النار عند العرب أربعة عشر نارًا، وهي نار المزدلفة حتى يراها من دفع من عرفه وأول من أوقدها قصي بن كلاب.
ونار الاستسقاء كانوا في الجاهلية إذا تتابعت عليهم السنوات جمعوا ما قدروا عليه من البقر، وعلقوا في عراقيبها وأذنابها العشر والسلع، ثم صعدوا بها في جبل وعر وأضرموا فيها النار وعجوا بالدعاء، ويرون أنهم يمطرون بذلك. ونار التحالف لا يعقدون حلفًا إلا عليها، يطرحون فيها الملح والكبريت، فإذا شاطت قالوا هذه النار قد شهدت. ونار الغدر: كانوا إذا غدر الرجل بجاره أوقد له نارًا بمنى أيام الحج، ثم قالوا: هذه غدرة فلان، ونار السلامة: توقد للقادم من سفره سالمًا غانمًا، ونار الزائر والمسافر، وذلك أنهم إذا لم يحبو الزائر والمسافر أن يرجعا أوقدوا خلفه نارًا، وقالوا أبعده الله وأسحقه ونار الحرب: وتسمى نار اللاهبة، توقد على بقاع إعلامًا لمن بعد عنهم، ونار الصيد يوقدونها: فتغشى أبصارهم، ونار الأسد كانوا يوقدونهاإذا خافوه، لأنه إذا رآها حدق إليها وتأملها، ونارًا لسليم: وهي للمدوغ للملدوغ إذا سهر، ونار الكلب يوقدونها حتى لا
[ ١ / ٢٩١ ]
ينام، ونار الفداء: كانت ملوكهم إذا سبوا قبيلة وطلبوا منهم الفداء كرهوا أن يعرضوا النساء نهارًا لئلا يفتضحن، ونار الوسم التي يسمون بها الإبل، ونار القرى وهي أعظم النيران، ونار الحرتين وهي التي أطفأها الله تعالى لخالد بن سنان العنسي حيث دخل فيها وخرج منها سالمًا وهي خامدة.
قال الصفدي: البخل والجبن صفتان مذمومتان في الرجال، ومحمودتان في النساء لأن المرأة إذا كانت فيها شجاعة ربما كرهت بعلها، فأوقعت فيه فعلًا أدى إلى إهلاكه وتمكنت من الخروج من مكانها على ما تراه، لأنها لا عقل لها يمنعها مما تحاوله، وإنما يصدها عما يقتضيه الجبن الذي عندها.
وفي كتاب الفرج بعد الشدة حكاية غريبة لبعض الغرباء مع ابنة القاضي بمدينة الرملة، لما أمسكها بالليل وهي تنبش القبور، وكانت بكرًاذ فضربها فقطع يدها، فهربت منه، فلما أصبح ورأى كفها ملقى فيه النقش والخواتم علم أنها امرأة، فتتبع الدم إلى أن رآه دخل بيت القاضي، فما زال حتى تزوجها.
فلما كان بعض الليالي لم يشعر بها إلا وهي على صدره وبيدها موسى عظيمة، فما زال بها حتى حلف لها بطلاقها، وحلف لها على خورجه من البلد في وقته.
وإذا كانت المرأة سخية جادت بما في بيتها، فأضر ذلك بحال زوجها، ولأن المرأة ربما جادت بالشيء في غير موضعه، قال الله تعالى: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " قيل يعني النساء والصبيان. كان الشيخ عز الدين، إذا قرأ القارىء عليه من كتاب وانتهى إلى آخر باب من أبوابه لا يقف عليه، بل يأمره أن يقرأ من الباب الذي بعده ولو سطرًا، ويقول: ما أشتهي أن تكون ممن يقف على الأبواب.
وفي الغلمان شادن يضحك عن الأقحوان ويتنفس عن الريحان، كأن قده خوط بان، سكران من خمر طرفه، وبغداد مشرقة من حسنه وظرفه، الشكل كله في حركاته، وجميع الحسن بعض صفاته، كأنما وسمه الجمال بنهايته، ولحظه الفلك بعنايته، فصاغه من ليله، وحلاه بنجومه، وأقماره.
حكى المسعودي في شرح المقامات: أن المهدي لما دخل البصرة رأى أياس بن معاوية وهو صبي وخلفه أربعمأة من العلماء وأصحاب الطيالسة وأياس يقدمهم، فقال المهدي لعامله: أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا الحدث؟ ! ثم إن المهدي التفت إليه وقال: كم سنك يا فتى؟ فقال: سني أطال الله بقاء الأمير، سن أسامة بن زيد بن حارثة لما ولاه رسول الله ﷺ جيشًا فيهم أبو بكر وعمر، فقال له: تقدم بارك الله فيك.
يقال: إن أياس بن معاوية نظر إلى ثلاث نسوة، فزعن من شيء فقال هذه حامل وهذه مرضعة، وهذه بكر فسئلن فكان الأمر كذلك فقيل له: من أين لك هذا، فقال لما فزعن وضعت إحديهن يدها على بطنها والأخرى على ثديها والأخرى على فرجها.
[ ١ / ٢٩٢ ]
ونظر يومًا إلى رجل غريب لم يره قط، فقال هذا غريب واسطي معلم كتاب هرب له غلام أسود، فوجد الأمر كما ذكر، فقيل له: من أين علمت ذلك؟ فقال رأيته يمشي ويلتفت فعرفت أنه غريب ورأيت على ثوبه حمرة تراب واسط ورأيته يمر بالصبيان فيسلم عليهم ويدع الرجال، وإذا مر بذي هيئة لم يلتفت إليه، وإذا مر بأسود دنا منه يتأمله.
يقال أصدق الناس فراسة: ثلاث: العزيز في قوله لامرأته عن يوسف ﵇ " أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا " وابنة شعيب التي قالت لأبيها عن موسى " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين " وأبو بكر في الوصية بخلافة عمر.
نظم للجمل التي لها محل من الإعراب والتي لا محل لها:
وخذ جملًا ستًا وعشر ونصفها ولها موضع الإعراب جاء مبينا
فوصفية حالية خبرية مضافًا إليها واحك بالقول فعلنا
كذلك في التعليق والشرط والجزا إذا عامل يأتي بلا عمل هنا
وفي غيرها لا محل لها كما أتت صلة مبدوة ولك المنى
وفي الشرط لا تعمل كذاك جوابه جواب يمين فادره فاتك العنا
مفسرة أيضًا وحشوًا كذا أتت كذلك في التحضيض نلت به الغنى
الوصفية نحو مررت برجل أبوه قائم، والحالية مثل جاء زيد يضحك والخبرية مثل زيد أبوه منطلق، والمضاف إليها مثل " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم " والمحكية مثل قلت زيد عالم، والمعلق منها العامل، مثلت علمت ما زيد منطلق وعلمت لزيد منطلق والشرط والجزاء مثل إن قام زيد قام عمرو، والصلة مثل جاء زيد الذي هو قائم والمبتدأ مثل زيد قائم والتي في الشرط والجواب إذا قام زيد قام عمرو، والتي في جواب اليمين مثل والله إن زيدًا قائم والمفسرة مثل زيد ضربته والتي في الحشو مثل قول الشاعر:
إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
والتي في التحضيض مثل هذا زيد ضربته.
يقال: إن أبا عمرو بن العلا قال قرأت " وما لي لا أعبد الذي فطرني " فاخترت
[ ١ / ٢٩٣ ]
تحريك الياء هيهنا لأن السكوت ضرب من الوقف فلو سكنت الياء هيهنا كنت كالذي ابتدأ، وقال لا أعبد الذي طرني فاخترت تحريك الياء هربًا من ضرب الوقف وهذا من أبي عمرو في غاية الدقة والنظر في المعاني اللطيفة.