعفر! اذهب إليه بمثلها، ففعل، فقال: قل له: وصلتك رحم. قال أبو العباس: فاسق وهب لمسرف.
وحدّثنى الرياشىّ عن الأصمعىّ قال: كان ابن هبيرة وهو أمير العراق يقسم المال بين أصحابه ويقول:
لا «٢» تبخلنّ بدنيا وهى مقبلة فليس ينقصها التبذير والسرف
فإن تولت فأحرى أن تجود بها فالشكر منها إذا ما أدبرت خلف
ومثل ذلك قول يحيى بن خالد البرمكىّ لبنيه: يا بنىّ، إذا أقبلت الدنيا عليكم فأعطوا منها فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنكم فأعطوا منها فإنها لا تبقى. وكان بعضهم يعطى العطايا السابغة ويفرّق التفرقة الواسعة، وينشد:
أنت للمال إذا أمسكته فإذا أنفقته فالمال لك «٣»
[ ٣٤ ]
ونظر الأحنف إلى درهم فى يد رجل يقلّبه، فقال: أما إنه ليس لك حتى يخرج عن يديك.
ويروى عن يحيى بن خالد أنه كان يقول: لا يحسن بالملك أن تكون جائزته أقلّ من ألف ألف، وجائزة وزيره أقل من خمسمائة ألف. وكان يعطى ويعتذر كما قال يزيد المهلبىّ:
كم صغّروا منهم والله يكلؤهم نعماء ما صغّرت إلا لأن عظموا
ويروى أن المأمون قال لمحمد بن عباد المهلّبى- وكان من أجود الناس:
بلغنى يا محمد أنك تصبّ المال صبّا، قال: يا أمير المؤمنين، حبس الموجود سوء الظنّ بالمعبود. وكان رسول الله صلّى الله عليه يقول: «الله يقول: ابن آدم يقول:
مالى مالى، مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت» . وقال ﵇: «خصلتان ليس فوقهما من الخير شىء: الإيمان بالله ﷿ والنفع لعباده» . وقال ﵇: «من عظمت نعمة الله عنده عظمت مؤونة الناس عليه، فمن لم يحتمل تلك المؤونة عرّض تلك النعمة للزوال» .
وقال عبد الله بن العباس: ما رأيت رجلا لى عنده معروف إلا أضاء ما بينى وبينه، وما رأيت رجلا أسأت إليه إلا أظلم ما بينى وبينه. ويروى عن عيسى ﵇ أنه قال: استكثروا من شىء لا تأكله النار، قيل: وما هو؟ قال:
المعروف. وكان ابن السّماك يقول: العجب ممّن يشترى المماليك بماله ولا يشترى الأحرار بمعروفه.
وأنشد منشد عبد الله بن جعفر «١»:
إن الصنيعة لا تكون صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع
[ ٣٥ ]
فإذا صنعت صنيعة فاعمل بها لله أو لذوى القرابة أو دع
فقال: هذان البيتان يبخّلان الناس، أمطر المعروف مطرا فإن أصاب الكرام كانوا له أهلا، وإن أصاب اللئام كنت أهلا لما صنعت. وقال معن بن زائدة:
ما أتانى رجل فى حاجة فرددته عنها إلا رأيت «١» الغنى فى قفاه. ويروى أن حكيم بن حزام قال: ما أصبحت ذا صباح قطّ فرأيت ببابى طالب حاجة، أو مستعينا بى على أمر قد ضاق به ذرعا إلا كان ذلك من النّعم التى أحمد الله عليها، وإن أصبحت ذا صباح ولم أر ذلك كان من المصائب التى أسأل الله الأجر عليها. وقيل لأبى عبد الله جعفر بن محمد ﵇: لم حرّم الله الربا؟ قال: لئلّا يتمانع الناس المعروف. وقال جعفر لسفيان الثورىّ: احفظ عنى ثلاثا، إذا صنعت معروفا فعجّله فإن تعجيله تهنئته، وإذا فعلته وهو كبير فصغّره فإن تصغيرك إياه أعظم له، وإذا فعلته فاستره فإذا ظهر من غيرك كان أكبر لقدره، وأحسن فى الناس.
وحدّثنى مسعود بن بشر قال:
كان الحجّاج على عتوّه وإسرافه على نفسه جوادا، وكان إذا ضحك واستغرب أتبع ذلك الاستغفار مرات. وكان يصعد المنبر ملتفعا بمطرفه فما يسمع من كلامه إذا ابتدأ فى الخطبة، ثم يتزيّد حتى يخرج يده عن مطرفه، ثم يصيح الصيحة يسمع بها أقصى من فى المسجد، وكان يطعم على ألف خوان جنبا مشويّا وسمكة طرية وثريدة، وكان له ساقيان أحدهما يسقى العسل والآخر يسقى الماء واللبن.
وكان يطاف به فى محفّة يدور على الموائد ويقول: يا أهل الشام مزّقوا «٢» الخبز فإنه لا يعدّ عليكم، وكان يجلس على كل مائدة عشرة رجال وذلك فى كلّ يوم، وكان
[ ٣٦ ]
يقول: أرى الناس يتخلّفون عن طعامى فى كل يوم! فقال له بعض من حضر:
كأنّهم يكرهون الحضور قبل أن يدعوا، قال: قد جعلت رسولى إليهم فى كل يوم الشمس إذا طلعت، فليحضروا.
وحدّثنى المازنى قال:
بلغنى عن دهقان نهر تيرى «١»، وكان الناس لا يرون نارا ولا دخانا إلا فى مطبخه لقيامه بشأنهم وتفقّده لأحوالهم، فرأى يوما دخانا فاستنكر ذلك، فمضى غلمانه يتحسّسون فإذا امرأة وجدت وجعا فى حلقها واتّخذت حسوا تحسوه، فأخبروه بذلك، فأمر أن يتّخذ فى مطبخه كلّ يوم كرّ «٢» من دقيق حسوا.
قال أبو العباس قد ذكرنا من هذا الباب بعض ما استحسنّاه ونمى إلينا، ونحن نذكر بعقبه أشعارا تشاكل هذا الباب وتدخل فى هذا النوع. وبالله الحول والقوّة.