قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، وَهُوَ الْحَقُّ الْيَقِينُ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿١﴾ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴿٢﴾ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴿٣﴾ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴿٤﴾ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٦﴾ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴿٧﴾ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴿٨﴾﴾ [الشَّرْح: ١-٨] .
فَهَذِهِ ال ﴿[كلهَا مفصحة بإذكار الله ﷿ رَسُوله ﵇ منَّته عَلَيْهِ، فِي شرح صَدره بعد الْغم والضيق، وَوضع وزره عَنهُ، وَهُوَ الْإِثْم، بعد إنقاض الظّهْر، وَهُوَ الإثقال، أَي أثقله فنقض الْعِظَام، كَمَا ينْتَقض الْبَيْت إِذا صَوت للوقوع، وَرفع، ﷻ، ذكره، بعد أَن لم يكن، بِحَيْثُ جعله الله مَذْكُورا مَعَه، والبشارة لَهُ، فِي نَفسه ﵇، وَفِي أمته، بِأَن مَعَ الْعسر الْوَاحِد يسرين، إِذا رَغِبُوا إِلَى الله تَعَالَى رَبهم، وَأَخْلصُوا لَهُ طاعاتهم ونياتهم.
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عَبَّاس، أَو عَن عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِ
[ ١ / ٥٩ ]
السَّلَام، أَنه قَالَ: لَا يغلب الْعسر الْوَاحِد يسرين، يُرِيد أَن الْعسر الأول هُوَ الثَّانِي، وَأَن الْيُسْر الثَّانِي هُوَ غير الأول، وَذَلِكَ أَن الْعسر معرفَة، فَإِذا أُعِيد، فَالثَّانِي هُوَ الأول، لِأَن الْألف وَاللَّام لتعريفه، وَيسر، بِلَا ألف وَلَام، ونكرة، فَإِذا أُعِيد، فَالثَّانِي غير الأول، وَهَذَا كَلَام الْعَرَب، فَإِذا بدأت بِالِاسْمِ النكرَة، ثمَّ أعادته، أعادته معرفَة بِالْألف وَاللَّام، أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ: قد جَاءَنِي الرجل الَّذِي تعرفه، فَأَخْبرنِي الرجل بِكَذَا وَكَذَا، فَالثَّانِي هُوَ الأول، فَإِذا قَالُوا: جَاءَنِي رجل، وَأَخْبرنِي رجل بِكَذَا، وَجَاءَنِي رجل، فَأَخْبرنِي رجل بِكَذَا وَكَذَا، فَالثَّانِي غير الأول، وَلَو كَانَ الثَّانِي، فِي هَذَا الْموضع، هُوَ الأول لقالوا: فَأَخْبرنِي الرجل بِكَذَا وبكذا، كَمَا قَالُوا فِي ذَلِك الْموضع.
وَقَالَ الله تَعَالَى:] سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [سُورَة الطَّلَاق: ٧] .
وَقَالَ:، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿٢﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطَّلَاق: ٢-٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٩] .
[ ١ / ٦٠ ]
فَأخْبر الله تَعَالَى: أَن الَّذِي مر على قَرْيَة، استبعد أَن يكْشف الله تَعَالَى عَنْهَا، وَعَن أَهلهَا، الْبلَاء، لقَوْله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٩]، فأماته الله مائَة عَام ثمَّ بَعثه. . . إِلَى آخر الْقِصَّة، فَلَا شدَّة أَشد من الْمَوْت والخراب، وَلَا فرج أفرج من الْحَيَاة والعمارة، فَأعلمهُ الله ﷿، بِمَا فعله بِهِ، أَنه لَا يجب أَن يستبعد فرجا من الله وصنعا، كَمَا عمل بِهِ، وَأَنه يحيي الْقرْيَة وَأَهْلهَا، كَمَا أَحْيَاهُ، فَأرَاهُ بذلك، آيَاته، ومواقع صنعه.
وَقَالَ ﷿: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يُونُس: ١٢] .
وَقَالَ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٢٢﴾ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يُونُس: ٢٢-٢٣] .
وَقَالَ تَعَالَى، فِي مَوضِع آخر: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٦٣﴾ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٦٤﴾﴾ [الْأَنْعَام: ٦٣-٦٤] .
[ ١ / ٦١ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ﴿١٣﴾ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴿١٤﴾﴾ [إِبْرَاهِيم: ١٣-١٤] .
وَقَالَ ﷿: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴿٥﴾ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴿٦﴾﴾ [الْقَصَص: ٥-٦] .
وَقَالَ ﷿: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النَّمْل: ٦٢] .
وَقَالَ جلّ من قَائِل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غَافِر: ٦٠] .
وَقَالَ عز من قَائِل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٦] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٥﴾ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿١٥٦﴾ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴿١٥٧﴾﴾ [الْبَقَرَة: ١٥٥-١٥٧] .
وَقَالَ ﷻ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿١٧٣﴾ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴿١٧٤﴾﴾ [آل عمرَان: ١٧٣-١٧٤] .
وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، أَنه قَالَ: عجبا لمكروب غفل عَن خمس، وَقد عرف مَا جعل الله لمن قالهن، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٥﴾ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿١٥٦﴾ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴿١٥٧﴾﴾ [الْبَقَرَة: ١٥٥-١٥٧] .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
[ ١ / ٦٢ ]
فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿١٧٣﴾ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمرَان: ١٧٣-١٧٤] .
وَقَوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿٤٤﴾ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غَافِر: ٤٤-٤٥] .
وَقَوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٨٧﴾ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴿٨٨﴾﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٨٧-٨٨] .
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا
[ ١ / ٦٣ ]
فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿١٤٧﴾ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤٨﴾﴾ [آل عمرَان: ١٤٧-١٤٨] .
وري عَن الْحسن أَيْضا، أَنه قَالَ: من لزم قِرَاءَة هَذِه الْآيَات فِي الشدائد، كشفها الله عَنهُ، لِأَنَّهُ قد وعد، وَحكم فِيهِنَّ، بِمَا جعله لمن قالهن، حكمه لَا يبطل، ووعده لَا يخلف ".
[ ١ / ٦٤ ]