حدّثنى الرّياشىّ أن بنى عبد الملك بن مروان كانوا إذا انصرفوا من دار أبيهم مضوا مع أكبرهم حتى يشيّعوه، فإذا فارقوه مضى الباقون مع أسنّهم حتى يرجع آخرهم وحده. ويروى عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «حقّ كبير الإخوة على إخوته كحقّ الوالد على ولده» . ويروى فى الحديث أن يعقوب لمّا دخل على يوسف تقدّم يوسف أباه فى المشية، فأوحى الله: يا يوسف تقدّمت أباك فى المشية، جعلت عقوبتك ألّا يخرج من نسلك نبىّ. ويروى أن غلاما يقال له ذرّ «١» احتضر فحضر أبوه «٢» فقال وهو بين يديه يجود بنفسه: ذرّ، لئن متّ لما فى موتك علينا غضاضة، ولئن عشت لما بنا إلى غير الله حاجة. فلما مات وقف على قبره ثم قال:
اللهمّ إنّى قد غفرت لذرّ ما قصّر فيه من واجب حقّى، فاغفر له ما قصّر فيه من واجب حقّك، فلمّا انصرف من قبره سئل كيف كانت عشرته معك؟ فقال:
ما مشى معى فى ليل قط إلّا كان أمامى، ولا فى نهار إلّا كان ورائى، ولا ارتقى سقفا كنت تحته.
ويروى أن رسول الله ﷺ قال للحسن والحسين: «هما سيّدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما. ويروى أنه قيل لعلىّ بن الحسين «٣»: إنك أبرّ الناس وأتقاهم، فما بالك لا تأكل مع والدتك فى صحفة واحدة؟ فقال: أكره أن تقع عينها على لقمة فأحاول أخذها وأنا لا أعلم فأكون قد عققتها. ويروى أن
[ ١٠٣ ]
عليّا كان أبرّ الناس وأتقاهم، وكان إذا سافر كتم نسبه، وستر وجهه، فقيل له فى ذلك فقال: أكره أن آخذ برسول الله ما لا أعطى مثله. وكان يقول: ما أكلت بنسبتى من رسول الله درهما قط.
وحدّثنى الرياشىّ قال: قال سعيد بن المسيّب: كنت «١» وأنا صغير ألعب مع علىّ بن الحسين ﵇ «٢» بالمداحى، فكان إذا غلبنى ركبنى وإذا غلبته يقول:
أتركب ابن رسول الله ﵇. والمداحى أصلها من الدّحو «٣»، وهو المرّ السهل، وهى المواضع التى تنتضل بها العرب بينهم، لأنهم يرمون بالواحدة فتقع موضعا ثم تمرّ مرّا سهلا حتى تدخل فى الحفرة. وحدثنى أصحابنا جميعا عن الأصمعىّ قال قلت لابن أقيصر «٤»: ما خير الخيل؟ قال: الذى إذا استدبرته حبا «٥»، وإن
[ ١٠٤ ]
استقبلته أقعى، وإن استعرضته استوى، وإذا عدا دحا، وإذا مشى ردى «١»، قلت «٢»: وما الرّديان؟ قال: مشى الحمار بين آريّه ومتمعّكه «٣» . وقالت الأنصار: فقدنا صدقة السرّ مذ مات علىّ بن الحسين صلوات الله عليه.
وحدّثنى مسعود بن بشر قال: قال طاوس: رأيت علىّ بن الحسين ساجدا فى المسجد بمكة، فقلت: رجل من آل النبىّ ﵇، أمضى فأصلّى خلفه، فمضيت فدنوت منه، فسمعته يقول: «عبدك بفنائك، فقيرك بفنائك، مسكينك بفنائك» . فتعلّمتهنّ فما دعوت بها فى كرب قطّ إلّا فرّج عنّى.
وحدّثنى التوّزىّ عمّن حدّثه قال: قال علىّ بن الحسين: لقد ابيضّت عينا يعقوب من أقلّ ممّا نالنى، وذلك أنه فقد واحدا من اثنى عشر، وأنا رأيت ثلاثة عشر من لحمتى قتلوا بين يدىّ.
وروى عن جابر بن سليمان الأنصارى عن عمه عثمان بن صفوان الأنصارى قال: خرجنا فى جنازة علىّ بن الحسين رحمة الله عليهما، فتبعتنا ناقته تخطّ الأرض بزمامها، فلمّا صلّينا عليه ودفنّاه أقبلت تحنّ وتتردّد وتريد قبره، فأوسعنا لها، فجاءت حتى بركت عليه وجعلت تفحص بكر كرتها «٤» وتحنّ، فو الله ما بقى أحد إلا بكى وانتحب، وقال: وبلغنا أنه حجّ عليها ثمانى عشرة حجة أو تسع عشرة حجة لم يقرعها بعصا.
[ ١٠٥ ]
وكان يقال لعلىّ بن الحسين: ذو الخيرتين «١»، لأنّ أمّه كانت ابنة يزدجرد، وتأويل ذلك أنّ رسول الله ﷺ قال: «إن لله ﷿ من خلقه خيرتين: من العرب قريش، ومن العجم فارس» . وكان الأصمعىّ يحدّث أن ابنة يزدجرد جاءت علىّ بن أبى طالب فى مائة وصيفة، فقال علىّ: أكرموها فإنها حديثة عهد بنعمة فقال لها: تزوّجى بالحسين ابنى، فقالت: بل أتزوّجك أنت، فقال لها: الحسين شابّ، وهو أحق بالتزويج منّى، قالت: مثلى لا يملكه من يملك. وزعم عمر ابن الخطاب أنه ليس أحد أذكى من أولاد السرارىّ، لأن لهم عزّ العرب وتدبير العجم. ويقال لولد السّرّية الهجين، وهو الّذى أمّه أمة وأبوه عربىّ شريف.
وأنشدنى الرياشىّ «٢»:
إن أولاد السّرارى كثروا يا ربّ فينا
ربّ أدخلنى بلادا لا أرى فيها هجينا