وكأنّي أنظر إليه بعد ذلك وقد جار عليه الزّمان الجّائر، ودارت عليه الدّوائر، وأمسى جيشه الّذي قهر الأرض وهو مقهور كآنية الزّجاج قابلت غيرها فالكلّ كاسرٌ مكسور، وانتهى به السّير، من خير إلى ضير، كما يسير الهلال بسيره بدرًا ويمحق به تارةً أخرى وزال مُلْكَه الضّخم، فغاب مغيب الشّمس في أفق من دم، وأصبح ولا دولة، ولا بأسٌ ولا صولة، كصنم الجّاهلية في الملّة الإسلاميّة، كان بالأمس ربًّا فأصبح حجرًا صلبًا وإذا هو معتقل في جزيرةٍ قاصية، وصخرةٍ عارية، كأنّه قسور نُقِلَ من بيداء، أو غيلٍ قصباء إلى قيودٍ وأصفاد، وبيتٍ من صنعةِ الحدّاد، فهو فيه يدور ويحور تارةً يبسم ويعجب، من دهر يكسر
النّبع بالغرب، ويصيد الصّقر بالخرب، ومرةً يطرق ويتفكّر: ويفتح عينه فيرى كثيرًا ويغلقها فيرى أكثر وحينًا يُحني الرأس من اليأس.
[ ٥٩ ]
وآونة تبعثه الأوجال إلى الآمال. فيودّ لو قام شبلٌ من نسله أو رجلٌ من أهله. فاسترجع ملكه بعد الذّهاب. وحفظ من نور ذلك المجد بقدر ما يحفظ البدر نور الشّمس بعد الغياب، وهيهات أن يقوم الأفيل. بعبء الفيل. أو تتساوى الأشياء. إذا تساوت الأسماء. أين ذباب السّيف من ذباب الصّيف. وأين السنبلة الخضراء من سنبلة السّماء، وقد يقف بقامته القصيرة. على قنة من قنن تلك الجزيرة. بروح الفكر في أمواج البحر. وإذا بظلّه قد طال على لججه. وامتدّ بعيدًا على ثبجه. فيرى قامته وهذا الخيال فرّق ما بين حالته وما كان فيه من الدولة والإجلال، فيبعد من نفسه الأمل. ويقرّب الأجل.
[ ٦٠ ]
كان هذا جميعه يدور في فكري. ويتمثّل لنظري. وأنا واقفٌ إزاء قبره. أتأمّل في مبتداه وخبره. فيترك في قلبي عِبْرة. وفي جفني عَبْرة.
[ ٦١ ]