سئل الجاحظ عن العلوم فأجاب بخلاف ما تقدم، ونقض ما هناك أبرم. سئل عن الكلام فقال: متفاوت الأصول، قليل المحصول، همة مناظر متملق، وآلة مهذار متمشدق؛ قيل: فالفقه؟
قال: يعتقد بالآراء، ويتقلد بالأهواء، دقيقه لا يلحق، وجليله لا ينفق، وهو من علوم المدابير، المحير في التدابير؛ قيل: فالحديث؟
قال: همة ضعيف، وآلة مسن؛ قيل: فالفلسفة؟ قال: كلام مترجم، وعلم مرجم، بعيد مداه، قليل جدواه، مخوف على صاحبه سطوة الملوك وعداوة العامة؛ قيل: فالنجوم؟ قال: حدس وترجيم، وخسف وتنجيم، صوابه عسير، وغلطه كثير، حرفة مجدود، وصناعة غير محدود؛ قيل: فالطب؟ قال: موضوع على التخمين والحدس، وتعليل النفس، لا يوصل منه إلى الحقيقة، ولا يحكم فيه بالوثيقة؛ قيل: فالنحو؟ قال: علم مخترع، وقياس مبتدع، ثقيل على الأسماع، قليل الارتفاع والانتفاع، علم معدم، وصناعة معلم؛ قيل: فالعروض؟ قال: علم مولّد، وأدب
[ ٤٩ ]
مستبرد، يثكل العقول، ويستولد الغفول، مستفعلن وفعول، من غير فائدة ولا محصول؛ قيل: فالحساب؟ قال: مستعجم عسير، ومستوخم كدر، بعيد الإدراك، شديد الاشتباه والاشتباك؛ قيل:
فالتعبير؟ قال: ظن وحسبان، لا يثبت به دليل ولا برهان، ولا يقوم عليه شاهد ولا تبيان، علم مضعوف، وصناعة مكفوف؛ قيل:
فالخط؟ قال: قليل الرد، يسير الرفد، وصناعة مورق، وبضاعة مزوّق. فهذا ما نقل عن الجاحظ في مدح العلوم وذمها.
وتقول أهل بغداد في أمثالهم: جهل يعولني، خير من علم أعوله، ومن أمثالهم: كف بخت، خير من كر علم، وفي ذلك قيل:
وما أصنع بالعلم إذا أعطيت بالجهل
وقال ابن أبي البغل:
الصّعو «١» يصفو آمنا من جهله حبس الهزار لأنّه مترنم
لو كنت أجهل ما علمت لسرّني جهلي كما قد ساءني ما أعلم
وقال غيره:
المال يستر كلّ عيب في الفتى والمال يرفع كلّ نذل ساقط
فعليك بالأموال فاقصد جمعها واضرب بكتب العلم عرض الحائط
[ ٥٠ ]
وكتب إلى عمر بن شبة بعض أصدقائه:
أجفاء يا ابن شبّه بعد نصح ومحبّه
ولزوم للدواوي- - ن وما يعطوك حبّه
ليس يغني عنك عند ال - قوم سفيان وشعبه
فالزم الجهل فإنّ ال جهل عند القوم رتبه
ودع العلم فإن ال علم في ذا الدهر سبّه
وقال بعض الشعراء للقاضي ابن خلاد الرامهرمزي «١»:
قل لابن خلّاد إذا جئته مستندا في المسجد الجامع
هذا زمان ليس يحظى به حدثنا الأعمش عن نافع «٢»
[ ٥١ ]