وقال رجل أحسبه تميميًا١ً:
لو لم يفارقني عطية لم أهن ولم أعط أعدائي الذي كنت أمنع
شجاعٌ إذا لاقى، ورامٍ إذا رمى وهادٍ إذا ما أظلم الليل مصدع
سأبكيك حتى تنفد العين ماءها ويشفى مني الدمع ما أتوجع
أحسن الإنشادين عندي: "لم أهن"، يأخذه من وهن يهن، لأنه إذا قال: " لم أهن" فهو من الهوان، ومن قال: "لم أهن" فإنما هو من الضعف، وهو أشبه
_________________
(١) ١ نسب هذه الأبيات أبو على ألقالى إلى حكيم بن معية أحد بنى ربيعة الجوع يرثى أخاه عطية بن معية. وانظر ذيل الأمالى ٧٥: ١. وفي زيادات ر "هو الفرزدق"، قال المرصفى: "يرثى صديقة ونديمه عطية بن جعال، وكان من سادات تميم".
[ ١ / ٧٣ ]
بقوله:
ولم أعط أعدائي الذي كنت أمنع
والآخرغير بعيد، يقول: لم أهن على أعدائي، وإذا قال "لم أهن" فالأصل: " لم أهن"، ولكن الواو إذا كانت في موضع الفاء من الفعل، وكان ذلك الفعل على "يفعل"، قالوا محذوفة، وإنما تحذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، وتصير حروف المضارعة الباقية تابعة للياء، لئلا يختلف الباب، وهي التاء من قولك: "تفعل" إذا عنيت مخاطبًا أو مؤنثًا غائبًا، نحو: تعد، وهي تعد، والهمزة إذا عنيت نفسك، نحو: أنا أعد، والنون إذا أخبرت عن نفسك ومعك غيرك، نحو: نحن نعد.
فإن قال قائل: إنما هذا لن الفعل المتعدي تحذف منه الواو، فإن كان غير متعد ثبتت، فقد قال أقبح قول، لأن التعدي أو غير التعدي لا يحدث في أنفس الأفعال شيئًا، ولو كان كما يقول لأثبت الواو في "وهن يهن"، لأنك لا تقول: وهنت زيدًا، وكذلك ورم يرم ووكف١ البيت يكف، وونم٢ الذباب ينم، وهذا أكثر من أن يحصى. فإن لم تكن بعد الواو كسرة لم تحذف، نحو وحل يوحل، ووجل يوجل، ووجع الرجل يوجع وقد يجوز ييجع وياجع وييجع لما نذكره إذا جرى إذا جرى ذكر هذه المفتوحة إن شاء الله. فأما الحذف فلا يكون فيها.
فإن قال قائل: فما بال يطأ ويسع حذفت منهما الواو، ومثلهما ثبتت فيه الواو، فإنما ذلك لأنه كان فعل يفعل مثل ولي يلي، وورم يرم، ففتحته الهمزة والعين، والأصل الكسر، فإنما حذفت الواو مما يلزم في الأصل، ألاترى أنك تقول: ولغ السبع يلغ، فهذا فعل يفعل والأصل يفعل، ولكن فتحته العين، لأن حروف الحلق تفتح ماكان على يفعل ويفعل، ولولا ذلك لم تقع فعل يفعل وحروف الحلق ستة: الهمزة، والهاء والعين، والغين، والحاء، والخاء، وهن، يفتحن إذا كن في موضع العين واللام، فأماالعين فنحو سأل يسأل وذهب
_________________
(١) ١ وكف البيت: قطر منه الماء. ٢ ونم الذباب: سلح.
[ ١ / ٧٤ ]
يذهب وأما اللام فمثل قرأ يقرأ، وصنع يصنع، وسائر هذا الباب على ماوصفت لك.
وقوله:
وهادٍ إذا ماأظلم الليل مصدع
فتأويل"مصدع" أي ماض في الأمر، قال الله ﷿: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ ١ ويقال: أحزم الناس من إذا وضح له الأمر صدع به.
وقال أعرابي٢ يمدح سوار بن عبد الله القاضي، وسوارٌ أحد بني العنبر بن عمرو بن تميم:
وأوقف عند الأمر ما لم يضح له وأمضى إذا ما شك من كان ما ضيا
فاستجمع في هذا المدح ركانة الحزم، وإمضاء العزم، ومثله قول النابغة الجعدي:
أبى لي البلاء وإني امرؤٌ إذاما تبينت لم أرتب
ومن أمثال العرب السائرة الجيدة: "رو تحزم "فإذا استوضحت فاعزم"ومن أمثالهم: "قد أحزم لو أعزم"، وإنما يكون هذا بعد التوقف والتبين، فقد قال الشعبي: أصاب متأمل أو كاد، وأخطأ مستعجل أوكاد.
ومثل قوله:
"ويشفى مني الدمع ما أتوجع"
قول الفرزدق:
ألم تر أني يوم جو سويقة٣ بكيت فنادتني هنيدة: ما ليا
فقلت لها: إن البكاء لراحةٌ به يشتفي من ظن ألا تلاقيا
_________________
(١) ١ الحجر ٩٤. ٢ حاشية الأصل "هو سلمة بن عياش". ٣ جو سويقة: موضع بالصمان.
[ ١ / ٧٥ ]
قال أبو الحسن: ويتلو هذ ين البيتين مما يستحسن:
قعيدكما الله الٌذي أنتما له ألم تسمعا بالبيضتين المناديا١
حبيب دعا، والرمل بيني وبينه فأسمعني، سقياٌ لذلك، داعيا
يقال: قعيدك الله، وقعدك الله، ونشدك الله، أي سألتك بالله، كما قال متمم بن نويرة، وهو من بني يربوع:
قعيدك ألاٌتسمعني ملامة ولاتنكئي قرح الفؤاد فييجعا
ويرى:" فقعدك ألآتسمعني"، والبيضتان: موضع معروف.
قال أبو العباس: وقال أبو بكر بن عياش: نزلت بي مصيبة أوجعتني، فذكرت قول ذي الرمة:
لعل انحذار الدمع يعقب راحةً من الوجد، أويشفي نجي البلابل
فخلوت فبكيت فسلوت.
_________________
(١) ١ قعيدك الله، قال الجوهري: "هي يمين العرب، وهي مصادر استعملت منصوبة بفعل مضمر، "وانظر اللسان قعد".
[ ١ / ٧٦ ]