وكان للأندلسيين كبير الشغف والاعتناء بقراءة السيرة النبوية وروايتها وشرحها: ولهم في ذلك أعمال جسام وكتب حسان، وناهيك من الدليل عليه. كتاب " الروض الأنفي تفسير ما اشتمل علية حديث السيرة النبوية لابن هشام تأليف أبي القاسم السهلي ﵀ وأيضًا كان لهذا الكتاب شرح للشيخ أبي بحر سفيان بن العاصي. وقد استفاد منه السهلي ونبه على أخطائه في الروض الأنف في كثير من المواضيع. وأبو بحر هذا من تلاميذ الوقشي النابهين النوابغ.
وكان الوقشي ﵀ قرأ هذا الكتاب على شيخه الأمام الأكبر الفقيه المقرئ أبي عمر أحمد بن محمد الطلمنكي ﵀ وكانت رواية الطلمنكي، وسنده في السيرة لأبن هشام، عن أبي جعفر أحمد بن عون الله بن حديد البزاز، عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن الورد بن زنجويه البغدادي، عن أبي سعيد عبد الرحيم البرقي، عن ابن هشام ﵏.
روى السيرة النبوية لأبن هشام، من طريق الوقشي، ابن خير الأشبلي وذلك عن الشيخ أبي بحر سفيان العاصي الأسدي قرأة عليه، وقال أنه قرأ على الشيخ القاضي الوليد هشام بن أحمد الوقشي.
وأيضًا رواها عن طريقه أبو القاسم السهلي، وذلك عن أبى مروان عبد الملك بن سعيد بن بونة القرشي العبدرى، عن أبي بحر الأسدي، عن أبى الوليد الوقشي الكناني.
وقد رأينا من خلال قرائتنا للروض الأنف، أن السهيلي كان قد عكف على نسخة الشيخ أبى بحر، من شرح السيرة النبوية، واستفاد منه في كثير من المواضيع، وأنة لا يذكر اسم الوقشي لا قليلًا، ويقول في اكثر الأحيان هكذا وقع في نسخه الشيخ أو في شرح الشيخ أبى بحر ﵀ مع أن شرح أبي معظمه كان مأخوذا من شرح الوقشي والمواضع من الروض الأنف التي ذكر فيها اسم الوقشي وشرحه، تزيد من ثلاث موضعا ومن ثلاثة هامة جدًا وتلف أنظارنا ولابد من ذكرها لأنها تلقي ضؤا كافيا وتوضح لنا واضحا جليا مكانة الشرح وقيمته كما أنها تشرح لنا شغف الرجل وولوعه بجمع الكتب الثمينة. والمواضيع هي: - الأول، وهو تعليق على بيت لعبد الله بن الزبعري من شعره في وقعة الفيل وهو " الكامل ".
ستون ألفا لم يؤولوا أرضهم ولم يعش بعد الإياب سقيمها
فيعلق عليه السهلي قائلا: وقول " ولم يعش بعد الإياب سقيما " هكذا في النسخة المفيدة على أبى الوليد، المقابلة بلأصلين اللذين كانا عنده وقابلها أبو بحر ﵀ بهما مرتين الثاني: وهو تعليق على بيت الأمية بن أببي الصلت من شعره في سيف بن ذى يزن الحميري " البسيط "
ليطلب الوتر أمثال ذي يزن ريم في البحر للأعداء أحوالا
[ ١٦ ]
فيعلق عليه السهيلى: " وقولة في شعر أمية بن أبى الصلت: ريم في البحر، أي أقام فيه، ومنه الروائم، وهي الأثافي كذلك وجدته في حاشية التي عارضها بكتابى أبى الوليد الوقشي، وهو عندي غلط لأن الروائم من رأمت وإذا عطفت وريم ليس من رأم، وإنما هو من الريم وهو الدرج أو من الريم الذي هو الزيادة والفضل أو من رام يريم إذا يريم إذا يرح كأنه يريد غاب زمانا وأحوالًا ثم رجع للأعداء وارتقى في درجات المجد أحوالا، أن كان من الريم الذي هو الدرج ووجدته في غير هذا الكتاب خيم مكان ريم فهذا معناه أقام.
الثالث: وهو أيضًا تعليق على بيت العدى بن زيد العبادي الحميري من شعره يذكر فيه بن تبع " المسرح ".
بعد بني تبع نخاورة قد اطمأنت بها مرازبها
فيقول أبو القاسم السهيلي معلقًا علية: وقوله بعد بنى تبع بجاورة هكذا في نسخة سفيان بن العاصي الأسدي وقد كتب مصححا عليه وقد كتب في الحاشية نخاورة في المين وفى الححاشية النخاورة الكرام، وكذلك في المسموعة على ابن هشام يعنى نسختى أبى الوليد الوقشي، اللتين قابل بهما مرتين ويعني بالحاشية، حاشية تينك الأمين، وأن فيهما نخاورة بالنون والخاء المنقوطة، وهم الكرام كما ذكر.
وقد جاء ذكر شرح الوقشي في عير هذه المواضع الثلاثة، وذلك في الجزء الأول على الصفحات ٤، ٢٩، ٣٨، ٤٣، ٦٤، ٧١، ٧٢، ١٠، ١١٥، ١٦٦، ٦٦٥، ٢٣١، ٢٥٥، ٧٧، وفي الجزء الثاني على الصفحات ٩، ٤٣، ٥، ٦٤، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢١٣، ٢٤٣، ٢٥٧، ٢٦٣، ٢٧١، ٣٤١، ٣٦٠.
وقد عرفنا قيمة شرح الوقشي، ومدى فائدته، ومكانته عند علماء الأندلس من أمثال أبى بحر وأبى القاسم، كما أننا قد عرفنا أن عنده كانت نسختين من السيرة النبوية لابن هشام اللتان عرفتا عند العلماء بالنسختين الأمين. وكانوا يعارضون بهما، وأن إحدى النسختين كانت مسموعة على ابن هشام، وهي نسخة أبى سعيد البرقي التي كان قد قرأها على شيخه الإمام أبى محمد عبد الملك ابن هشام المعافري الحميري البصري المتوفى بمصر سنة ٢١٣ هـ.
أما النسخة الثانية فلا نجزم فيها القول إلا أننا نظن أنها أيضا كانت قد قرأت بعضها على ابن هشام. ونستدل ببيان السهيلي حيث ذكر نسخة من السيرة التي كان شيخه أبو بحر نقل عنها، وهذا نص بيانه: وذكر الشيخ أبو بحر سفيان بن العاصي رحمة الله في هذا الموضع، قال: " نقلت من حاشية نسخة من كتاب السيرة، منسوبة بسماع أبى سعيد عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم، وأخويه محمد وأحمد أبني عبد الله بن عبد الرحيم، ما هذا نصه: وجدت بخط أخي قول أبن هشام هذا مما لم يذكره ابن إسحاق، هو غلط منه، قد ذكره ابن لإسحاق عن جعفر بن عمرو بن أمية عن عمرو بن أمية، فيما حدث أسد عن يحيى بن زكريا عن ابن إسحاق ". والقائل في الحاشية " وجدت بخط أخي " هو أبو بكر بن عبد الله عبد الرحيم. وفي الكتاب المذكور جاء قول أبى بكر المذكور في غزوة الطائف، بعد قوله: " فولدت له داود بن أبى مرة إلى هاهنا انتهى سماعي من أخي، وما بقي من هذا الكتاب سمعته من ابن هشام نفسه ".
فانك ترى أن هذه النسخة التي نقل عنها أبو بحر كانت قد قرأت بعضها على أبي سعيد عبد الرحيم بن عبد الله وأخويه، وبعضهما على ابن هشام، والقارئ هو أبو بكر بن عبد بن عبد الرحيم، ولا ندري أين رآها الشيخ أبو بحر؟ أعند الوقشي فتكون إحدى نسختيه الأمين، أو وجدها في مكان آخر، والأول هو أقرب الاحتمالين، والله أعلم بالصواب، وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وأما القسم الثالث المفقود أصلًا من مؤلفات الوقشي، فانها مذكورة منسوبة له عند بعض أصحاب التراجم والطبقات، ولم نعثر عليها بعد إلا على أسمائها، وموضوعاتها ومحتوياته وهي: