قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة، عن يونس، قال: كان أيوب بن القرّية
_________________
(١) في الأصل (خلف) بكسر الخاء، أي المختلف، ولعلها (خلف) بفتح الخاء، أي الولد الطالح والرديء، ومنه المثل: (سكت ألفا ونطق خلفا)، يضرب للرجل يطيل الصمت، فإذا تكلم تكلم بالخطأ. (مجمع الأمثال ١/٣٣٠، المستقصى ٢/١١٩، اللسان: خلف) .
(٢) ثعلب: أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني بالولاء، أبو العباس، إمام الكوفيين في اللغة والنحو، رواية للشعر محدث حجة، من كتبه: (الفصيح)، و(معاني القرآن) وشرح عدة دواوين، توفي سنة ٢٩١ هـ-. (وفيات الأعيان ١/٣٠، نزهة الألبا ٢٩٣، إنباه الرواة ١/١٣٨، بغية الوعاة ١٧٢) .
(٣) الطرير: ذو المنظر والرواء والهيئة الحسنة.
(٤) ابن القريّة: أيوب بن زيد بن قيس بن زرارة الهلالي، خطيب يضرب به المثل، يقال: (أبلغ من ابن القرية)، والقريّة أمه، كان أعرابيا أميّا، اتصل بالحجاج وأرسله إلى ابن الأشعث رسولا، فانضم إليه، فلما هزم ابن الأشعث جيء بابن القرية أسيرا، فقتله الحجاج صبرا سنة ٨٤ هـ-. (وفيات الأعيان ١/٨٢، تاريخ الإسلام ٣/٢٣٤، الطبري وابن الأثير حوادث سنة ٨٤ هـ-) .
[ ٤٣ ]
أعرابيا أميّا، أصابته السنة [١]، فقدم عين التمر [٢]، وعليها عامل للحجاج بن يوسف، وكان العامل يغدّي كل يوم ويعشّي، فوقف ابن القرّية ببابه [٧ ظ] فرأى الناس يدخلون، فقال: أين يدخل هؤلاء؟ قالوا: إلى طعام الأمير، فدخل فتغدى، فقال: أكل يوم يصنع الأمير ما أرى؟ فقيل: نعم، فكان يأتي كل يوم بابه للغداء والعشاء، إلى أن ورد كتاب من الحجاج على العامل عربيّ غريب لا يدرى ما هو، فأخّر لذلك طعامه، وجاء ابن القرية فلم ير العامل يتغدى، فقال: ما بال الأمير اليوم لا يأكل ولا يطعم؟ قالوا: أغتمّ لكتاب ورد عليه من الحجاج عربي غريب، لا يدري ما هو، قال: ليقرئني الأمير الكتاب، فأنا أفسّره إن شاء الله، فذكر ذلك للوالي، فدعا به، فلما قرأ عليه الكتاب عرف ابن القرية الكلام، واستدل ببعض المعاني على بعض، وفسّر ذلك للوالي، حتى عرّفه جميع كتابه، فقال له: أفتقدر على جوابه؟ فقال: لست أقرأ ولا أكتب، ولكن أقعد بين يديّ كاتبين، يقرأ أحدهما ويكتب الآخر، ففعل، فكتب جواب الكتاب، فلما قرئ الكتاب على الحجاج رأى كلاما غريبا، فعلم أنه ليس من كلام كتّاب الخراج، فدعا برسائل عامل عين التمر فنظر فيها، فإذا هي ليست ككتاب ابن القرّية، فكتب الحجاج إلى العامل: أما بعد، فقد أتاني كتابك بعيدا من جوابك بمنطق غيرك، فإذا نظرت في كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تبعث إليّ بالرجل الذي صدر [٨ و] لك الكلام والسلام.
فقرأ العامل الكتاب على ابن القرية فقال: أقلني، قال: لا بأس عليك، وأمر له بكسوة ونفقة، وحمله إلى الحجاج، فلما دخل عليه قال: ما اسمك؟
قال: أيوب، قال: اسم نبيّ، وأظنك أميّا تحاول فلا يستصعب عليك المقال، وأمر له بنزل ومنزل، فلم يزل يزداد به عجبا حتى أوفده على عبد الملك بن
_________________
(١) السنة: الجدب والقحط.
(٢) عين التمر: بلدة قريبة من الأنبار، غربي الكوفة، بقربها موضع يقال له (شفاثا)، وهي على طريق البرية، افتتحها المسلمون في أيام أبي بكر سنة ١٢ هـ-. (ياقوت: عين التمر) .
[ ٤٤ ]
مروان، فلما خلع ابن الأشعث [١] بسجستان [٢] بعثه الحجاج إليه، فلما دخل عليه قال: لتقومنّ خطيبا ولتخلعنّ عبد الملك، ولتسبّنّ الحجاج، أو لأضربنّ عنقك، قال: أيها الأمير، إنما أنا رسول، قال: هو ما أقول لك، فخطب فخلع عبد الملك وشتم الحجاج، وأقام هنالك، فلما انصرف ابن الأشعث كتب الحجاج إلى عماله بالري [٣] وأصفهان [٤] وما يليهما يأمرهم ألا يمر بهم أحد من قبل ابن الأشعث إلا بعثوا به اليه، وأخذا ابن القرية فيمن أخذ، فلما أدخل إلى الحجاج قال: أخبرني عمّا أسألك عنه، قال: سلني عمّ شئت، قال: أخبرني عن أهل العراق؟ قال: أعلم الناس بحق وباطل، قال: فأهل الحجاز؟ قال: أسر الناس إلى فتنة، وأعجزهم فيها، قال: أهل الشام؟ قال:
_________________
(١) ابن الأشعث: عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، أمير من القادة الشجعان، سيّره الحجاج بجيش لغزو بلاد رتبيل (ملك الترك) فغزا بعض أطرافها، وكتب إلى الحجاج بعدم التوغل في بلاد لا يعرف مداخلها ومخارجها، فاتهمه الحجاج بالضعف، فاتفق ابن الأشعث ومن معه على نبذ طاعة الحجاج وخلعوه وخلوا عبد الملك بن مروان، وزحف إلى العراق لقتال الحجاج سنة ٨١ هـ-، وحدثت بينهم موقعة (دير الجماجم) فهزم جيش ابن الأشعث، ولجأ إلى رتبيل، فقتله وبعث برأسه إلى الحجاج بعد أن هدده سنة ٨٥ هـ-. (الطبري ٨/٣٩، ابن الأثير ٤/١٩٢، الأخبار الطوار ٣٠٦) .
(٢) سجستان: ناحية كبيرة وولاية واسعة، وقيل: إن سجستان اسم للناحية وإن اسم مدينتها (زرنج)، وبينها وبين هراة عشرة أيام ثمانون فرسخا، وهي جنوبي هراة، وأرضها كلها سبخة. (ياقوت: سجستان) .
(٣) الري: مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن، بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخا، وإلى قزوين سبعة وعشرون فرسخا، فتحها عروة بن زيد الطائي سنة ٢٠ هـ- بأمر عمر بن الخطاب. (ياقوت: الري) .
(٤) أصفهان: أو أصبهان، مدينة عظيمة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها، وأصبهان اسم للإقليم بأسره، وكانت مدينتها أولا جيّا، ثم صارت اليهودية، وهي من نوحي الجبل في آخر الإقليم فتحت في زمن عمر بن الخطاب سنة ١٩ هـ-، فتحها عبد الله بن عبد الله بن عتبان. (ياقوت: أصبهان) .
[ ٤٥ ]
أطوع الناس لحلفائهم، قال: أهل مصر؟ قال: عبيد من غلب، قال: فأهل البحرين؟ قال: نبيط [١] استعربوا، قال: فأهل عمان؟ قال: عرب استنبطوا [٨ ظ]، قال: فأهل الموصل؟ قال: أشجع فرسان، وأقتل للأقران، قال: فأهل اليمن؟ قال: أهل سمع وطاعة، ولزوم للجماعة، قال: فأهل اليمامة؟ قال: أهل جفاء واختلاف أهواء، وأصبر عند اللقاء، قال: فأهل فارس؟ قال: أهل بأس شديد، وشر عتيد، وريف كبير، وقرى يسير، قال: فأخبرني عن العرب؟ قال:
سلني؟ قال: قريش؟ قال: أعظمها أحلاما، وأكرمها مقاما، قال: بنو عامر بن صعصعة؟ قال: أطولها رماحا، وأكرمها صباحا، قال: فبنو سليم؟ قال: أعظمها مجالس، وأكرمها محابس، قال: فثقيف؟ قال: أكرمها جدودا وأكثرها وفودا، قال: فبنو زبيد؟ قال: ألزمها للرايات، وأدركها للترات، قال: فقضاعة؟ قال:
أعظمها أخطارا، وأكرمها نجارا، وأبعدها آثارا، قال: فالأنصار؟ قال: أثبتها مقاما، وأحسنها إسلاما، وأكرمها أياما، قال: فتميم؟ قال: أطهرها جلدا، وأثراها عددا، قال: فبكر بن وائل؟ قال: أثبتها صفوفا، وأحدّها سيوفا، قال:
فعبد القيس؟ قال: أسبقها إلى الغايات، وأضرها تحت الرايات، قال: فبنو أسد؟ قال: أهل عدد وجلد، وعسر ونكد، قال: فلخم؟ قال: ملوك وفيهم نوك [٢] . قال: فجذام؟ قال: يوقدون الحرب ويسعرونها ثم يمرونها [٣]، قال:
فبنو الحارث؟ قال: رعاة للقديم، حماة عن الحريم، قال: فعكّ؟ [٩ و] قال:
ليوث جاهدة، في قلوب فاسدة، قال: فتغلب؟ قال: يصدقون إذا لقوا ضربا، ويسعرون الأعداء حربا، قال: فغسان؟ قال: أكرم العرب أحسابا، وأثبتها أنسابا، قال: فأي العرب في الجاهلية كانت أمنع من أن تضام؟ قال: قريش،
_________________
(١) النبيط، والنبط والأنباط: جيل ينزلون بالبطائح بين العراقين (القامون: نبط) والأنباط: جيل سامي كانت له دولة في شمال شبه الجزيرة العربية، وعاصمتهم سلع، وتعرف اليوم بالبتراء، والمشتغلون بالزراعة، وتستعمل أخيرا في أخلاط الناس من غير العرب. (المعجم الوسيط: نبط) .
(٢) النوك: الحمق، والأنوك: الأحمق الجاهل العاجز العيي في كلامه.
(٣) يمرونها: يستدرونها ويستخرجونها.
[ ٤٦ ]
كانوا أهل رهوة [١] لا يستطاع ارتعاؤها، وهضبة لا يرام انتزاؤها [٢] في بلدة حمى الله ذمارها، ومنع جارها، قال: فأخبرني عن مآثر العرب في الجاهلية؟
قال: كانت العرب تقول: حمير أرباب الملك، وكندة لباب الملوك، ومذحج أهل الطّعان، وهمدان أحلاس الخيل [٣]، والأزد آساد الناس.
قال: فأخبرني عن الأرضين؟ قال: سلني؟ قال: الهند؟ قال: بحرها درّ، وجبلها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر، وأهلها طغام [٤]، كقطع الجمام [٥]، قال: فخرسان؟ قال: ماؤها جامد، وعدوها جاهد، قال: فعمان؟
قال: حرّها شديد، وصيدها عتيد، قال: فالبحران؟ [٦] قال: كناسة بين المصرين، قال: فاليمن؟ قال: أصل العرب، وأهل البيوتات والحسب، قال:
فمكة؟ قال: رجالها علماء جفاة، ونساؤها كساة عراة، قال: فالمدينة؟ قال:
رسخ العلم فيها، وظهر منها، قال: فالبصرة؟ قال: شتاؤها جليد، وحرها شديد، وماؤها ملح، وحربها صلح، قال: فالكوفة؟ قال: ارتفعت عن حرّ البحر، وسفلت عن برد الشام، فطام ليلها، وكثر خيرها، قال: فواسط؟ قال:
جنّة بين حماة وكنّة، قال: وما حماتها وكنتها؟ [٩ ظ] قال: البصرة والكوفة يحسدانها، وما ضرّها ودجلة والزاب [٧] يتجاريان با؟؟ فاضة الخير عليها، قال: فالشام؟ قال: عروس بين نسوة جلوس.
قال: ثكلتك أمك يا ابن القرّية، لولا اتباعك لأهل العراق، وقد كنت
_________________
(١) الرهوة: المكان المنخفض يجتمع فيه الماء.
(٢) انتزاؤها: أخذها، وأكمة نازية: مرتفعة عما حولها.
(٣) أحلاس الخيل: ملازمون لظهورها، أو رياضتها.
(٤) الطغام: أراذل الناس وأوغادهم.
(٥) الجمام: النبت الكثير المنتشر، والجميم: ما غطى الأرض من النبات.
(٦) البحران: لعله يريد البحرين فرفعها بالألف.
(٧) في الأصل: (الزات)، وهو تصحيف، قال ياقوت: وبين بغداد وواسط زابان آخرن أيضا، ويسميان الزاب الأعلى والزاب الأسفل، أما الأعلى فهو عند قوسين، وأظن مأخذه من الفرات، ويصب عند زرفامية وقصبة كورة النعمانية على دجلة، وأما الزاب الأسفل من هذين، فقصبته نهر سابس قرب مدينة واسط. (معجم البلدان: الزاب) .
[ ٤٧ ]
أنهاك عنهم أن تتبعهم فتأخذ من نفاقهم، ثم دعا بالسيف وأومى [١] إلى السياف أن أمسك، فقال ابن القرّية: ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن ركب وقوف يكنّ مثلا بعدي، قال: هات، قال: لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة، ولكل حليم هفوة، قال الحجاج: ليس هذا وقت المزاح، يا غلام أوجب جرحه، فضرب عنقه.
وقيل: إنه لما أراد قتله قال له [٢]: العرب تزعم أنّ لكل شئ آفة، قال:
صدقت العرب أصلح الله الأمير، قال: فما آفة الحلم؟ قال: الغضب، قال:
فما آفة العقل؟ قال: العجب، قال: فما آفة العلم؟ قال: النسيان، قال: فما آفة السخاء؟ قال: المنّ، قال: فما آفة الكرام؟ قال: مجاورة اللئام، قال: فما آفة الشجاعة؟ قال البغي، قال: فما آفة العبادة؟ قال: الفترة، قال: فما آفة الذهن؟ قال: حديث النفس، قال: فما آفة الحديث؟ قال: الكذب، قال: فما آفة المال؟ قال: سوء التدبير، قال: فما آفة الكامل من الرجال؟ قال: العدم، قال: فما آفة الحجاج بن يوسف؟ قال: أصلح الله الأمير، لا آفة لمن كرم حسبه، وطاب نسبه، وزكا فرعه، [١٠ و] قال: امتلأت شقاقا، وأظهرت نفاقا، اضربوا عنقه، فلما رآه قتيلا ندم.