وَيُونُس ﵇، وَمَا اقْتصّ الله تَعَالَى من قصَّته فِي غير مَوضِع من كِتَابه، ذكر فِيهَا التقام الْحُوت لَهُ، وتسبيحه فِي بَطْنه، وَكَيف نجاه الله ﷿، فأعقبه بالرسالة والصنع.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٣٩﴾ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿١٤٠﴾ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ﴿١٤١﴾ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴿١٤٢﴾ فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ﴿١٤٣﴾ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٤٤﴾ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴿١٤٥﴾ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ﴿١٤٦﴾ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴿١٤٧﴾﴾ [الصافات: ١٣٩-١٤٧] .
قَالَ صَاحب الْكتاب: «أَو» هَا هُنَا ظَاهرهَا الشَّك، وَقد ذهب إِلَى ذَلِك قوم، وَهُوَ خطأ، لِأَن الشَّك، لَا يجوز على الله تَعَالَى، الْعَالم لنَفسِهِ، الْعَارِف بِكُل شَيْء قبل كَونه، وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ الْوَجْه، أَنه قَالَ: أَو يزِيدُونَ، بل يزِيدُونَ، وَقَالَ: كَانَت الزِّيَادَة ثَلَاثِينَ ألفا، وَرُوِيَ عَن ابْن جُبَير ونوف الشَّامي أَنَّهُمَا قَالَا: كَانَت الزِّيَادَة سبعين ألفا، فقد ثَبت أَن «أَو» هُنَا، بِمَعْنى «بل» وَقد ذهب إِلَى هَذَا، الْفراء، وَأَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ آخَرُونَ:
[ ١ / ٧٣ ]
إِن «أَو» هَا هُنَا، بِمَعْنى «وَيزِيدُونَ» .
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٨٧﴾ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴿٨٨﴾﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٨٧-٨٨]، قَالَ بعض الْمُفَسّرين: معنى ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٨٧]: «لن نضيِّق عَلَيْهِ» .
وَهَذَا مثله قَوْله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطَّلَاق: ٧]، أَي: ضيق عَلَيْهِ، وَمثل قَوْله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] .
وَقد جَاءَ «قدر» بِمَعْنى «ضيق» فِي الْقُرْآن، فِي مَوَاضِع كَثِيرَة، وَمن هَذَا قيل للْفرس الضّيق الخطو: فرس أقدر، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يهرب من الله تَعَالَى نَبِي من أنبيائه، والأنبياء لَا يكفرون.
وَمن ظن أَن الله تَعَالَى لَا يقدر عَلَيْهِ، أَي: لَا يُدْرِكهُ، أَو أَنه يعجز الله هربا، فقد كفر، والأنبياء ﵈، أعلم بِاللَّه سُبْحَانَهُ، من أَن يَظُنُّوا فِيهِ هَذَا الظَّن الَّذِي هُوَ كفر.
وَقد رُوِيَ أَن من أدام قِرَاءَة قَوْله ﷿: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٨٧] الْآيَة إِلَى قَوْله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٨٨]، فِي الصَّلَاة، وَغَيرهَا، فِي أَوْقَات شدائده، عجل الله لَهُ مِنْهَا فرجا ومخرجا.
وَأَنا أحد من واصلها فِي نكبة عَظِيمَة لحقتني، يطول شرحها وَذكرهَا عَن هَذَا الْموضع، وَكنت قد حسبت، وهددت بِالْقَتْلِ، فَفرج الله عني، وأطلقت فِي الْيَوْم التَّاسِع من يَوْم قبض عَليّ فِيهِ.
[ ١ / ٧٤ ]