ولد الفقيه الأجل الحافظ، النحوي، الأديب، اللغوي، أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن ابن السيد البطليوسي في سنة ٤٤٤هـ. وعاش سبعة وسبعين عاما، أو ما يزيد قليلا من حياته، واختلف بين بطليوسي، وطليطلة، والسهلة، وسرقسطة، وبلنسية وبها كانت وفاته سنة ٥٢١هـ. وعاصر ملوك الطوائف، واتصل ببعضهم، وشاهد عصر المرابطين إلا أنه شغل عنهم بالتأليف والتدريس، قانعا بهما غير راغب في خدمة القصور زاهدا في مجالسها واجتماعاتها.
حياته
الطور الأول من أطوار حياته، ونعنى بع عهد الطفولة، والحداثة والنشأة والتربية في حجر أبويه، وبين أعضاء أسرته. وهذا الدور من حياته، لا يزال سرا غامضا لم تتناوله كتب التراجم والتاريخ، ولم يجله الباحثون، لأننا لا نعرف شيئا عن أسرته وطفولته، أكثر من أن له أخا وهو أبو الحسن علي بن محمد ابن السيد، وشقيقه الأكبر وشيخه في الأدب والنحو، وأن أصله من شلب، التي كان منها ذو الوزارتين الكاتب الشاعر ابن عمار، وابن بدرون. شارح قصيدة ابن عبدون، التي بكى بها بني الأفطس، ملوك بطليوس كما صرح به في المغرب، ونفخ الطيب: فقد قال المقري، نقلا عن " الذخيرة " لابن بسام: " ومنها " من شلب " نحوي زمانه، وعلامته، أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي، فان شلبا بيضته، ومنها كانت حركته ونهضته. وقد جاء في المغرب متنصه: " أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي، أحد من تفخر به جزيرة الأندلس من علماء العربية وهو من شلب، ولازم مدينة بطليوس، فعرف بالبطليوس ". وقال الفتح: شلب بيضته ومنها كانت حركة أبيه ونهضته، وفيها كان قرارهم ومنها نم آسهم وعرارهم، ونسب إلى بطليوس لمولده بها ".
الطور الثاني: وهو عهد الطلب، والدراسة، والتحصيل في معاهد الأندلس، ومراكزها العلمية والأدبية، وهذا الطور، أيضا، غير واضح، وليس لدينا معلومات مفصلة عن هذا المرحلة الهامة من مراحل حياته، وإنما نجد في الكتب بعض الإشارات الخفية المبهمة، التي لا تعطينا صورة واضحة جلية عن هذا الطور من حياة ابن السيد وكذلك فان مؤلفاته التي وصلت إلينا - مطوعها ومخطوطها - لا تشير إلى ذلك إلا قليلا نادرا.
وأغلب الظن أنه بدأ حياة الطلب، والدراسة، والتحصيل في مدينة بطليوس، التي كانت في ذلك الوقت، مركزا هاما، من المراكز الثقافية في الأندلس، وكانت تضاهي عواصم ملوك الطوائف الأخرى، كم قرطبة، وطليطلة، واشبيلية، وسرقسطة، من ناحية الحضارة، والتمدن، والنشاط الثقاف، والعلمي، والأدبي، ولم لا فقد كان ملكها في ذلك الوقت هي أبو بكر محمد بن عبد الله المظفر " من ٤٣٧هـ إلى ٤٦٠هـ " الذي كان أديب ملوك عصره غير مدافع، ولا منازع، والذي ألف موسوعة كبيرة وسماها بالمظفري، وهو الملك الذي كلن قد بلغ إعجابه بالمعري والمتنبي إلى أن قال: من لم يكن شعره مثل شعر المتنبي أو المعري فليسكت.
[ ٢٣ ]
ففي هذه البيئة الأدبية، بدأ ابن السيد دراساته، كطالب ناشئ ذكي فكان يختلف إلى علماء بطليوس، ويتردد إلى مدارسهم، ويحضر حلقاتهم، ويستفيد من معارفهم، وفضلهم، منهم أخوه أبو الحسن علي ابن السيد، وعاصم بن أيوب، وعل بن أحمد بن حمدون البطيوسيون وغيرهم، من أعلام العلم والأدب، فأخذ عنهم اللغة، والأدب، وشعر القدماء. لعله أخذ عن أخيه " سقط الزند " وغير من دواوين شعر المعري، لأن أخاه أبا الحسن هذا، كان قد أخذ سقط الزند عن عبد الدائم القيرواني وكان يرويه عنه في بطليوس.
على كل حال، فان ابن السيد كان قد غذي بشعر المعري، وهو صغير، وسمعه من شيخ بطليوس، وأعجب فيه، وحفظه، لألنا نراه يسرع إلى طليطلة، وهو حديث السن، ولم يتجاوز الثانية عشر من عمره، ليزور شيخا من شيوخ المشرق، وعلما من أعلامها، الذي رأى أبا العلاء المعري، وأخذ عنه شعره، واستجازه روايته، فأجاز له، ذلك الشيخ العلم، هو أبو الفضل البغدادي، رسول خليفة العباسي إلى المعزا بن باديس، ورسول المعري الأدبي إلى أهل المغرب كافة، الذي دخل الأندلس واستقر أخيرا بطليطلة، وملكها إذا ذاك هو المأمون يحيى ابن ذي النون، ذلك الملك الذي عرفه التاريخ كمأوى للعلماء، والأدباء، وملاذهم وقبلة الشعراء والكتاب، وولى نعمتهم ومعطيهم.
ثم أن ابن السيد، لم يزل يتنقل في عواصم الأندلس، ومراكزها، فتارة في قرطبة، وأشبيلية، وأخرى ببلنسية وسرقسطة، وأخذ عن أبي سعيد الوراق، وعبد الدائم القيرواني، وأبي علي الغساني، رئيس المحدثين بقرطبة في زمانه، وكبار العلماء المسندين به، وسنذكرهم في فصل مستقل، أن شاء الله في شيوخ ابن السيد وأساتيذه.
الطور الثالث: وهو عهد الرجولة، والاتصال بالملوك، والأمراء، والعيان والوجهاء في عصره، فان ابن السيد في هذا الطور من أطوار حياته، لم يزل ينتقل من بلاط إلى آخر، ومن عاصمة إلى أخرى، ويحضر مجالس الملوك ومآدبهم، طوال هذه المدة فجلب الدهر أشطره، وتلا حروفه وأسطره، وخدم الرياسات، وعلم طرق السياسات ونفق، وكسد ووقف وتوسد.
فممن اتصل به من الملوك، القادر بالله يحي بن إسماعيل بن يحي ابن ذي النون صاحب طليطلة، وأبو مروان عبد الملك ابن رزين، صاحب السهلة، والمستعين بالله، أحمد بن سليمان ابن هود، ملك سرقسطة، وأمراء نبي عبد العزيز، أصحاب بلنسية وكذلك فانه كان قد عرف كثيرا من الأعيان، والوجهاء، والوزراء والكتاب، وأصحاب الرتب من أمثال ذي الوزارتين أبي عبس ابن لبون، وذي الوزارتين، أبي محمد ابن الفرج. والوزير الكاتب أبي أحمد بن سفيان، والوزير أبي بكر بن عبد العزيز والأستاذ أبي الحسن ابن الأخضر، والأستاذ أبي محمد ابن جوشن، وأب الحسن راشد بن عريب، وابن أبي الخصال. وله في بعضهم المدائح والمرثى، كما أن له بعض الرسائل، والمكاتبات، والأشعار، التي كان يبعث بها إليهم في شتى المناسبات وفي الأغراض المختلفة المتنوعة.
والظاهر من الأسباب، التي جعلته يميل إلى حياة القصور، وخدمة الملوك ماشاهده بطليطلة، عند المأمون يحي ابن ذي النون، من تقدير العلماء، والأدباء، وإكراهم لهم، وإجزال العطايا والصلات لهم، وإجزاء الأموال عليهم، وعزهم، ومكانتهم في نفوس الخاصة والعانة.
وليس لدينا ما يؤكد لنا عن صلته بالمأمون، وحظه من حاشيته، وهل كانت له شركة في مجالس الطرب والأنس التي كان يقيمها في قصره الذي كان شاده بطليطلة، والذي بالغ الشعراء والخطباء والمؤرخون في وصفه أم لا؟ لأن المصدر المفصل عن حياة ابن السيد، هو الفتح ابن خاقان، وبيانه مختلف فيما ألفه، وقوله يناقض بعضه بعضا؟ فانه يقول في القلائد أن ابن السيد، حضر مع المأمون ابن ذي النون في مجلس الناعورة بالمنية، وبه أخذ المقري في نفخ الطيب وقال في رسالته، التي خصصها لابن السيد أنه حضر مع القادر بالله ابن ذي النون في مجلس الناعورة بطليطلة، فقال قصيدته الدالية يصف بها حال المجلس ومطلعهل " المنسرح "
يا منظرا إن رمقت بهجته أذكرني حسن جنة الخلد
فالرجل يختلف بيانه، وكلامه يناقض بعضه بعضا، كما ترى.
[ ٢٤ ]
ونرجح، أن هذا لم يكن مع المأمون، وإنما كان مع حفيده القادر، لأن ابن السيد، لم يقل بيتا واحدا في مدح المأمون، فيما بلغنا من شعره، مع أنه قد مدح القادر كما مدح الملوك الآخرين، الذين اتصل بهم وحضر مجالسهم، ومآدبهم، كابن رزين، وابن هود، ونبي عبد العزيز فلو كانت له صلة بالمأمون، وشركة في مجالسه، وحظا من حاشيته، وعطاياه، لقال فيه شعرا، ولخلد ذاكراهن ثم أن ابن السيد، لم يكن قد بلغ درجة من العمر، والشهرة، التي تؤهل الإنسان، أن يكون سمير الملك، وأكيله وشريبه وخاصة إذا كان في بلاطه عددا ضخما من الأعلام والفحول، فانه من الصعب أن يحظى شابا ناهض، من حاشية الملك بشيء، وعنده فطاحل الأدب والشعر. إلا أنه اتصل بالأميرين يحي بن إسماعيل بن يحي المأمون، وعبد الرحمن بن عبيد الله ابن ذيي النون فمدحهما، وحضر مجالس الأنس والطرب لهما.
وكانت لابن السيد صلة ببني عبد العزيز، أصحاب بلنسية، فانه قد رثى الوزير الأجل، أبا عبد الملك ابن عبد العزيز، وأشاد بذكر الوزير أبي بكر ابن عبد العزيز الذي كان المأمون قد استخلفه، على بلنسية بعد أن أسقط ملكها، وأدمجها إلى مملكته طليطلة، وذلك سنة ٤٥٧هـ. وأغلب الظن أن صلته ببني عبد العزيز في حياته المأمون هي التي أخرته عن مجالسه ومدحه له. وقال ابن السيد في قصيدته التي رثى بها أبا عبد الملم وأشاد بذكر أبي بكر والتي مطلعها: " الطويل ".
فؤادي قريح قد جفاه اصطباره ودمعي أبت إلا انسكابا غزاره
ويعزى بني عبد العزيز قائلا " الطويل ":
عزاء بني عبد العزيز وإن خلا من المجد مغناه وهد مناره
لكم شرف أرسي قواعد بيته أبو بكر الساري إليكم نجاره
أجل وزي، عطر الأرض ذكره وأخجل زهر النيرات فخاره
فلو كان للعلياء جيد، ومعصم لأصبح منكم عقده وسواره
ففيكم لهذا الصدع آس وجابر وإن كان صعبا أسوه وانجباره
ولما مات المأمون سنة ٤٦٧هـ، وخلفه حفيده، يحي القادر بالله، كان لابن السيد فيه أملا ورجاء، وكان يتوقع منه خيرا وحسنة، وكان يطمع في إحسانه إليه، فمدحه وقال فيه قصيدة مطلعها " الطويل ":
ضمان على عينيك أبي هائم تصدع قلبي حول وصلك حائم
وفيها يقول:
وما أنت إلا آية الله في الورى وحكمته أن قال بالعلم عالم
لقد بخسوك الحق جهلا، وأخطأت بما رجمت فيك الظنون الرواجم
كما بخسوا يحي ابن ذب النون حقه فقالوا ابن سعدي في النوال وحاتم
وفيها يقول:
لنا بارق من بشره ليس خلبا إذا شامه يوما من الناس شائم
عليه من المأمون يحي مشابه ترى، ولإسماعيل فيه مباسم
إلى أن يقول له:
وأورثك المأمون صارمه الذي به لم تول تفرى الطلي، والجماجم
فصمم ولا تحجم فانك صارم وحسام، ومنه في يد الله قائم
إلا أن هذا الملك الجديد الشاب، قد ساءت سيرته وفسدت أخلاقه، فأساء إلى النبهاء والزعماء، من أمثال ابن الحديدي، عونهم ومدبر ملكهم، حتى قتلته طائفة مفسدة من أهل طليطلة في القصر الملكي، وأفسد حال طليطلة وأهلها، فثاروا عليه. فزهد فيه الفقيه الأجل، فتركه، وسار متوجها إلى السهلة، وعليها أبو مروان عبد الملك بن هذيل ابن رزين، الملقب بحسام الدولة، وكان عند وصوله إليه قد بفعه أرفع محل وأنزله منزلة أهل العقد والحلن وأطلعه في سمائه، وأقطعه ما شاء من نعمائه، وأورده أصفى مناهل مائة، وأحضره مع خواصه وندامائه، وكانت دولته موقف البيان، ومقذف الأعيان، ومحصب جمار الآمال، وأعذب موارد الأجمال، لولا سطواته الباطنة، ونكباته البارية، لسهام الرزء الرائشة فقلما سلم منها مفاد الأموال، ولا أجمد عقبا معه صاحب ولا وال، فأحمد هو أول أره معه، واستحسن مذهبه في جانيه ومنزعه، ولم يدر أن بعد ذلك الشهد شرب علقم، وان السم تحت لسان ذلك الرقم، فقال ﵀ يمدحه: " الطويل "
عسى هطفة ممن جفاني يعيدها فتقضي لباناتي ويدنو بعيدها
وقصيدته هذه من عيون الشعر الأندلس، وفيها يقول:
[ ٢٥ ]
إذا أنكحوا من فضة الماء تبرها أتى اللؤلؤ المكنون وهو وليدها
كما أنكحوا البدر استقامت سعوده هذيلا من الشمس اسقامت سعودها
فجاءا بعبد الملك للملك كوكبا ليحمى سماء المجد ممن يكيدها
رمى جنة الأعداء لما سموا لها بشهب القنا حتى استشاط مريدها
فتى أحرز العليا وحاز مدى الندى فما إن له من ريبة يستزيدها
سرى بارق من بشره غير خلب إلى أرض آمالي فأورق عودها
وبوأني من مجده في مكانة سعود النجوم الزاهرات صعيدها
فيا أيها المولى الذي أنا عبده وقدما رجا طول الموالي عبيدها
أصخ نحو حر الشعر من عبد أنعم بدائعه ما زال منك يفيدها
قواف تروق السامعين كأنما تحلى سجاياك الحسان قصيدها
إلا أن هذه السعادة لم تدم، ولم يلبث أن فسد ما بينهما وكادت سهام الرزء الرائشة لابن رزين تصيب عبد أنعمه أبن السيد، وكاد أن يعتقل في شنت مرية، كما اعتقل أخوه، أبو الحسن قبله في قلعة رباح، ولكن الأقدار ساعدته واستطاع أن يتخلص من أبن رزين، ويفر منه فرار السرور من الحزين. وكان ذلك عام سبعين وأربعمائة كما صرح به أبن السيد نفسه في مقدمة المثلث حيث قال: " وذهب عني في نكبة للسلطان جرت على وانتهت معظم ما كان بيدى ". ولا نعرف شيئا عن حياة أبن السيد التي فضاها بين فراره من أبن رزين ودخوله سرقسطة في أيام المستعين أبن همود. فإذا عرفنا أن نكبة السلطان، التي جرن عليه، كانت في السبعين وأربعمائة، وعرفنا كذلك أن المستعين تبوأ عرش سرقسطة في سنة ٤٧٨، فمعنى ذلك أن بين فراره من السهلة ودخوله سرقسطة ثمانية أعوام، وهو فرغ كبير لا تملأه كتب التراجم والتأريخ، كما أنه هو لم يشر إلى ذلك في مؤلفاته التي وصلت إلينا.
وقد كانت سرقسطة عندما دخلها أبن السيد " هي جنة الدنيا، وفتنة المحيا، ومنتهى الوصف، وموقف السرور، والقصف، ملك نمير البشاشة كثير الهشاشة، وملك بهج الفناء أرج الأرجاء، يروق المجتلى ويفوق النجم المعتلى، وخضرة منسابة الماء منجابة السماء، ييسم زهرها وينساب نهرها حمائلها، وتتضوع صباها وشمائلها والحوادث لا تعترضها، والكوارث لا تقتضرها، ونازلها من عرس إلى موسم، وآملها متصل بالأماني ومتسم، فنزل منها في مثل الخورنق والسدير، وتصرف فيها بين روضة وغدير، فلم يخف على المستعين أختلاله، ولم تخف لديه خلاله، فذكره معلما به، ومعرفا، وأحضره منوها له، ومشرفا. وقد مدح المستعين وأشاد بذكره، فمن ذلك قصيدته التي مطلعها: " الطويل "
هم سلبوني حسن صبري إذ بانوا بأقمار أطواق مطالعها بأن
ولعله كان على شيء من سوء الحال عندما وصل إليه، كما يبدو ذلك من قوله في القصيدة نفسها:
تنكرت الدنيا بعدكم وحقت بنا من معضل الخطب ألوان
أناخت بنا في أرض شنت مرية هواجس ظن خن والظن خوان
وشمنا بروقا للمواعيد أتعبت نواظرها دهرا، ولم يهم هتان
فسرنا، وما نلوى على متعذر إذا وطن أقصاك، آوتك أوطان
وأما في الطور الرابع من أطوار حياته، وهو عهد الكهولة والشيخوخة، وعهد التأليف والتدريس. فكان قد قطع صلته بملوك الطوائف. أوقل قطع الله دابرهم وجمع الأمة تحت رأية يوسف بن تاشفين، وأعيان الحكومة وأصحاب الرياسة، وعكف على المطالعة والقراءة والتأليغ، وجلس للتدريس ولإقراء اللغة والنحو ببانسية فأقبل إليه الطلاب من كل ناحية وصوب - يأخذون عنه النحو واللغة ويقتبسون من فضله ومعارفه، ثم ينصرفون عنه وينتشرون في نواحي البلاد، فيعلمون، ويدرسون، ليبثوا معرفه، وينقلوها إلى الأجيال القادمة.
[ ٢٦ ]
ونراه لا يذهب إلى شلب بيضته ومسقط رأسه، ولا إلى بطليوس، مدرسته الأولى التي بدأ بها حياة الدراسة والتحصيل، وإنما يختار له مدينة بلنسية فينزل بها. ولعل إعراضه وانصرافه عن هاتين المدينتين، كان لما قد أصابهما من التخلف وسؤ الحال. والخراب، بسبب الحروب والفتن، التي قامت في وجه مملكة بطليوس وإما راتها، تارة على أيدي ملوك أشبيلية من بني عبد، وأخرى على أيدي قواد المرابطين وحكامهم، مما كان قد عطل موكب الحضارة، وأفسد النشاط العلمي والأدبي، بتلك البقاع من الأندلس في ذلك الوقت.
ولا تحدثنا التراجم بالصراحة، متى تحول أبن السيد عن خدمة الملوك، وقطع صلته بحاة القصور، وأغلب الظن أن ذلك كان بعد وفاة المستعين سمة ٥٠١هـ.
فإذا صح أنه فارق سرقسطة بعد وفاة المستعين، وولى وجهه شطر بلنسية، قنزلها، وأستقر بها مكانه، فمعنى ذلك أن هذه المدة كانت طويلة جدا، تمتد إلى عشرين سنة كما أنها هامة جدا، وذلك لأن تلك الحقبة هي ألمع أوقات حياته وأخصبها مادة، وأكثرها فائدة، وأكبها نفعا وغزارة. لأنها تمثل طوارا خصبا من حياته الأدبية والعلمية، التي نصب نفسه في خلالها لاقراء النحو وفيها ألف تواليه الكثيرة.
أما الأسباب التي جعلته ينصرف عن حياة القصور، ويتحول عن خدمة الملوك والأمراء، ويقطع صلته بالأعيان والرؤساء، فأظهرها وأكبرها هي أربعة أسباب: أولها، أنه جرب ملوك الطوائف، وأختبرهم، فلم يرفيهم خيرا، ولا صلاحا. وشاهد أخلاقهم السيئة، وطغيانهم على الرعية وجورهم على الضعفاء الأبرياء، فأبغضهم وتنفر عنهم. وثانيها، ما واجهه من نكبة خطرة على يد أبن رزين التي ذهبت بمعظم ما في يديه، وفرمنه فرار الموت أو القتل. وثالثها هي الهزات العنيفة التي أصيبت بها الأندلس، والتي تركت أثرا بعيدا في قلوب أهلها، من إشاعة القلق والخوف، والتوجس من المستقبل، والتي تزعزع بها بنيان الحضارة، وأصيب المسلمون بالمكارة والآلام، التي تقشعر الجلود عند ذكرها، وتظطرب النفوس عند سماعها، وتتبادر الدموع عند بيانها. ورابعها، هي نهاية ملوك الطوائف المشجعين للأدب والشعر، وحلول المرابطين محلهم، الذين لم تكن لهم أية عناية بالأدب والأدباء والشعر والشعراء، ولقد قال الفتح أبن خاقان وأجاد حيث قال إن أبن السيد " لما رأى الأحوال واختلالها، والأقوال واعتلالها، وتلك الشموس قد هوت، ونجوم الآمال قد خوت، أضرب عن سواه، ونكب عن نجواه، وأغترب بلوعة أبن رزين وجواه، ونصب نفسه لإقراء علوم النحو وقنع بتغييم جوه بعد الصحو ".