قال الصفدي: قد تكلم الفقهاء فيمن رأى النبي ﷺ وأمره بأمر هل يلزمه العمل به أو
[ ١ / ٢٥٠ ]
لا قالوا إن أمره بما يوافق أمره يقظة ففيه خلاف، وإن أمره بما يخالف أمره فإن قلنا أن من رآه ﷺ على الوجه المنقول في صفته فرؤياه حق، فهذا من قبيل تعارض الدليلين والعمل بأرجحهما، وما ثبت في اليقظة فهو أرجح، فلا يلزمنا العمل بما أمره فيما يخالف أمره يقظة. من كتاب يتيمة الدهر للإمام الثعالبي ﵀: جرى بين الشعراء بحضرة الصاحب في ميدان اقتراحه. أقرأني أبو بكر الخوارزمي كتابًا لأبي محمد الخازن، ورد في ذكر الدار التي بناها الصاحب بأصبهان، وانتقل إليها واقترح على أصحابه وصفها، وهذه نسخته بعد الصدر نعم الله عند مولانا الصاحب مترادفة، ومواهبه له متضاعفة، وآراء أولياء النعم كبت الله أعدائهم، تتظاهر كل يوم حسنًا في إعظامه، وبصائرهم تتراىء قوة في إكرامه والوفود إلى بابه المعمور بالفال المسعود، فرأيناه يومًا مشهودًا وعيدًا يجنب عيدًا، واجتمع المادحون، وقال القائلون، ولو حضرتني القصائد لأنفدتها إلا أني علقت من كل واحدة ما علق بحفظي، والشيخ مولاي يعرف ملك النسيان لرقي، قصيدة الأستاذ أبي العباس أولها شعر:
دار الوزارة ممدود سرادقها ولاحق بذرى الجوزاء لاحقها
والأرض قد واصلت غيض السماء بها فقطرها أدمع بحري سوابقها
تود لو أنها من أرض عرصتها وأن أنجمها فيها طوابقها
فمن يجالس يخلفن الطواوس قد لبسن مجسدة راقت طرايقها
تفرعت شرفات في مناكبها يرتد عنها كليل العين رامقها
مثل العذارى وقد شدت مناطقها وتوجت بأكاليل مفارقها
كل امرء شق عنه الحجب رؤيتها وأشرقت في محياه مشارقها
مخلف قلبه فيها وناظره إذا تجلت لعينيه حقائقها
والدهر حاجبها يحمي مواردها عن الخطوب إذا صالت طوارقها
موارد كلما هم العفاة بها عادت مفاتح للنعمى مغالقها
دار الأمير التي هذي وزيرتها أهدت لها وشحًا راقت نمارقها
[ ١ / ٢٥١ ]
تزهي بها مثل ما تزهي لسيدنا مؤيد الدولة المأمون طارقها
هذي المعالي التي اغتص الزمان بها وافتك منسوقة والله ناسقها
إن الغمائم قد آلت معاهدة لا زايلتها ولا زالت تعانقها
لأرضها كلما جادت مواهبها وفي ديار معاديها صواعقها
ومنها قصيدة الشيخ أبي الحسن صاحب البريد ابتداؤها:
دار على العز والتأييد مبناها وللمكارم والعلياء مغناها
دار تباهي به الدنيا وساكنها هذا وكم كانت الدنيا تمناها
فاليمن أقبل مقرونًا بيمناها واليسر أصبح مقرونًا بيسراها
من فوقها شرفات طال أدناها يد الثريا فقل لي كيف أقصاها؟
كأنها غلمة مصطفة لبست بيض الغلايل أمثالًا وأشباها
انظر إلى القبة الغبراء الغراء مذهبة كأنما الشمس أعطتها محياها
تلك الكنائس قد أصبحن رايقة مثل الأوانس تلقانا ونلقاها
فالربع بالمجد لا بالصحن متسع والبهو لا بالحلي بل بالعلى باها
لما بنى الناس في دنياك دورهم بنيت في دارك الغراء دنياها
ولو رضيت مكان البسط أعيننا لم تبق عين لنا إلا فرشناها
وهذه وزراء الملك قاطبة بياذق لم تزل ما بينها شاها
فأنت أرفعها مجدًا وأسعدها جدًا وأجودها كفًا وأكفاها
وأنت ادبها وأنت آكبها وأنت سيدها وأنت مولاها
كسوتني من لباس العز أشرفه المال والعلم والسلطان والجاها
ولست أقرب إلا بالولاء وإن كانت لنفسي من علياك قرباها
وقصيدة ابن الطيب الكاتب أولها
ودار ترى الدنيا عليها مدارها يجوز السماء أرضها وديارها
بناها ابن عباد ليعرض همه على همم إشراقهن اقتصارها
[ ١ / ٢٥٢ ]
ترد على الدنيا بهاكل غدرة إذا ما تبارت داره وديارها وإن قيل بهتانًا حكت تلك هذه فقد تتوازى ليله ونهارها
فإن لم يكن في صحن دارك بعض ما بصدرك فالدنيا يصح اعتذارها
ومنها قصيدة أبي سعيد الرستمي افتتاحها:
نصبن لحبات القلوب حبائلًا عشية حل الحاجبيات حائلا
نشدنا عقولًا يوم برقة منشد ضللن فطالبنا بهن العقائلا
عقائل من أحياء بكر بن وائل تحيين يحببن للعشاق بكر بن وائلا
عيون ثكلن الحسن منذ فقدتها ومن ذا رأى قبلي عيونًا ثواكلا
جعلت ضنى جسمي لديها ذرايعًا وسائل دمعي عندهن وسائلا
وركب سروا حتى حسبت بأنهم بسرعتهم عدوًا إليك المراحلا
إذا نزلوا أرضًا رأوني نازلًا وإن رحلوا عنها رأوني راحلا
وإن أخذوا في جانب ملت آخذًا وإن عدلوا عن جانب ملت عادلا
وإن وردوا ماء وردت وإن طووا طويت وإن قالوا تحولت قائلا
وإن نصبوا للحرب للحر حر وجوههم تحولت حرباء على الجذع مائلا
وإن عرفوا أعلام أرض عرفتها وإن أنكروا أنكرت منها مجاهلا
وإن عزموا سيرًا شددت رحالهم وإن عزموا حلًا حللت الرحائلا
وإن وردوا ماء حملت سقائهم أو انتجعوا أرضًا حدوت الزوائلا
يظنون أني سائل فضل زادهم ولولا الهوى ما ظنني الركب سائلا
واقسمت بالبيت الجديد بناؤه بحي ومن يحفى إليه المراقلا
هي الدار أبناء الندى من حجيجها نوازل في ساحاتها وقوافلا
يزرنك بالآمال مثنى وموحدًا ويصدرن بالأموال جمًا وجاملا
قواعد إسماعيل يرفع سمكها لنا كيف لا نعتدهن معاقلا؟
فكم أنفس تهوي إليها مغذة وأفئدة تهوي إليها حوافل
[ ١ / ٢٥٣ ]
ا
وسامية الأعلام يلحظ دونها سنا النجم في آفاقها متطائلا
نسخت بها إيوان كسرى بن هرمز فأصبح في أرض المدائن عاطلا
فلو أبصرت ذات العماد عمادها لأمست أعاليها حياء أسافلا
ولو لحظت جنات تدمر حسنها درت كيف تبني بعدهن المجادلا؟
تناطح قرن الشمس من شرفاتها صفوف ظباء فوقهن موايلا
وعول بأطراف الجبال تقابلت ومدت قرونًا للنطاح موائلا
كأشكال طير الماء مدت جناحها وأشخصن أعناقًا لها وحواصلا
وردت شعاع الشمس فارتد راجعًا وسدت حبوب الريح فارتد ناكلا
إذا ما ابن عباد مشى فوق أرضها مشى الدهر في أكنافها متماثلا
كنايس ناطت بالنجوم كواهلًا وعادت فألقت بالنجوم كلاكلا
وفيحاء لو مرت صبا الريح بينها لضلت فظلت تستثير الدلائلا
متى ترها خلت السماء سرادقًا عليها وأعلام النجوم تمائلا
هواء كأيام الهوى فرط رقة وقد فقد العشاق فيها العواذلا
وماء على الرضراض يجري كأنه صفائح تهر قد سبكن جداولا
كأن بها من شدة الجري جنة فقد ألبستهن الرياح سلاسلا
ولو أصبحت دارًا لك الأرض كلها لضاقت بمن ينتاب دارك سائلا
عقدت على الدنيا جدارًا فحزتها جميعًا ولم نترك لغيرك طايلا
وأغنى الورى عن منزل من بنت له معاليه فوق الشعر بين منازلا
ولا غرو أن يستحدث الليث بالثرى عرينًا وأن يستطرق البحر ساحلا ولم يعتمد دارًا سوى حومة الوغا ولا خدمًا إلا القنا والقنابلا
ولا حاجبًا إلا حسامًا مهندًا ولا حاملًا إلا سنانًا وعاملا
ووالله لا أرضى لك الدهر خادمًا ولا البدر منتابًا ولا البحر نائلا
ولا الفلك الدوار دارًا ولا الورى عبيدًا ولا زهر النجوم قبائلا
[ ١ / ٢٥٤ ]
أحدت بضبع الدهر حتى دفعتها إلى غاية أمسى بها النجم جاهلا
وإن الذي يبنيه مثلك خالد وساير ما يبني الأنام إلى بلى
قصيدة أبي الحسن الجرجاني
ليهن ويسعد من به سعد الفضل بدار هي الدنيا وسائرها فضل
تولى لها تدبيرها رحب صدره على قدره والشكل يعجبه الشكل
بنية مجد تشهد الأرض أنها ستطوي وما حاوي السماء لها مثل
تكلف أحداق العيون تخاوصًا إليها كأن الناس كلهم قبل
منار لأبصار السراة وربها مثال لآمال العفاة إذا ضلوا
سحاب علا فوق السحاب مصاعدًا وأحرى بأن يعلو وأنت له وبل
وقد أسبل الحيرى كمي مفاخر بصحن بها للملك يجتمع الشمل
كما طلع النسر المنير مصفقًا جناحيه لولا أن مطلعه غفل
بنيت على هام العداة بنية تمكن منها في قلوبهم الغل
ول كنت ترقى هامهم شرفًا لها أتوك بها جهد المقل ولم يألوا
ولكن أراها لو هممت برفعها آبى الله أن تعلو عليك فلم تعلو
تحج له الآمال من كل وجهة وينحر في حافاتها البخل والمحل
وما ضرها أن لا تقابل دجلة وفي حافتيها يلتقي الفيض والهطل
تجلى لأطراف العراق سعودها فعاد إليه الملك والأمن والعدل
كذا السعد قد ألقى عليها شعاعه فليس لنحس في مطارفها فعل
وقالوا تعدى خلقه من بنائها وكان ما غير النوال له شغل
فقلت إذا لم يلهه ذاك من ندا فماذا على العلياء إن كان لا يخلو
إذا النصل لم يذمم نجارًا وشيمة توثق في غمد يصان به النصل
تمل على رغم الحوادث والعدى علاك وعش للجود ما قبح البخل
قصيدة أبي القاسم ابن العلاء أولها:
[ ١ / ٢٥٥ ]
هجرت ولم أنو الصدود ولا الهجرا ولا أضمرت نفسي الصدود ولا الغدرا
وكيف؟ وفي الأحشاء نار صبابة تشبب لي في كل جارحة جمرا
تقول لي الأفكار لما دعوتها لتنظم في معمور بنيانه شعرا
بنى مسكنًا باني المفاخر أم فخرًا وجنتنا الأولى بدت أم هي الأخرى؟
أم الدار قد أجرى الوزير سعودها فلم تجر دار في الثرى ذلك المجرى
وتبدو صحون كالظنون فسيحة تقدرها حلمًا فينعتها حزرا
وفي القبة العلياء زهر كواكب من الغرب المضروب والذهب المجرى
إذا ما سماء الطرف المحلق دونها رآها سماء صحف أنجمها قفرا
قصيدة أبي القاسم الزعفراني
سرك الله بالبناء الجديد نلت حال الشكور لا المستزيد
هذه الدار جنة الخلد في الدنيا فصلها وأختها بالخلود
أمة زينت لسيدها المالك لا زينة الفتاة السرود
حليها حسنها فقد غنيت عن كل مستطرف بلبس جديد
إرم المسلمين لا ذكر شداد بن عاد فيها ولا اسم شديد
ما تشككت أن رضوان قد حان ولاثم مثلها في الصعيد كل مستخدم فداء زير الزم الانس كل جاف شديد
خدمته الرجال بعد الأسود عمل الجن كل جاف مريد
فابتنوا ما لو أن هامان يدنو منه لم يرض صرحه للصعود
وتولى الإقبال خدمته فيه على الرسم فاستعان بالتسديد
قال للجص كن رصاصًا وللآجر لما علاه كن من حديد
فتناهى البنيان وارتفع الإيوان حتى أناف بالتشييد
وتبدت من فوقه شرفات كنساء أشرفن في يوم عيد
قسمًا لا مدحت إلا ابن عباد بنيل الشباب والتخليد
لا لقيت الأنام إلا بوجه ماؤه لا يجول في جلمود
ويد ما حسرت ردني عنها فهي سيف يصان عن تجريد
أجمع الناس أنه أفضل الناس اضطرارًا أغنى عن التقليد
فلهذا أعد قربي منه نعمة ليس فوقها من مزيد
لا ذكرت العراق ما عشت إلا أن أراه يؤمه في الجنود
قصيدة أبي القاسم ابن المنجم أولها
هي الدار قد عم الأقاليم نورها فلو قدرت بغداد كانت تزورها
فلو خيرت دار الخلافة بادرت إليها وفيها تاجها وسريرها
ولو قد تبقت سر من را بحالها لسارت إليها دورها وقصورها
لتسعد فيها يوم حان حضورها وتشهد دنيًا لا يخاف غرورها
فما علمت عين الزمان بمثلها وحاشا لها من أن يحين نظيرها
يقول الأولى قد فوجئوا بدخولها وحبرهم تحبيرها وحبيرها
أفي كل قصر غادة وحليها؟ وفي كل بيت روضة وغديرها؟
فآبوا بها أثوابها من نقوشها فلا ظلم إلا حين ترخي ستورها
معظمة إلا إذا قيل سمكها بهمة بانيها فتلك نظيرها
هي الهمة الطولى أجالت بفكرها مباني تكسوها العلى وتعيرها
فجاء بدار دارة السعد نجمها وجنبت المحذور ليس بطورها
وقال لها الله الوفي صفاته سأحميك ما ضم الليالي كرورها
أهنيك بالعمران والعمر دايم لبانيك ما أفنى الدهور صرورها
وقد أسجل الإقبال عمدة ملكنا وخطت بأعلام السعود سطورها
ودارت لها الأفلاك كيف أدرتها ودانت إلى أن قيل أنت مديرها
[ ١ / ٢٥٦ ]
وهاك ابنة الفكر التي قد خطبتها وقدمت من قبل الزفاف مهورها
فإن كان للدار التي قد بنيتها نظير ففي عرض القريض نظيرها
إلا جررت الذيل في ساحة العلى وقلت القوافي قد أعيد جريرها
قال محمود الوراق:
إلهي لك الحمد الذي أنت أهله على نعم ما كنت قط لها أهل
إذا ازددت تقصيرًا تزدني تفضلًا كأني بالتقصير أستوجب الفضلا
لبعضهم
بكت علي غداة البين حين رأت دمعي يفيض وحالي حال مبهوت
فدمعتي ذوب ياقوت على ذهب ودمعها ذوب در فوق ياقوت
سئل أبو فراس المشهور بالفرزدق، أحسدت أحدًا على شعر؟ قال: ما حسدت إلا ليلى الأخيلية في شعرها هذا:
ومخرق عنه القميص تخاله بين البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا حمي الوطيس رأيته تحت الخميس على اللواء زعيما
لا تقربن الدهر آل مطرف لا ظالمًا أبدًا ولا مظلوما
ثم قال: مع أني قائل هذه الأبيات، شعر:
وركب كان الريح تطلب عندهم لهاترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الليل وهي تلفهم إلى شعب الأكوار من كل جانب
إذا أبصروا نارًا يقولون ليتها وقد خصرت أيدهم نار غالب روي أن الفرزدق تعلق بأستار الكعبة، وعاهد الله على ترك الهجاء والقذف اللذين كان قد ارتكبهما، فقال شعرًا:
ألم ترني عاهدت ربي وأنني لبين رتاج قائمًا ومقام
أطعتك يا إبليس تسعين حجة فلما انقضى عمري وتم تمامي
فزعت إلى ربي وأيقنت أنني ملاق لأيام الحتوف حمامي
يقال: إن أشعب مر يومًا فجعل الصبيان يعبثون به، فقال لهم ويلكم سالم بن عبد الله يفرق تمرًا من صدقة عمر، فمر الصبيان يعدون إلى دار سالم بن عبد الله وعدا أشعب معهم وقال: ما يدريني لعله يكون حقًا.
[ ١ / ٢٥٧ ]
رأت الضبع ظبية على حمار، فقالت: أردفيني على حمارك، فأردفتها، فقالت: ما أفره ارفه حمارك ثم سارت يسيرًان فقال: ما أفره حمارنا، فقالت الظبية: إنزلي قبل أن تقولي: ما أفره حماري، وما رأيت أطمع منك.
حكي أن بعض الفقراء أتى إلى خياط ليخيط به فتقًا كان في قميصه، فوقف المسكين متوقعًا ينتظر فراغه، فلما فرغ طواه، وجعله تحته وأطال في ذلك فقال أجير عنده: ما تدفعه إليه؟ قال: اسكت لعله ينساه ويروح.
لبشار بن برد
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا ترى تهوى فقلت لهم الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
قال علي ﵁: سرك أسيرك؛ فإن تكلمت به صرت أسيره، ونظم هذا بقوله ﵁ شعرًا:
صن السر عن كل مستخبر وحاذر فما الحزم إلا الحذر
أسيرك سرك إن صنته وأنت أسير له إن ظهر
مدح رجل هشام بن عبد الملك، فقال: يا هذا إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه فقال: ما مدحتك ولكن ذكرتك نعم الله عليك لتجد ذلك شكرًا. فقال هشام: هذا أحسن من المدح، فوصله وأكرمه.
لبعضهم
ما سمت العجم المهمان مهمانًا إلا لإكرام ضيف كا من كانا
فالمه سيدهم والمان منزلهم والضيف سيدهم ما لازم المانا
قال محمد بن سليمان الطفاوي: حدثني أبي عن جدي، قال: شهدت الحسن البصري في جنازة النوار امرأة الفرزدق، وكان الفرزدق حاضرًان فقال له الحسن وهو عند القبر: ما أعدت يا أبا فراس لهذا المضجع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة فقال له الحسن: هذا العمود فأين الطنب؟ فقال الفرزدق في الحال شعرًا:
أخاف وراء القبر إن لم يعافني أشد من الموت التهابًا وأضيقا
إذا جاء في يوم القيامة قائد عنيف وسواق يسوقا الفرزدقا
لقد خاب من أولاد دارم من مشى إلى النار مغلول القلادة أزرقا
يقاد إلى نار الجحيم مسربلًا سرابيل قطران لباسًا محرقا
لبعضهم
[ ١ / ٢٥٨ ]
إذا عن أمر فاستشر فيه صاحبًا وإن كنت ذا رأي يشير على الصحب
فإني رأيت العين تجهل نفسها وتدرك ما قد حل في موضع الشهب
أنشد بعضهم
يا رب قد أحسنت عودًا وبدأة إلي فلم ينهض بإحسانك الشكر
فمن كان ذا عذر لديك وحجة فعذري إقراري بأن ليس لي عذر
وقال الأحنف بن قيس: يضيق صدر الرجل بسره، فإذا حدث به قال اكتمه علي، وأنشده:
إذا المرء أفشى سره عند غيره ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه فصدر الذي يستودع السر أضيق
وقال بعضهم: نقيض هذا المعنى شعر:
فلا أكتم الأسرار لكن أذيعها ولا أدع الأسرار تعلو على قلبي
فإن قليل العقل من بات ليله تقلبه الأسرار جنبًا إلى جنب
وقال الحسن بن هاني
إذا نحن أثنينا عليك بصالح فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرت الألفاظ يومًا بمدحة لغيرك إنسان فأنت الذي نعني
قال بعضهم
إذا ما المدح صار بلا نوال من الممدوح كان هو الهجاء
وقال
أخو كرم يغني الورى من بساطه إلى روض مجد بالسماح مجود
وكم لجباه الراغبين لديه من مجال سجود في مجالس جود
لأبي تمام تعود بسط الكف حتى لو أنه أراد ثناها لم تطعه أنامله
هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله
[ ١ / ٢٥٩ ]
ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله
لأبي الطيب المتنبي
وفي النفس حاجات وفيك فطانة سكوتي بيان عندها وخطاب
وما كنت لولا أنت إلا مسافرًا له كل يوم بلدة وصحاب
للأرجاني
إقرن بأيك رأي غيرك واستشر فالحق لا يخفى على الاثنين
فالمرء مرآة تريه وجهه ويرى قفاه بجمع مرآتين
للكميت بن زيد الأسدي
أتصرم الحبل حبل البيض أم تصل؟ وكيف؟ والشيب في فوديك مشتعل
لما عبأت لقوس المجد أسهمها حيث الجدود على الإحسان تنتصل
أحرزت من عشرها تسعًا وواحدة فلا العمى لك من رام ولا الشلل
الشمس آذتك إلا أنها امرأة والبدر آذاك إلا أنه رجل
قيل: جاء الكميت إلى الفرزدق فقال: يا عم إني قلت: قصيدة أريد عرضها عليك فقال: قل فأنشده قوله: طربت وما شوقًا إلى البيض أطرب فقال له الفرزدق: إلى ما طربت؟ ثكلتك أمك فقال: ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب:
ولم تلهني دار ولا رسم منزل ولم يتطربني بنان مخضب
ولا أنا ممن يزجر الطير همه أصاح غراب أم تعرض ثعلب
قال المرتضى ﵁: يجب الوقوف على الطير، ثم يبدء بهمه ليفهم الغرض.
ولا السانحات البارحات عشية أمر سليم القرن أم مر أعضب
[ ١ / ٢٦٠ ]
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى وخير بني حواء والخير يطلب
فقال الفرزدق: هؤلاء بنو دارم، فقال الكميت:
إلى النفر البيض الذي بحبهم إلى الله فيما نابني أتقرب
فقال الفرزدق: هؤلاء بنو هاشم، فقال الكميت:
بنو هاشم رهط النبي محمد ص بهم ولهم أرضى مرارًا وأغضب
فقال الفرزدق: لو جزتهم إلى سواهم لذهب قولك باطلًا.
للأرجاني
ما كنت أسلو وكان الورد منفردًا فكيف أسلو؟ وحول الورد ريحان
قال السكاكي: المجاز عند السلف قسمان: لغوي وعقلي واللغوي قسمان: راجع إلى معنى الكلمة، وراجع إلى حكم، والراجع إلى الكلمة قسمان: خال عن الفائدة ومتضمن لها، والمتضمن قسمان: استعارة، وغير استعارة. أورده العلامة التفتازاني في الفصل الأول من آخر كتاب البيان.
لبعضهم ظرافة
كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم ماء
فقال ابن الوردي فيه:
وشاعر أوقد الطبع الذكاء له فكاد يحرقه من فرط إذكاء
أقام يجهد أيامًا قريحته وشبه الماء بعد الجهد بالماء
قال أحمد بن محمد أبو الفضل السكري المروزي من المزدوجة: ارتجم فيها أمثال الفرس شعر:
من رام طمس الشمس جهلًا أخطى الشمس بالتطيين لا تغطى
أحسن ما في صفة الليل وجد الليل حبلى ليس يدري ما تلد
من مثل الفرس ذوي الأبصار الثوب رهن في يد القصار
إن البعير يبغض الحشاشا لكنه في أنفه ما عاشا
نال الحمار من سقوط في الوحل ما كان يهوى ونجا من العمل
نحن على الشرط القديم المشترط لا الزق منشق ولا العير سقط
في المثل السائر للحمار قد ينهق الحمار للبيطار
العنز لا يسمن إلا بالعلف لا يسمن العنز بقول ذي لطف
[ ١ / ٢٦١ ]
البحر غمر الماء في العيان والكلب يروي منه باللسان
لا تك من نصحي ذا ارتياب ما بعتك الهرة في الجراب
من لم يكن في بيته طعام فما له في محفل بيته مقام
كان يقال من أتى خوانًا من غير أن يدعى إليه هانا
ومما أحتويه من ذلك بعد المزدوجة:
إذا الماء فوق غريق طما فقاب قناة وألف سوا إذا وضعت على الرأس التراب فضع من أعظم التل أن النفع عنه يقع
في كل مستحسن عيب ولا ريب ما يسلم الذهب إلابريز من عيب
ما كنت لو أكرمت أستعصي لا يهرب الكلب من القرص
طلب الأعظم من بيت الكلاب كطلاب الماء في لمع السراب
من مثل الفرس سار في الناس التبن الشكر يسقى بعلة الآس
تبختر إخفاء لما فيه من عرج وليس له، فيما تكلفه فرج
وله
ما أقبح الشيطان لكنه ليس كما ينقش أو يذكر
إنتهز الفرصة في حينها والتقط الجوز إذا ينثر
نطلب أصل المرء من فعله ففعله عن أصله يخبر
فررت من قطر إلى منقب نفنف علي بالوابل مثعنجر منفجر
إن تأت عورًا فتعاور لهم وقل أتاكم رجل أعور
خذه بموت تغتم عنده ال حمى فلا يشكو ولا يجأر
الباب فانصب حيث ما يشتهي صاحبه فهو به أبصر
الكلب لا يذكر في مجلس إلا تراءى عند ما يذكر
قال بعضهم
الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية. الكذوب متهم، وإن وضحت حجته، وصدقت لهجته. عثرة الرجل تزل القدم. ربما أصاب الأعمى رشده وأخطأ البصير قصده. لا تعادي أحدًا فإنك لا تخلو عن معاداة عاقل أو جاهل. فاحذر حيلة العاقل وجهل
[ ١ / ٢٦٢ ]
الجاهل إستح من ذم من لو كان حاضرًا لبالغت في مدحه، ومدح من لو كان غائبًا لسارعت إلى ذمه.