قيل لسقراط: لم تعاشر الأحداث وأنت شيخ؟ فقال: الراضة إنما تروض مهارة الخيل لا ما هرم منها.
مرّ سقراط بفتى قد أتلف تراثه من أبيه وهو يأكل خبزا وزيتونا فقال: يا فتى لو كنت تقدمت بهذا قبل أن تتلف تركة ابيك ما كان يكون هذا أدمك سائر عمرك.
رأى ذيوجانس (١) الكلبى غلاما جميلا لا يحسن الكتاب فقال: اى بيت لو كان له ساكن.
نظر ذيوجانس الى طرف شوك يجرى به الماء وعليه حية فقال: ما اشبه الملاح بالسفينة.
قيل لذيوجانس: فلان غنى، فقال: لا أعرف ذلك ما لم اعرف تدبيره فى ماله.
وقال: مرّ ذيوجانس بعشار، فقال له العشار: أمعك شىء من المال؟ قال: نعم، فوضع مخلاته فلم ير فيها شيئا، فقال: أين ما قلت؟ فكشف على صدره فقال: ههنا حيث لا تقدر عليه ولا تراه.
قال: ونظر الى غلام حسن الصورة يتعلم الفلسفة فقال: قد احسنت حيث قرنت بمحبة حسن صورتك محبة حسن نفسك.
قال الاسكندر لذيوجانس: أيها الملك الأعظم! فقال له: أنا ذيوجانس الكلبى ابصبص للأخيار وأهل الفضل وأنبح وأعض من كان بخلاف ذلك؛ ونظر إلى رجل مبذر لماله فقال: هب لى منّا فضّة، فقال: كيف صرت تسأل الناس الحبة والفلس وتسألنى منّا فضّة، فقال: لأنى ارجو من عنده العودة ولا ارجوها منك (٢) ان كان مالك لا يبقى معك.
_________________
(١) ورد في نسخة المتحف في كل موضع "يوذوجانس" وهو غلط.
(٢) في هامش = نسخة اكسفورد: لا ارجو اليك العود.
[ ٥١ ]
ووقف الاسكندر عليه فقال: أما تخافنى؟ فقال: أخير انت أم شر؟ قال: بل خير؟ فقال: انى لا اخاف الخير بل أحبه؛ رأى شابا لا ادب له وعليه خاتم ذهب فقال: حمار عليه لجام ذهب؛ ونظر الى شاب احمق قاعد على حجر فقال: حجر على حجر.
قال: وسأل شاب جاهل أفلاطن: كيف قدرت على كثرة ما تعلمت؟ قال: لأنى أفنيت من الزيت أكثر مما شربت من الشراب.
وقيل للاسكندر: بم نلت هذه المملكة العظيمة على حداثة سنّك؟ قال: باستماتة الأعداء وتصييرهم اصدقاء وبتعاهد الأصدقاء بالإحسان اليهم.
قال: وعمل هواكسيرجس ثورا من طين وقربه في اليوم الذى كان اهل بلده يقربون فيه القربان لأصنامهم وقال: قبيح ذبح الحى المتنفس لما ليس بحى ولا متنفس.
وقال: قصد الاسكندر موضعا ليحارب اهله فحاربه النساء، فكف عنهم وعن محاربتهن وقال: هذا جيش إن غلبناه لم يكن لنا فيه فخر وإن غلبنا كانت الفضيحة آخر الدهر.
قال: وأسر اسوسيوش وأراد رجل شراءه فقال له: أشتريك؟ فقال له: كيف تشترينى وأكون لك عبدا بعد ما اتخذتنى وزيرا - يريد بعد ما شاورتنى في ابتياعى.
قال ارسطاطاليس: إن الحاجة إلى العقل أقبح من الحاجة الى المال.
وقال: هياجرسيس الاشكوثى (١): وركب البحر فلما لجج قال للملاح: كم تخن الواح سفينتك؟ قال: اصبعان، قال: فانما بيننا وبين الموت اصبعان.
وقيل لأرسطاطاليس: ما أعسر الأشياء على الإنسان؟ قال: السكوت،
_________________
(١) نسخة اكسفورد: الاشكونى.
[ ٥٢ ]
وقيل: ما احسن الحيوان؟ قال: الإنسان المزين بالأدب.
وقيل له: أى الأشياء ينبغى ان يقتنيها العاقل؟ قال: الأشياء التى اذا غرقت سفينته سبحت معه.
ونظرت عجوز من الفلاسفة من بلاد اوطيقى الى رجل يريد ان يعرس وقد زين داره وكتب على بابها: لا يدخل هذا الباب شىء من الشر؟ قالت له: فامرأتك من أين تدخل إذن؟
قال يوزسطيلس: ينبغى للأديب ان يأخذ من جميع الآداب اجودها كما ان النحل يأخذ من كل زهر اجوده.
وكانت لأرسطاطاليس ضيعة نفيسة فدفعها الى قيم يقوم بها ولم يكن يشرف عليها فقال بعض الناس له: لم تفعل ذلك؟ فقال: انى لم اقتن ضيعة بتعاهدى للضياع وإنما اقتنيتها بتعاهدى ادب نفسى وبذلك ارجو اتخاذ ضياع اخر؛ وقال ارسطاطاليس: العقل سبب رداءة العيش.
وقال الإسكندر: انتفعت بأعدائي اكثر مما انتفعت بأصدقائى لأن اعدائى كانوا يعيروننى بالخطأ وينبهوننى عليه وكان اصدقائى يزينون لى الخطأ ويشجعوننى عليه.
وقال أنوخرسيس: الكرمة تحمل ثلاثة عناقيد: الأول عنقود لذة، والثانى عنقود سكر، والثالث عنقود سفه.
قال أرسطاطاليس: الأدب يكسب الأغنياء زينة ويكسب الفقراء معاشا يعيشون به بين الإخوان.
هيوفتاغورس، حضرته الوفاة ارض غريبة فقال: يا معشر الأصدقاء! ليس بين الموت في الغربة والوطن فرق وذلك ان الطريق الى الآخرة واحد في جميع المواضع. وخرج من عند بعض ملوكهم فقيل له: ما يصنع الملك؟ فقال: يفقر الناس، وقيل له: ما احلى الأشياء؟ قال: الذى يشتهى.
وقال: الحب وفد جميع الأشياء الرديئة وذلك ان جميع الأشياء
[ ٥٣ ]
الرديئة معلقة به، وقال: الآباء هم سبب الحياة والعلماء هم سبب صلاح الحياة.
وقال: ونظر الى رجلين لا يكادان يفترقان فقال: اى قرابة بين هذين؟ فقيل له: ليس بينهما قرابة ولكنهما متصادقان، قال: فلم صار احدهما فقيرا والآخر غنيا؟ يريد لو كانا صديقين لتواسيا.
وقال لمتعلم يتهاون بعلمه: ايها الحدث! انك ان لم تصبر على طلب التعلم صبرت على شقاء الجهل.
ونظر الى فتى يستخف بوالده فقال: يا هذا ألا تستحيى ان تحقر ما به اعجبتك نفسك.
قال - وأراد ان يعظ الناس ويوبخهم على تهاونهم بالعلن فصعد موضعا عاليا وصاح: يا معشر الناس! فلما اجتمعوا قال: لم انادكم انما ناديت الناس؛ وقيل لزسيموس: ان فلانا يسىء فيك، قال: يحمله على ذلك جهله بالقول الحسن.
وسأل زسيموس رجلا أن يقرضه مالا فأخلفه، فلامه بعض الناس على ذلك، فقال: جبهك بالرد، فقال: انه لم يزد على ان احمر وجهى بالخجل ولو اقرضنى لصفر وجهى مرات كثيرة.
وقال اورينيدس: ان الحياة بغير الموسيقى الخمسة (١) لوحشة، وقال للذين يستميلون النساء بالحلى والكسوة الحسنة: يا هؤلاء انكم انما تعلمونهن محبة الأغنياء لا محبة الأزواج؛ وقال لبولس: اى الحيوان لا يشبع؟ فقال: التاجر الذى يربح.
هبوقريطس نظر الى معلم ردىء الكتابة فقال له: لم لا تعلم الصراع؟ فقال: لا أحسنه، قال: هو ذا انت تعلم الكتابة ولا تحسنها.
اوفقراطيس وجد حارسين نائمين في وقت الحرس فقتلهما وقال: تركتهما على ما وجدتهما عليه.
_________________
(١) كذا.
[ ٥٤ ]
ودعا بطليموس بعض الملوك الى طعامه فاستعفى وقال: انه يعرض للملوك قريب مما يعرض للذين ينظرون الى الصور فانهم إذا نظروا اليها من بعيد اعجبتهم وإذا نظروا اليها من قريب لم يستحسنوها.
قال مرسويورس: فكروا في ان اللذة مشوبة بالقبح ثم فكروا في انقطاع اللذة وبقاء ذكر القبيح.
قال افلاطن: ينبغى للذين يأخذون على ايدى الأحداث ان يدعوا لهم موضعا للعذر لئلا يضطروا الى القحة بكثرة التوبيخ.
وقال: محب الشرف هو الذى يتعب نفسه بالنظر في العلة؛ وقيل: ما العشق؟ فقال: حركة النفس الفارغة بغير فكر.
وقال: لا ينبغى للأديب ان يخاطب من لا ادب له كما لا ينبغى للصاحى ان يخاطب السكران؛ وقيل له: كيف يغم الإنسان عدوه؟ قال: يغمه اذا اصلح نفسه.
فيثاغورس قيل له: اى شىء من الأفعال يشبه افعال الإله؟ قال: الإحسان إلى الناس.
وفخروا عنده بالمال وكثرته فقال: ما حاجتى الى المال الذى يعطيه الحظ ويحفظه اللؤم ويهلكه السخاء، وقيل له: ما اصعب شىء على الإنسان؟ قال: ان يعرف نفسه ويكتم الأسرار؛ وقيل لسقراط: اى السباع اجمل؟ قال: المرأة؛ وقيل له: ما الذ ما يكون في العالم؟ قال: الأدب والتعليم والنظر الى ما لم تكن اليه نظرت قبل ذلك؛ وقيل له: ما ينتفع به الأحداث من تعليم الآداب؟ قال: لو لم ينتفعوا الا بما يمنعهم من المذاهب الرديئة لكان في ذلك كفاية.
نظر الى شيخ يحب النظر في الفلسفة ويستحيى، فقال: يا هذا! تستحيى ان تصير في آخر عمرك افضل مما كنت عليه في اوله.
وقال: الخطأ في اعطاء من لا ينبغى ومنع من ينبغى واحد،
[ ٥٥ ]
واستشاره رجل في التزويج، فقال: ان اصحاب التزويج يشبهون بالسمك الذي يصاد بالقفاف فالذى يكون خارجا يريد الدخول فيها والذى قد دخل فيها يروم الخروج منها فانظر لا يصيبك مثل هذا.
قال سقراط: ينبغى للعاقل ان يخاطب الجاهل مخاطبة المتطبب للمريض؛ قال سقراط: اللذة خناق من عسل.
وقيل لسطراطوثيغوس: ان فلانا شتمك بالغيب، قال: لو ضربنى بالسياط وأنا غائب لم أبال، ورأى رجلا يذهب به الى الحبس في جناية، فقال: يا هذا! ما يساوى سرورك بما ارتكبت من اللذة هذه الفضيحة.
ورأى طبيبا جاهلا فقال: هذا يستحث - يعنى يعجل بمن يعالج الى الموت، وكان يطبخ قدرا فنفد الحطب فقال لأراقلس وهو بالقرب منه: يا اراقلس! زعمت انك جاهدت اثنى عشر جهادا فاجعل هذا الثالث عشر وأخذه فجعله تحت القدر، وذاك ان اراقلس كان ملكا مذكورا من ملوك اليونانيين وكانت له اثنتا عشرة وقعة مشهورة وكانوا اتخذوا صنما على تمثاله فكانوا يعظمونه فذلك قوله اثنى عشر جهادا.
ودعاه رجل الى العشاء فلم يكن العشاء على ما ينبغى، فقال: يا هذا! إنك لم تدعنى الى العشاء ولكنك منعتنى منه؛ قيل له: متى تمسك عن مديح ياروس؟ قال: اذا امسك ياروس عن احسانه.
وقيل له: ما تفسير شعر سنجولس؟ فقال: إن حفر بئر بقرب قناة يجرى فيها الماء ليس بأمر صعب.
سخطورس المغنى قيل له: ان اميروس يكذب في شعره، فقال: انما يطلب من الشعراء الكلام الحسن اللذيذ فأما الصدق فانما يطلب من الأنبياء.
باريذوس الخطيب قيل له: لم تحب الولد؟ فقال: لشدة محبتى له؛ وقيل لجاوس: توفى مايندرس (١)، فقال: الويح له! فقد ضاع مسن عقلى.
_________________
(١) أظنه: مناتدرس.
[ ٥٦ ]
وقال هرمس: انه لصعب ان يوقف على حقيقة امر الخالق وغير ممكن ان يوصف، وذلك انه غير ممكن ان يوصف جسم مدرك بما ليس بمدرك ولا يدرك التام ما ليس بتام، ويصعب ان يقرن الأزلى بما ليس بأزلى فان الأزلى باق ابدا وغير الأزلى فان والفانى خيال وظل، فعلى قدر ما بين الضعيف والقوى وما بين الدون والأشرف فكذلك بين الفانى وبين الإله الذى لا يموت.
باب