فالقرابات شديد عقدها عقدها أوثق من عقد الكرب
قال الرشيد: إى والله! وأمر له بجائزة، فقبضها وخرج. قال يحيى: فخرجت خلفه لأعطيه أنا أيضا فلم ألحقه.
ويروى أنّ حفصا الأموىّ- وكان هجّاء لبنى هاشم مطنبا فى ذكر مثالبهم- لم يشعر به عبد الله بن علىّ بن العباس «١» إلا هو واقف على رأسه وهو لا يعرفه، فقال له: من الرجل؟ قال: حفص الأموىّ، قال: أأنت الذى لم تزل مطنبا فى هجاء بنى هاشم وثلبهم؟ فقال: ليس كل ما بلغك أيها الأمير حقا، ولكنى الذى أقول:
وكانت أميّة فى ملكها تجور وتكثر عدوانها
فلما رأى الله أن قد طغت ولم يطق الناس طغيانها
رماها بسفّاح آل الرسول فجدّ بكفّيه أعيانها
فقال له: اجلس، فجلس، ثم دعا عبد الله بالطعام فتغدّى معه، ثم نظر إلى عبد الله وهو يسارّ خادما له، فخاف على نفسه، فقال: أيها الأمير، إنى قد تحرّمت بطعامك
[ ٥٧ ]
فقال: ليس الأمر كما تظنّ، فجاءه الخادم بخمسمائة دينار، فصبّها فى كمّه وقال له:
اخرج آمنا. ومن بالباب يتوقعون أن يخرج رأسه، فسألوه عن حاله فقال: وهب لى الأمير ألف دينار: خمسمائة دينار ديتى وخمسمائة فى كمّى.
وهذه رسالة نذكرها، فإنا استحسنّا ألفاظها، واستغر بنا معانيها، ووقفنا على إبلاغ عظاتها، وهى رسالة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر من الحبس إلى أبى مسلم «١»:
بسم الله الرحمن الرحيم من الأسير فى يديه، بغير ذنب إليه، ولا خلاف عليه. أما بعد، فإنك مستودع ودائع، ومولى صنائع، فاذكر القصاص، واطلب الخلاص، وأنبه للفكر قلبك، واتق الله ربك، وآثر ما يلقاك غدا على ما لا يلقاك أبدا، فإنك لاق ما سلّفت، غير لاق ما خلّفت، وفّقك الله لما ينجيك، وآتاك شكر ما يوليك.
فخلى سبيل إخوته. ومات عبد الله فى السجن، فعاقب الله أبا مسلم ببغيه وأسلمه بغدره، وأتاح له من قتله.
ويروى أن المنصور بعد قتله أبا مسلم خطب فقال بعد حمد الله والثناء عليه:
أيّها الناس، لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسرّوا غش الأئمّة، فإنه من غشّ إمامه أظهر الله سريرته فى فلتات لسانه، وسقطات أفعاله، إنا [لن] «٢» نبخسكم حقكم، ولا نبخس الدين حقه عليكم، وأنه من نازعنا عروة هذا
[ ٥٨ ]
القميص أوطأناه خبىء هذا العمل «١» وأن أبا مسلم بايع لنا على أنه من نكث بنا فقد حل ماله ودمه، ثم نكث بنا، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا، ولم يمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحقّ عليه فيه، والسلام. وفى قتله يقول [أبو] دلامة الأسدى:
أبا مجرم ما غيّر الله نعمة على عبده حتّى يغيّرها العبد
أبا مجرم خوّفتنى القتل فانتحى عليك بما خوّفتنى الأسد الورد