قيل: كان باليمانة رجل من بني حنيفة يقال له جحدر بن مالك، وكان لسنًا فاتكًا شجاعًا شاعرًا، وكان قد أبر على أهل هجر وناحيتها، فبلغ ذلك الحجاج بن يوسف فكتب إلى عامل اليمامة يوبخه بتلاعب جحدر به، ويأمره بالتجرد في طلبه حتى يظفر به، فبعث العامل إلى فتية من بني يربوع بن حنظلة، فجعل لهم جعلًا عظيمًا إن هم قتلوا جحدرًا أو أتوه به أسيرًا، ووعدهم أن يوفدهم إلى الحجاج ويسني فرائضهم، فخرج الفتية في طلبه حتى إذا كانوا قريبًا منه بعثوا إليه رجلًا منهم يريه أنهم يريدون الانقطاع إليه والتحرم به، فوثق بهم واطمأن إليهم، فبينما هم على ذلك إذ شدوه وثاقًا وقدموا به إلى العامل، فبعث به معهم إلى الحجاج وكتب يثني على الفتية. فلما قدموا على الحجاج قال له: أنت جحدر؟ قال: نعم. قال: ما حملك على ما بلغني عنك؟ قال: جرأة الجنان، وجفوة السلطان، وكلب الزمان، قال: وما الذي بلغ من أمرك فيجترىء جنانك ويصلك سلطانك ولا يكلب زمانك؟
قال: لو بلاني الأمير لوجدني من صالحي الأعوان، وبهم الفرسان وممن أوفى على أهل الزمان. قال الحجاج: إنا قاذفوك في قبة فيها أسد فإن قتلك كفانا مؤونتك، وإن قتلته خليناك ووصلناك، قال: قد أعطيت أصلحك الله الأمنية وأعظمت المنة وقربت المحنة. فأمر به فاستوثق منه بالحديد وألقي في السجن، وكتب إلى عامله بكسكر يأمره أن يصيد له أسدًا ضاريًا، فلم يلبث العام أن بعث إليه بأسد ضاريات قد أبرت على أهل تلك الناحية، ومنعت عامة مراعيهم ومسارح دوابهم، فجعل منه ومنها واحدًا في تابوت يجر على عجلة،
[ ١٠٥ ]
فلما قدموا به على الحجاج أمر فألقى في حيز وأجيع ثلاثًا، ثم بعث إلى جحدر فأخرج وأعطي سيفًا ودلي عليه فمشى إلى الأسد وأنشأ يقول:
ليث وليث في مكان ضنك كلاهما ذو أنف ومحك
وصولة في بطشة وفتك إن يكشف الله قناع الشك
وظفرًا بجؤجؤ وبرك فهو أحق منزل بترك
الذئب يعوي والغراب يبكي
حتى إذا كان منه على قدر رمح تمطى الأسد وزأر وحمل عليه فتلقاه جحدر بالسيف فضرب هامته ففلقها وسقط الأسد كأنه خيمة قوضتها الريح، فانثنى جحدر وقد تلطخ بدمه لشدة حملة الأسد عليه، فكبر الناس فقال الحجاج: يا جحدر إن أحببت أن ألحقك ببلادك وأحسن صحبتك وجائزتك فعلت بك، وإن أحببت أن تقيم عندنا أقمت فأسنينا فريضتك، قال: اختار صحبة الأمير، ففرض له ولجماعة أهل بيته وأنشأ جحدر يقول:
يا جمل إنك لو رأيت بسالتي في يوم هيج مردف وعجاج
وتقدمي لليث أرسف نحوه حتى أكابده على الإحراج
جهم كأن جبينه لما بدا طبق الرحى متفجر الأثباج
يرنو بناظرتين تحسب فيهما من ظن خالهما شعاع سراج
ششن براثنه كأن نيوبه زرق المعاول أو شذاة زجاج
وكأنما خيطن عليه عباءة برقاء أو خلق من الديباج
قرنان محتضران قد ربتهما أم المنية غير ذات نتاج
وعلمت إني أن أبيت نزاله إني من الحجاج لست بناج
فمشيت أرسف في الحديد مكبلًا بالموت نفسي عند ذاك اناجي
[ ١٠٦ ]
والناس منهم شامت وعصابة عبراتهم لي بالحلوق شواجي
ففلقت هامته فخر مكانه أطم تقوض مائل الأبراج
ثم انثنيت وفي قميصي شاهد مما جرى من شاخب الأوداج
أيقنت إني ذو حفاظ ماجد من نسل أملاك ذوي أتواج
فلئن قذفت إلى المنية عامدًا إني لخيرك بعد ذلك راجي
علم النساء بأنني لا أنثني إذ لا يثقن بغيره الأزواج
وحكى عن الطفيل بن عامر العمري «١» قال: خرجت ذات يوم أريد الغار، وكنت رجلًا أحب الوحدة، فبينا أنا أسير إذ ضللت الطريق الذي أردته، فسرت أيامًا لا أدري أين أتوجه حتى نفذ زادي، فجعلت آكل الحشيش وورق الشجر حتى أشرفت على الهلاك ويئست من الحياة، فبينا أنا أسير إذ أبصرت قطيع غنم في ناحية من الطريق فملت إليها، وإذا شاب حسن الوجه فصيح اللسان، فقال لي: يا بن العم أين تريد؟ فقلت: أردت حاجة لي من بعض المدن وما ظني إلا قد ضللت الطريق، فقال: أجل! إن بينكم وبين الطريق مسيرة أيام فانزل حتى تستريح وتطمئن وتريح فرسك، فنزلت فرمى لفرسي حشيشًا وجاء إلي بثريد كثير ولبن، ثم قام إلى كبش فذبحه وأجج نارًا وجعل يكبب لي ويطعمني حتى أكتفيت، فلما جننا الليل قام وفرش لي وقال: قم فارم بنفسك فإن النوم اذهب لتعبك وارجع لنفسك، فقمت ووضعت رأسي، فبينا أنا نائم إذ أقبلت جارية لم تر عيناي مثلها قط حسنًا وجمالًا، فقصدت إلى الفتى وجعل كل واحد منهما يشكو إلى صاحبه ما يلقى من الوجد به، فامتنع علي النوم لحسن حديثهما فلما كان في وقت السحر قامت إلى منزلها، فلما أصبحنا دنوت منه فقلت له: ممن الرجل؟
قال: أنا فلان بن فلان، فانتسب لي فعرفته فقلت له: ويحك! إن أباك
[ ١٠٧ ]
لسيد قومه، فما حملك وضعك نفسك في هذا المكان؟ فقال: أنا والله أخبرك، كنت عاشقًا لابنة عمي هذه التي رأيتها وكانت هي أيضًا لي واهقة، فشاع خبرنا في الناس، فأتيت عمي فسألته أن يزوجنيها. فقال: يا بني، والله ما سألت شططا، وما هي بآثر عندي منك، ولكن الناس قد تحدثوا بشيء وعمك يكره المقالة القبيحة، ولكن انظر غيرها في قومك حتى يقوم عمك بالواجب لك، فقلت: لا حاجة لي فيما ذكرت وتحملت عليه بجماعة من قومي فردهم وزوجها رجلًا من ثقيف له رياسة وقدر فحملها إلى ههنا- وأشار إلى خيم كثيرة بالقرب منا- فضاقت علي الدنيا برحبها وخرجت في أثرها فلما رأتني فرحت فرحًا شديدًا وقلت لها: لا تخبري أحدًا إني منك بسبيل ثم أتيت زوجها وقلت:
أنا رجل من الأزد أصبت دما وأنا خائف، وقد قصدتك لما أعرف من رغبتك في اصطناع المعروف ولي بصر بالغنم إن رأيت أن تعطيني من غنمك شيئًا فأكون من جوارك وكنفك فأفعل. قال: نعم وكرامة، فأعطاني مائة شاة وقال لي: لا تبعد بها من الي، وكانت ابنة عمي تخرج إلي كل ليلة في الوقت الذي رأيت وتنصرف، فلما رأى حسن حال الغنم أعطاني هذه فرضيت من الدنيا بما ترى. قال: فأقمت عنده أيامًا، فبينا أنا نائم إذ نبهني وقال: يا أخا بني عامر، قلت له: ما شأنك؟ قال: إن ابنة عمي قد أبطأت ولم تكن هذه عادتها وو الله ما أظن ذلك إلّا لأمر فحدثني فجعلت أحدثه، فأنشأ يقول:
ما بال مية لا تأتي كعادتها هل هاجها طرب أو صدها شغل
لكن قلبي لا يعنيه غيركم حتى الممات ولا لي غيركم أمل
لو تعلمين الذي بي من فراقكم لما اعتذرت ولا طابت لك العلل
نفسي فداؤك قد أحللت بي حرقًا تكاد من حرّها الأحشاء تنفصل
لو كان عادية منه على جبل لزل وأنهد من أركانه الجبل
فو الله ما اكتحل بغمض حتى انفجر عمود الصبح وقام ومر نحو الحي فأبطأ عني ساعة ثم أقبل ومعه شيء وجعل يبكي عليه، فقلت له: ما هذا؟
قال: هذه ابنة عمي افترسها السبع فأكل بعضها ووضعها بالقرب مني فأوجع
[ ١٠٨ ]
والله قلبي، ثم تناول سيفه ومر نحو الحي فأبطأ هنيهة ثم أقبل إلي وعلى عاتقه ليث كأنه حمار فقلت له: ما هذا؟ قال: صاحبي، قلت: وكيف علمته؟ قال: إني قصدت الموضع الذي أصابها فيه وعلمت أنه سيعود إلى ما فضل منها، فجاء قاصدًا إلى ذلك الموضع فعلمت أنه هو فحملت عليه فقلته، ثم قام فحفر في الأرض فأمعن وأخرج ثوبًا جديدًا، وقال: يا أخا بني عامر إذا أنا مت فأدرجني معها في هذا الثوب، ثم ضعنا في هذه الحفرة وهل التراب واكتب هذين البيتين على قبرنا وعليك السلام:
كنا على ظهرها والعيش في مهل والدهر يجمعنا والدار والوطن
فخاننا الدهر في تفريق الفتنا واليوم يجمعنا في بطنها الكفن
ثم التفت إلى الأسد وقال:
ألا أيها الليث المدل بنفسه هبلت لقد جرت يداك لنا حزنا
وغادرتني فردًا وقد كنت آلفًا وصيرت آفاق البلاد لنا سجنا
أأصحب دهرًا خانني بفراقها معاذ إلهي أن أكون له خذنا
ثم قال: يا أخا بني عامر إذا فرغت من شأننا فصح في إدبار هذه الغنم، فردها إلى صاحبها ثم قام إلى شجرة فاختنق حتى مات، فقمت فأدرجتهما في ذلك الثوب ووضعتهما في تلك الحفرة وكتبت البيتين على قبر هما، ورددت الغنم إلى صاحبها، وسألني القوم فأخبرتهم الخبر، فخرج جماعة منهم فقالوا: والله لننحرن عليه تعظيمًا له، فخرجوا وأخرجوا مائة ناقة وتسامع الناس فاجتمعوا إلينا فنحرت ثلاثمائة ناقة ثم انصرفنا.
وقيل لما كان من أمر عبد الرحمن بن الأعث الكندي ما كان، قال الحجاج اطلبوا لي شهاب بن حرقة السعدي في الأسرى أو القتلى فوجدوه في الأسرى فلما أدخل على الحجاج قال له: من أنت؟ قال: أنا شهاب بن حرقة، قال: والله لأقتلنك، قال: ما كان الأمير بالذي يقتلني. قال:
ولم؟ قال: لأن في خصالًا يرغب فيهن الأمير. قال: وما هن؟ قال:
ضروب بالصفيحة، هزوم للكثيرة من الكتيبة، أحمي الجار وأذب عن الذمار
[ ١٠٩ ]
وأجود على العسر من اليسر غير بطيء عن النصر. قال الحجاج: ما أحسن هذه الخصال فاخبرني بأشد شيء مر عليك، قال: نعم أصلح الله الأمير:
بينا أنا أسير ومركبي وثير
في عصبة من قومي في ليلتي ويومي
يمضون كالآجادل في الحرب كالبواسل
أنا المطاع فيهم في كل ما يليهم
فسرت خمسًا عوما وبعد خمس يوما
حنى وردت أرضًا ما أن ترام عرضًا
من بلد البحرين عند طلوع العين
فهجتهم نهارًا التمس المغارا
حتى إذا كان السحر من بعد ما غاب القمر
إذا أنا بعير يقودها خفير
موقرة متاعًا مقيلة سراعًا
فصلت بالسنان مع سادة فتيان
فسقتها جميعًا أحثها سريعًا
أريد رجع عالج أمعج بالعناجج
أسير في الليالي خرقًا بعيدًا خالي
وقد لقينا تعبًا وبعد ذاك نصبًا
حتى إذا هبطنا من بعد ما صعدنا
عنت لنا بيدانه قد كان فيها عانه
رميتها بقوسي في مهمه كالترس
حتى إذا ما أمعنت بالقفز ثم درمت
وردت قصرًا منهلًا في جوفه طام حالا
وعنده خييمة، في جوفها نعيمة
[ ١١٠ ]
عزيزة كالشمس فاقت جميع الأنس
فعجت مهري عندها حتى وقفت معها
حييت ثم ردت في لطف وحيت
فقلت يا لعوب والطفلة العروب
هل عندكم قراء إذ نحن بالعراء
قالت نعم برحب في لطف وقرب
أربع هنا عتيدًا ولا تكن بعيدًا
حتى يجئك عامر مثل الهلال زاهر
فعجت عن قريب في باطن الكثيب
حتى رأيت عامرًا يحمل ليثًا خادرًا
على عتيق سابح كمثل طود اللامح
قال: وكان الحجاج متكئًا فاستوى جالسًا ثم قال: ويحك دعنا من السجع والرجز وخذ في الحديث، قال: نعم أيها الأمير ثم نزل فربط فرسه وجمع حجارة وأوقد عليه نارًا وشق عن بطن الأسد وألقى مرافه في النار فجعلت، أصلح الله الأمير، اسمع للحم الأسد نشيشا فقالت له نعيمة: قد جاءنا ضيف وأنت في الصيد، قال: فما فعل؟ قالت: ها هو ذاك بظهر الكثيب والخيمة، فأومأت إلي، فأتيتها، فإذا أنا بغلام أمرد كأن وجهه دارة القمر فربط فرسي إلى جنب فرسه ودعاني إلى طعامه فلم أمتنع عن أكل لحم الأسد لشدة الجوع، فأكلت أنا ونعيمة منه بعضه وأتى الغلام على آخره، ثم قام إلى زق فيه خمر فشرب، ثم سقاني فشربت ثم شرب الغلام حتى أتى على آخره، فبينما نحن كذلك إذ سمعت وقع حوافر خيل أصحابي فقمت وركبت فرسي وتناولت رمحي وصرت معهم ثم قلت: يا غلام خل عن الجارية ولك ما سواها فقال: ويلك أحفظ الممالحة، قلت: لا بدّ من الجارية وفارس، فالتفت إليها وقال لها: قفي، ثم قال: يا فتيان هل لكم في العافية؟ وإلا فارس وفارس فبرز إليه رجل من أصحابي فقال له الغلام:
من أنت؟ فلست أقاتل من لا أعرفه ولا أقاتل إلا كفوءًا أعرفه، فقال: أنا
[ ١١١ ]
عاصم بن كلبة السعدي، فشد عليه وأنشد يقول:
إنك يا عاصم بي لجاهل إذ رمت أمرًا أنت عنه ناكل
إني كمي في الحروب باسل ليث إذا اصطك الليوث بازل
ضراب هامات العدى منازل قتال أقران الوغى مقاتل
ثم طعنه فقتله. وقال: يا فتيان، هل لكم في العافية؟ وإلا فارس وفارس، فتقدم إليه آخر من أصحابي فقال له الغلام: من أنت؟ فقال: أنا صابر بن حرقة. فشد عليه وأنشأ يقول:
إنك والإله لست صابرا على سنان يجلب المقادرا
ومنصل مثل الشهاب باترا في كف قزم يمنع الحرائرا
إني إذا رمت امرأ فآسرا يكون قرني في الحروب بائرا
ثم طعنه فقتله. ثم قال: يا فتيان هل لكم في العافية؟ وإلا فارس لفارس فلما رأيت ذلك هالني أمره وأشفقت على أصحابي فقلت: احملوا عليه حملة رجل واحد فلما رأى ذلك أنشأ يقول:
الآن طاب الموت ثم طابا إذ تطلبون رخصة كعابا
ولا نريد بعدها عتابا
فركبت نعيمة فرسها وأخذت رمحها فما زال يجالدنا ونعيمة حتى قتل منا عشرين رجلا فاشفقت على أصحابي فقلت: يا غلام قد قبلنا العافية والسلامة. فقال: ما كان أحسن هذا لو كان أولًا ونزلنا وسالمنا. ثم قلت: يا عامر بحق الممالحة من أنت؟ قال: أنا عامر بن حرقة الطائي وهذه ابنة عمي ونحن في هذه البرية منذ زمان ودهر ما مر بنا إنسي غيركم، فقلت: من أين طعامكم؟ قال: حشرات الطير والوحش والسباع. قلت: إن معي مائة من الإبل موقرة متاعًا فخذ منها حاجتك. فقال: لا أرب لي فيها ولو أردت ذلك لكنت أقدر عليه فارتحلنا عنه منصرفين. فقال الحجاج: الآن يا عدو الله طاب قتلك لغدرك بالفتى. قال: كان خروجي على الأمير أصلحه الله أعظم
[ ١١٢ ]
من ذلك فإن عفا عني الأمير رجوت أن لا يؤاخذني بغيره فأطلقه ووصله ورده إلى بلده.
وضده، قال: دخل أبو زبيد الطائي على عثمان بن عفان في خلافته، وكان نصرانيًا فقال له: بلغني أنك تجيد وصف الأسد. فقال له: لقد رأيت منه منظرًا وشهدت منه مخبرًا لا يزال ذكره يتجدد على قلبي. قال: هات ما مر على رأسك منه. قال: خرجت يا أمير المؤمنين في صيابة، من إفناء قبائل العرب ذوي شارة حسنة ترتمي بنا المهاري بأكسائها القزوانيات ومعنا البغال عليها العبيد يقودون عتاق الخيل نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، فاخروط «١» بنا المسير في حمارة القيظ حتى إذا عصبت الأفواه وذبلت الشفاه وشالت المياه وأذكت الجوزاء المعزاء وذاب الصيخد «٢» وصر الجندب وضايق العصفور الضب في وجاره قال قائلنا: أيها الركب غوروا بنا في دوح هذا الوادي فإذا واد كثير الدغل دائم الغلل شجراؤه مغنة وأطياره مرنة، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات فأصبنا من فصلات المزاود وأتبعناها بالماء البارد، فأنا لنصف حر يومنا ومما طلته إذ صر أقصى الخيل أذنيه وفحص الأرض بيده، ثم ما لبث إن جال فحمحم وبال فهمهم ثم فعل الذي يليه واحد بعد واحد فتضعضعت الخيل وتكعكعت «٣» الإبل وتقهقرت البغال، فمن نافر بشكاله وناهض بعقاله فعلمنا أن قد أتينا وأنه السبع لا شك فيه ففزع كل امرىء منا إلى سيفه واستله من جربانه، ثم وقفنا له رزدقًا «٤» فأقبل يتطالع في مشيته كأنه مجنوب أو في هجار لصدره نحيط وليلا غيمه غطيط ولطرفه وميض ولا رساغه نقيض كأنما يخبط هشيمًا أو يطأ صريمًا «٥»، وإذا هامة كالمجن وخد كالمسن وعينان سجراوان «٦» كأنهما سراجان يقدان وقصرة «٧» ربلة «٨» ولهزمة «٩» رهلة وكتد مغبط وزور مفرط وساعد مجدول وعضد مفتول
[ ١١٣ ]
وكفّ شثنه البراثن «١» إلى مخالب كالمحاجن ثم ضرب بذنبه فأرهج «٢» وكشر فأفرج عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة وفم أشدق كالغار الأخرق ثم تمطى فأسرع بيديه وحفر وركيه برجليه حتى صار ظله مثليه، ثم أقعى «٣» فاقشعر «٤»، ثم مثل «٥» فاكفهر «٦»، ثم تجهم فازبأر «٧»، فلا والذي بيته في السماء ما أتقيناه بأول من أخ لنا من بني فزارة كان ضخم الجزارة فوهصه «٨» ثم أقعصه فقضقض متنه وبقر بطنه، فجعل يلغ في دمه فذمرت أصحابي فبعد لأي ما استقدموا فكر مقشعر الزبرة كأن به شيهمًا «٩» حوليًا فاختلج من دوني رجلا اعجر ذا حوايا فنفضه نفضة فتزايلت أوصاله واتقطعت أوداجه، ثم نهم فقرقر، ثم زفر فبربر، ثم زأر فجرجر ثم لحظ، فو الله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه عن شماله ويمينه، فارتعشت الأيدي واصطكت الأرجل وأطت الأضلاع وارتجت الأسماع وحملجت العيون وانخزلت المتون ولحقت الظهور البطون ثم ساءت الظنون وأنشأ (يقول):
عبوس شموس، مصلخد خنايس جريء على الأرواح للقرن قاهر «١٠»
منيع ويحمي كل واد يرومه شديد أصول الماضغين مكابر
براثنه شثن وعيناه في الدجى كجمر الغضا في وجهه الشر ظاهر
يدل بانياب حداد كأنها إذا قلص الأشداق عنها خناجر
فقال عثمان: أكفف لا أم لك، فلقد أرعبت قلوب المسلمين ولقد وصفته حتى كأني أنظر إليه يريد يواثبني. وقيل في المثل: وهو أجبن من هجرس- وهو القرد- وذلك لأنه لا ينام إلا وفي يده حجر مخافة أن يأكله الذئب. وحدثنا رجل بمكة قال: إذا كان الليلة رأيت القرود تجتمع في موضع واحد ثم تبيت مستطيلة واحدًا في أثر واحد في يد كل واحد منهم حجر لئلا ترقد فيأتيها الذئب فيأكلها وإن نام واحد وسقط الحجر من يده خرج
[ ١١٤ ]
فتحرك الآخر فصار قدامه فلا نزال كذلك طول الليل فتصبح وقد صارت من الموضع الذي باتت فيه على ثلاثة أميال أو أكثر جبنًا. وقيل: هو أجبن من صافر وهو طائر يتعلق برجليه وينكس رأسه ثم يثفر ليلته كلها خوفًا من أن ينام فيؤخذ. وقيل أيضًا: هو أجبن من المنزوف ضرطًا. وكان من حديثه أن نسوة من العرب لم يكن لهن رجل فتزوجت واحدة منهن برجل كان ينام إلى الضحى فإذا انتبه ضربنه وقلن له قم فاصطبح ويقول: لو لعادية نبتهتنّي- أي خيل عادية عليكن مغيرة فأدخلها عنكن- فلما رأين ذلك فرحن وقلن: إن صاحبنا لشجاع ثم اقبلن عليه وقلن: تعالين نجربه فأتينه كما كن يأتينه فأيقظنه فقال: لو لعادية نبتهتنّني فقلن له: نواصي الخيل معك، فجعل يقول: الخيل الخيل ويضرط حتى مات فضرب به المثل.
وقيل لجبان: انهزمت فغضب الأمير عليك، قال: ليغضب الأمير وأنا حي أحب إلي من أن يرضى وأنا ميت. وقيل لبعض المجان: ما لك لا تغزو؟ قال: والله إني لأبغض الموت على فراشي فكيف أمر إليه ركضًا؟
قال: وقال الحجاج لحميد الأرقط وقد أنشده قصيدة يصف فيها الحرب: يا حميد هل قاتلت قط؟ قال: لا أيها الأمير إلا في النوم. قال: وكيف كانت وقعتك؟ قال: انتبهت وأنا منهزم. ومما قيل في ذلك من الشعر:
ظلت تشجعني هند بتضليل وللشجاعة خطب غير مجهول
هاتي شجاعًا لغير القتل مصرعه أوجدك ألف جبان غير مقتول
الحرب توسع من يصلى بها حربا يتم العيال وإثكال المثاكيل
اسم الوغى اشتق من غوغاء يحربها يغدون للموت كالطير الأبابيل
والله لو أن جبريلًا تكفل لي بالنصر ما خاطرت نفسي لجبريل
هل غير أن يعذروني أنني فشل فكل هذا نعم فأغروا بتعزيلي
إن أعتذر من فراري في الوغى أبدًا كان اعتذاري رديدًا غير مقبول
اسمع أخبرك عن بأسي بذي سلب خلاف بأس المساعير البهاليل
لما بدت منهم نحوي عشوزنة شماء تشرع في عرضي وفي طولي
[ ١١٥ ]
فقلت ويحكم لا ترهبوا جلدي رمحي كسير وسيفي غير مصقول
لما اتقيتهم طوعًا بذات يد وانصعت أطوي الفلا ميلًا إلى ميل
الله خلصني منهم وفلسفتي حتى تخلصت مخضوب السراويل
وقال آخر:
أضحت تشجعني هند فقلت لها إن الشجاعة مقرون بها العطب
لا والذي قبلة الأنظار كعبته ما يشتهي الموت عندي من له إرب
للحرب قوم أضل الله سعيهم إذا دعتهم إلى حوماتها وثبوا
ولست منهم ولا أهوى فعالهم لا القتل يعجبني منهم ولا السلب
وقال آخر:
يقول لي الأمير بغير جرم تقدم حين حل بنا المراس
فما لي أن أطعتك في حياة ولا لي غير هذا الراس راس
[ ١١٦ ]