قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» . وسمع رسول الله ﷺ رجلا ينشد بيتًا من الشعر:
إني امرؤ حميرى حين تنسبني لا من ربيعة آبائي ولا مضر
فقال له: ذلك ألأم لك وأبعد عن الله ورسوله، وقال بعضهم:
إذا مضر الحمراء كانت أرومتي وقام بنصري خازم وابن خازم
عطست بأنف شامخ وتناولت يداي الثريا قاعدًا غير قائم
شعيب بن إبراهيم عن علي بن يزيد عن عبد الله بن الحارث عن عبد المطلب ابن ربيعة قال: مر العباس بن عبد المطلب ﵁ بنفر من قريش وهم يقولون إنما محمد من أهله مثل نخلة نبتت في كناسة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فوجد منه فخرج حتى قام فيهم خطيبا ثم قال: «أيها الناس، من أنا؟ قالوا: أنت رسول الله. قال: أفأنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، إن الله ﷿ خلق خلقه فجعلني من خير خلقه ثم جعل الخلق الذي أنا منهم شعوبًا فجعلني في خيرهم شعبًا، ثم جعلهم بيوتًا فجعلني من خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا وخيركم والدًا وإني مباه لكم. قم يا عباس فقام عن يمينه، ثم قال: قم يا سعد فقام عن يساره فقال: يقرب امرؤ منكم عمًا مثل هذا وخالًا مثل هذا» . وحدثنا سنان بن الحسن التستري عن إسماعيل بن مهران العسكري عن إبان بن عثمان عن عكرمة عن ابن عباس رحمهما الله تعالى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: لما أمر رسول
[ ١٣١ ]
الله ﷺ إن يعرض نفسه على القبائل خرج وأنا معه وأبو بكر وكان عالمًا بأنساب العرب فوقفنا على مجلس من مجالس العرب عليهم الوقار والسكينة، فتقدم أبو بكر فسلم عليهم فردوا ﵇ فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من ربيعة. قال: من هامتها أم لهازمها؟ قالوا: بل من هامتها العظمى. قال:
وأي هامتها؟ فقالوا: ذهل. قال: ذهل الأكبر أم ذهل الأصغر؟ قالوا: بل الأكبر. قال فمنكم عوف الذي كان يقال لأحر بوادي عوف؟ قالوا: لا.
قال: أفمنكم بسطام بن قيس صاحب اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا قال: أفمنكم جساس بن مرة حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا. قال:
أفمنكم المزدلف صاحب العمامة؟ قالوا: لا. قال أفأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: أفأنتم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا. قال:
فلستم من ذهل الأكبر إذا أنتم من ذهل الأصغر فقام إليه أعرابي غلام حسن بقل وجهه فأخذ بزمام ناقته ورسول الله ﷺ واقف على ناقته يسمع مخاطبته فقال:
لنا على سائلنا أن نسأله والعبء لا تعرفه أو تحمله
يا هذا إنك قد سألتنا أي مسألة شئت فلم نكتمك شيئًا فأخبرنا ممن أنت؟ فقال أبو بكر: من قريش: فقال: بخ بخ! أهل الشرف والرياسة فأخبرني من أي قريش أنت؟ قال: من بني تميم بن مرة. قال: أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر فكان له مجمع؟ قال أبو بكر:
لا. قال: أفمنكم هاشم الذي يقول فيه الشاعر:
عمرو العلى هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف
قال أبو بكر: لا. قال: أفمنكم شيبة الحمد الذي كان وجهه يضيء في الليلة الداجية مطعم الطير؟ قال: لا. قال: أفمن المضيفين بالناس أنت.
قال: لا. قال: أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. قال:
أما والله لو شئت لأخبرتك لست من أشراف قريش، فاجتذب أبو بكر زمام
[ ١٣٢ ]
ناقته منه كهيئة المغضب فقال الأعرابي:
صادف در السيل در يدفعه في هضبة ترفعه وتضعه
فتبسم رسول الله ﷺ. قال علي كرم الله وجهه: فقلت: يا أبا بكر وقعت من هذا الأعرابي على باقعة «١» . قال: أجل يا أبا الحسن، ما من طامة إلا وفوقها طامة وإن البلاء موكل بالمنطق. قال: وأتى الحسن بن علي ﵄ معاوية بن أبي سفيان وقد سبقه ابن العباس ﵀ فأمر معاوية بإنزاله فبينا معاوية مع عمرو بن العاص ومروان بن الحكم وزياد المدعى إلى أبي سفيان يتحاورون في قديمهم ومجدهم إذ قال معاوية: قد أكثرتم الفخر ولو حضركم الحسن بن علي وعبد الله بن عباس لقصروا من أعنتكم، فقال زياد: وكيف ذاك يا أمير المؤمنين وما يقومان لمروان ابن الحكم في غرب منطقه ولا لنا في بواذخنا فابعث إليهما حتى نسمع كلامهما. فقال معاوية لعمرو: ما تقول في هذا الليل فابعث إليهما في غد، فبعث معاوية بابنه يزيد إليهما فأتيا فدخلا عليه وبدأ معاوية فقال: إني أجلكما وأرفع قدركما على المسامر بالليل ولا سيما أنت يا أبا محمد فأنك ابن رسول الله ﷺ وسيد شباب أهل الجنة. فشكر له، فلما استويا في مجلسهما علم عمرو أن الحدة ستقع به فقال: والله لا بد أن أتكلم فإن قهرت فسبيل ذلك وإن قهرت أكون قد ابتدأت. فقال: يا حسن أنا قد تفاوضنا فقلنا إن رجال بني أمية أصبر على اللقاء وأمضى في الوغاء وأوفى عهدًا وأكرم ضيمًا وأمنع لما وراء ظهورهم من بني عبد المطلب، ثم تكلم مروان بن الحكم: فقال كيف لا يكون ذلك وقد قارعناهم فغلبناهم وحاربناهم فملكناهم فإن شئنا عفونا وإن شئنا بطشنا. ثم تكلم زياد فقال: ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله ويجحدوا الخير في مظانه نحن الحملة في الحروب ولنا الفضل على سائر الناس قديمًا وحديثًا، فتكلم الحسن بن علي ﵁ فقال: ليس من الحزم أن يصمت الرجل عن إيراد الحجة ولكن من الأفك أن ينطق الرجل بالخنا ويصور الكذب في صورة الحق يا عمرو افتخارًا بالكذب وجراءة على الأفك ما زلت أعرف
[ ١٣٣ ]
مثالبك الخبيثة أبديها مرة بعد مرة أتذكر مصابيح الدجى وأعلام الهدى وفرسان الطراد وحتوف الأقران وأبناء الطعان وربيع الضيفان ومعدن العلم ومهبط النبوة؟ وزعمتم أنكم أحمى لما وراء ظهوركم وقد تبين ذلك يوم بدر حين نكصت الأبطال وتساورت الأقران واقتحمت الليوث، واعتركت المنية وقامت رحاها على قطبها، وفرت عن نابها، وطار شرار الحرب، فقتلنا رجالكم ومن النبي ﷺ على ذراريكم، وكنتم لعمري في هذا اليوم غير مانعين لما وراء ظهوركم من بني عبد المطلب ثم قال: وأما أنت يا مروان فما أنت والإكثار في قريش وأنت ابن طليق وأبوك طريد تتقلب في خزاية إلى سوءة، وقد أتى بك إلى أمير المؤمنين يوم الجمل، فلما رأيت الضرغام قد دميت براثنه، واشتبكت أنيابه كنت كما قال الأول:
بصبصن ثم رمين بالأبعار
فلما من عليك بالعفو وأرخى خناقك بعد ما ضاق عليك وغصصت بريقك لا تقعد منا مقعد أهل الشكر ولكن تساوينا وتجارينا، ونحن من لا يدركنا عار ولا يلحقنا خزاية، ثم التفت إلى زياد وقال: وما أنت يا زياد وقريش ما أعرف لك فيها أديمًا صحيحًا. ولا فرعًا نابتًا ولا قديمًا ثابتًا ولا منبتًا كريمًا، كانت أمك بغيًا يتداولها رجالات قريش وفجار العرب، فلما ولدت لم تعرف لك العرب والدا فادعاك هذا- يعني معاوية- فما لك والافتخار!!؟
تكفيك سمية ويكفينا رسول الله ﷺ وأبي سيد المؤمنين الذي لم يرتد على عقبيه وعماي حمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة، وأنا وأخي سيدا شباب أهل الجنة، ثم التفت إلى ابن العباس فقال إنما هي بغاث الطير انقض عليها البازي، فأراد ابن العباس أن يتكلم فأقسم عليه معاوية أن يكف فكف، ثم خرجا، فقال معاوية أجاد عمرو الكلام أولا لولا أن حجته دحضت، وقد تكلم مروان لولا أنه نكص ثم التفت إلى زياد فقال: ما دعاك إلى محاورته ما كنت إلا كالحجل في كف العقاب. فقال عمرو: أفلا رميت من ورائنا؟ قال معاوية: إذا كنت شريككم في الجهل أفأفاخر رجلًا، رسول الله ﷺ جده
[ ١٣٤ ]
وهو سيد من مضى ومن بقي وأمه فاطمة سيدة نساء العالمين ثم قال لهم:
والله لئن سمع أهل الشام ذلك أنه للسوءة السواء. فقال عمرو: لقد أبقى عليك ولكنه طحن مروان وزيادًا طحن الرحى بثفالها ووطئهما وطىء البازل القراد بمنسمه، فقال زياد: والله لقد فعل ولكنك يا معاوية تريد الإغراء بيننا وبينهم لا جرم والله لا شهدت مجلسًا يكونان فيه إلا كنت معهما على من فاخرهما، فخلا ابن عباس بالحسن ﵁ فقبل بين عينيه وقال:
أفديك بابن عمي والله مازال بحرك يزخر وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا. ثم إن الحسن ﵁ غاب أيامًا ثم رجع حتى دخل علي معاوية وعنده عبد الله بن الزبير. فقال معاوية: يا أبا محمد إني أظنك تعبًا نصبًا فأت المنزل فأرح نفسك، فقام الحسن ﵁، فخرج، فقال معاوية لعبد الله بن الزبير: لو افتخرت على الحسن فأنت ابن حواري رسول الله ﷺ وابن عمته ولأبيك في الإسلام نصيب وافر، فقال ابن الزبير: أنا له.
ثم جعل ليلته يطلب الحجج فلما أصبح دخل على معاوية وجاء الحسن ﵁ فحياه معاوية وسأله عن مبيته فقال: خير مبيت وأكرم مستفاض، فلما استوى في مجلسه قال له ابن الزبير: لولا أنك خوار في الحروب غير مقادم ما سلمت لمعاوية الأمر وكنت لا تحتاج إلى اختراق السهول وقطع المراحل والمفاوز تطلب معروفه وتقوم ببابه وكنت حريًا أن لا تفعل ذلك وأنت ابن علي في بأسه ونجدته، فما أدري ما الذي حملك على ذلك؟ أضعف حال أم وحي نحيزه «١»؟ ما أظن لك مخرجًا من هذين الحالين أما والله لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أنني ابن الزبير وأنني لا أنكص عن الأبطال، وكيف لا أكون وجدتي صفية بنت عبد المطلب وأبي الزبير حواري رسول الله ﷺ وأشد الناس بأسًا وأكرمهم حسبًا في الجاهلية، وأطوعهم لرسول الله ﷺ؟
فالتفت الحسن إليه وقال: أما والله لولا أن بني أمية تنسبني إلى العجز عن المقال لكففت عنك تهاونًا بك، ولكن سأبين ذلك لتعلم أني لست بالكليل.
أإياي تعير وعلي تفتخر، ولم تك لجدك في الجاهلية مكرمة أن لا تزوجه
[ ١٣٥ ]
عمتي صفية بنت عبد المطلب فبذخ بها على جميع العرف وشرف بمكانها، فكيف تفاخر من في القلادة وساطتها وفي الأشراف سادتها؟ نحن أكرم أهل الأرض زندًا، لنا المشرق الثاقب والكرم الغالب، ثم تزعم أني سلمت الأمر لمعاوية فكيف يكون؟ ويحك كذلك! وأنا ابن أشجع العرب ولدتني فاطمة سيدة النساء وخيرة الأمهات لم أفعل ويحك ذلك جبنًا ولا فرقًا، ولكنه بايعني مثلك وهو يطلب يثرة ويداجيني المودة فلم أثق بنصرته لأنكم بيت غدر وأهل إحن ووتر، فكيف لا تكون كما أقول؟ وقد بايع أمير المؤمنين أبوك ثم نكث بيعته ونكص على عقبيه واختدع حشية من حشايا رسول الله ﷺ ليضل بها الناس، فلما دلف نحو الأعنة ورأى بريق الأسنة قتل بمضيعة لا ناصر له وأتى بك أسيرًا، وقد وطئتك الكماة بأظلافها والخيل بسنابكها واعتلاك الأشتر فغصصت بريقك واقعيت على عقبيك كالكلب إذا احتوشته الليوث، فنحن ويحك نور البلاد وأملاكها وبنا تفتخر الأمة وإلينا تلقى مقاليد الأزمة، نصول وأنت تختدع النساء ثم تفتخر على بني الأنبياء لم تزل الأقاويل منا مقبولة وعليك وعلى أبيك مردودة. دخل الناس في دين جدي طائعين وكارهين، ثم بايعوا أمير المؤمنين صلوات الله عليه فسار إلى أبيك وطلحة حيث نكثا البيعة وخدعا عرس رسول الله ﷺ فقتلا عند نكثهما بيعته وأتي بك أسيرًا تبصبص بذنبك فناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي وأنا سيدك وأبي سيد أبيك، فذق وبال أمرك، فقال ابن الزبير: أعذرنا يا أبا محمد فإنما حملني على محاورتك هذا واشتهى الإغراء بيننا فهلا إذ جهلت أمسكت عني فإنكم أهل بيت سجيتكم الحلم، قال الحسن: يا معاوية أنظر، أأكعو «١» عن محاورة أحد ويحك؟ أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي؟ انته عني قبل أن اسمك بسمة يتحدث بها الركبان في آفاق البلدان، قال ابن الزبير:
هو لذلك أهل، فقال: معاوية أما إنه قد شفا بلابل صدري منك ورمى فقتلك فبقيت في يده كالحجل في كف البازي يتلاعب بك كيف شاء، فلا أراك تفتخر على أحد بعد هذا. وذكروا أن الحسن بن علي صلوات الله
[ ١٣٦ ]
عليهما دخل على معاوية فقال في كلام جرى من معاوية في ذلك:
فيم الكلام وقد سبقت مبرزا سبق الجواد من المدى والمقوس
فقال معاوية، إياي تعني؟ والله لآتينك بما يعرفه قلبك ولا ينكره جلساؤك، أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أجودها جودًا وأكرمها أبوة وجدودًا وأوفاها عهودًا، أنا ابن من ساد قريشًا ناشئًا. فقال الحسن: أجل! إياك أعني، افعلي تفتخر يا معاوية وأنا ابن ماء السماء وعروق الثرى وابن من ساد أهل الدنيا بالحسب الثاقب والشرف الفائق والقديم السابق وابن من رضاه رضى الرحمن وسخطه سخط الرحمن فهل لك أب كأبي أو قديم كقديمي، فإن تقل: «لا» تغلب، وإن تقل: «نعم» تكذب، فقال: أقول، «لا» تصديقًا لقولك، فقال الحسن ﵁:
ألحق أبلج لا تزيغ سبيله والحق يعرفه ذوو الألباب
قال: وقال معاوية ذات يوم، وعنده أشراف الناس من قريش وغيرهم:
«أخبروني بأكرم الناس أبا وأما وعما وخالًا وخالة وجدًا وجدة» فقام مالك بن عجلان، وأومأ إلى الحسن بن علي صلوات الله عليه، فقال: «هو ذا أبوه علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وعمه جعفر الطيار، وعمته أم هانىء بنت أبي طالب، وخاله القاسم ابن رسول الله ﷺ، وخالته زينب بنت رسول الله ﷺ، وجده رسول الله ﷺ، وجدته خديجة بنت خويلد» . فسكت القوم، ونهض الحسن، فأقبل عمرو بن العاص على مالك فقال: «أحب بني هاشم حملك على أن تكلمت بالباطل»؟ فقال ابن عجلان: «ما قلت إلا حقًا، وما أحد من الناس يطلب مرضاة مخلوق بمعصية الخالق إلّا لم يعط أمنيته في دنياه، وختم له بالشقاء في آخرته، أليس بنو هاشم أنضركم عودًا وأوراكم زندًا، أكذلك هو معاوية»؟ قال: «اللهم نعم» .
قال: واستأذن الحسن بن علي ﵁ على معاوية، وعنده عبد الله بن جعفر وعمرو ابن العاص، فأذن له، فلما أقبل قال عمرو: «قد
[ ١٣٧ ]
جاءكم الفهه العيي الذي كان بين لحييه عقله، فقال عبد الله بن جعفر:
«مه، والله لقد رمت صخرة ململمة تنحط عنها السيول، وتقصر دونها الوعول، لا تبلغها السهام، فإياك والحسن إياك، فإنك لا تزال راتعًا في لحم رجل من قريش، ولقد رميت فما برح سهمك، وقدحت، فما أورى زندك» . فسمع الحسن الكلام، فلما أخذ مجلسه قال: «يا معاوية لا يزال عندك عبد يرتع في لحوم الناس، أما ولله لئن شئت ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الأمور، وتحرج منه الصدور» ثم أنشأ يقول:
أتأمر يا معاوي عبد سهم بشتمي والملا منا شهود
إذا أخذت مجالسها قريش فقد علمت قريش ما تريد
أأنت تظل تشتمني سفاهًا لضغن ما يزول ولا يبيد
فهل لك من أب كأبي تسامي به من قد تسامي أو تكيد
ولا جدّ كجدّي يابن حرب رسول الله إن ذكر الجدود
ولا أم كأمي من قريش إذا ما حصل الحسب التليد
فما مثلي تهكم بابن حرب ولا مثلي ينهنهه الوعيد
فمهلًا لا تهج منا أمورًا يشيب لهولها الطفل الوليد
وذكروا أن عمرو بن العاص قال لمعاوية: «ابعث إلى الحسن بن علي فأمره أن يخطب على المنبر، فلعله يحصر، فيكون في ذلك ما نعيره به» .
فبعث إليه معاوية، فأمره أن يخطب، فصعد المنبر وقد اجتمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب ابن عم النبي، أنا ابن البشير النذير، السراج المينر، أنا ابن من بعثه الله رحمة للعالمين. أنا ابن من بعث إلى الجن والأنس، أنا ابن مستجاب الدعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أول من ينفض رأسه من التراب، أنا ابن أول من يقرع باب الجنة، أنا ابن من قاتلت معه الملائكة ونصر بالرعب من مسيرة شهر»، وأمعن في هذا الباب ولم يزل، حتى أظلمت الأرض على معاوية، فقال: «يا حسن قد
[ ١٣٨ ]
كنت ترجو أن تكون خليفة ولست هناك»، قال الحسن: «إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله وعمل بطاعته، وليس الخليفة من دان بالجور، وعطل السنن، واتخذ الدنيا أبًا وأمًا، ولكن ذلك ملك أصاب ملكًا يمتع به قليلًا ويعذب بعده طويلًا، وكان قد انقطع عنه واستعجل لدته وبقيت عليه التبعة؟
فكان كما قال الله تعالى: «وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين» . ثم انصرف، فقال معاوية لعمرو: «ما أردت إلا هتكي. ما كان أهل الشام يرون أحدًا مثلي، حتى سمعوا من الحسن ما سمعوا» .
قال: وقدم الحسن بن علي ﵁ على معاوية، فلما دخل عليه، وجد عنده عمرو ابن العاص، ومروان بن الحكم، والمغيرة بن شعبة، وصناديد قومه ووجوه أهل بيته، ووجوه أهل اليمن وأهل الشام، فلما نظر إليه معاوية، أقعده على سريره، وأقبل عليه بوجهه يريه السرور به وبقدومه، فحسده مروان وقد كان معاوية قال لهم: «لا تحاوروا هذين الرجلين، فقد قلداكم العار عند أهل الشام» - يعني الحسن بن علي ﵁، وعبد الله بن عباس- فقال مروان: «يا حسن، لولا حلم أمير المؤمنين وما قد بناه له آباؤه الكرام من المجد والعلى، ما أقعدك هذا المقعد، ولقتلك، وأنت لهذا مستحق بقودك الجماهير إلينا، فلما قاومتنا وعلمت ألا طاقة لك بفرسان أهل الشام، وصناديد بني أمية، أذعنت بالطاعة، واحتجزت بالبيعة، وبعثت تطلب الأمان. أما والله لولا ذلك لأراق دمك، ولعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى، فاحمد الله إذ ابتلاك بمعاوية، وعفا عنك بحلمه، ثم صنع بك ما ترى» . فنظر إليه الحسن وقال: «ويلك يا مروان، لقد تقلدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها. والمخاذلة عند مخالطتها. هبلتك أمك. لنا الحجج البوالغ، ولنا عليكم، إن شكرتم، النعم السوابغ، ندعوكم إلى النجاة، وتدعوننا إلى النار، فشتان ما بين المنزلتين. تفتخر ببني أمية وتزعم أنهم صبر في الحرب، أسد عند اللقاء، ثكلتك الثواكل أولئك البهاليل السادة، والحماة الذادة، والكرام القادة، بنو عبد المطلب. أما والله لقد رأيتهم أنت، وجميع
[ ١٣٩ ]
من في المجلس، ما هامتهم الأهوال، ولا حادوا عن الأبطال، كالليوث الضارية الباسلة الحنقة، فعندها وليت هاربًا وأخذت أسيرًا، فقلدت قومك العار، لأنك في الحروب خوار، أتهرق دمي؟ فهلا أهرقت دم من وثب على عثمان في الدار، فذبحه كما يذبح الحمل وأنت تثغو ثغاء النعجة، وتنادي بالويل والثبور كالمرأة الوكعاء، ما دافعت عنه بسهم، ولا منعت دونه بحرب، قد ارتعدت فرائصك، وغشي بصرك، واستغثت كما يستغيث العبد بربه، فأنجيتك من القتل، ثم جعلت تبحث عن دمي، وتحض على قتلي، ولو رام ذلك معاوية معكم، لذبح كما ذبح ابن عفان، وأنت معه أقصر يدًا، وأضيق باعًا، وأجبن قلبًا من أن تجسر على ذلك، ثم تزعم أني ابتليت بحلم معاوية؟ أما والله لهو أعرف بشأنه، وأشكر لنا إذ وليناه هذا الأمر، فمتى بدا له، فلا يغضين جفنه على القذى معك، فو الله لأعنفن أهل الشام بجيش يضيق فضاؤه، ويستأصل فرسانه، ثم لا ينفعك عند ذلك الروغان والهرب، ولا تنتفع بتدريجك الكلام، فنحن من لا يجهل آباؤنا الكرام القدماء الأكابر، وفروعنا السادة الأخيار الأفاضل، انطق إن كنت صادقًا» . فقال عمرو:
«ينطق بالخنا وتنطق بالصدق»، ثم أنشأ يقول:
قد يضرط العير والمكواة تأخذه لا يضرط العير والمكواة في النار
«ذق وبال أمرك يا مروان» فأقبل عليه معاوية فقال: «قد نهيتك عن هذا الرجل، وأنت تأبى إلا انهماكا فيما لا يعنيك، أربع على نفسك فليس أبوه كأبيك، ولا هو مثلك. أنت ابن الطريد الشرير وهو ابن رسول الله ﷺ الكريم، ولكن رب باحث عن حتفه بظلفه» . فقال مروان: «ارم دون بيضتك، وقم بحجة عشيرتك»، ثم قال لعمرو: «لقد طعنك أبوه فوقيت نفسك بخصيتيك، ومنها ثنيت أعنتك، وقام مغضبًا» . فقال معاوية: «لا تجار البحار فتغمرك، ولا الجبال فتقهرك، واسترح من الاعتذار» .
قال: ولقي عمرو بن العاص، الحسن بن علي ﵉ في الطواف، فقال: «يا حسن. أزعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك؟ فقد رأيت الله أقامه بمعاوية، فجعله ثابتًا بعد ميله، وبينًا بعد خفائه، أفيرضى الله
[ ١٤٠ ]
قتل عثمان، أم من الحق أن تدور بالبيت كما يدور الجمل بالطحين؟ عليك ثياب كغرقيء البيض، وأنت قاتل عثمان، والله إنه لألم للشعث، وأسهل للوعث، إن يوردك معاوية حياض أبيك» . فقال الحسن صلوات الله عليه:
«إن لأهل النار علامات يعرفون بها: وهي الإلحاد في دين الله، والموالاة لأعداء الله، والانحراف عن دين الله، والله إنك لتعلم أن عليًا لم يتريث في الأمر، ولم يشك في الله طرفة عين، وأيم الله لتنتهين يا بن العاص، أو لأقرعن قصتك- يعني جبينه- بقراع وكلام، وإياك والجراءة عليّ فإني من عرفت لست بضعيف المغمز، ولا بهش المشاشة- يعني العظام- ولا بمرىء المأكلة، وإني لمن قريش كأوسط القلادة، معرق حسبي لا أدعى لغير أبي، وقد تحاكمت فيك رجال من قريش، فغضب عليك ألأمها حسبًا، وأعظمها لعنة، فإياك عني! فإنما أنت نجس، ونحن أهل بيت الطهارة، أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيرًا» .
قال: واجتمع الحسن بن علي صلوات الله عليهما، وعمرو بن العاص، فقال الحسن: «قد علمت قريش بأسرها أني منها في عز أرومها لم أطبع على ضعف، ولم أعكس على خسف، أعرف نسبي، وأدعى لأبي» . فقال عمرو: «وقد علمت قريش أنك ابن أقلها عقلًا، وأكثرها جهلًا، وإن فيك خصالًا لو لم يكن فيك إلا واحدة منها، لشملك خزيها، كما شمل البياض الحائك، وايم الله لئن لم تنته عما أراك تصنع، لأكبسن لك حافة كجلد العائط، إذا اعتاطت رحمها، فما تحمل، أرميك من خللها بأحر من وقع الأثافي، أعرك منها أديمك عرك السلعة، فإنك طالما ركبت المنحدر، ونزلت في أعراض الوعر، التماسًا للفرقة وإرصادًا للفتنة، ولن يزيدك الله فيها إلا فظاعة» . فقال الحسن: «أما والله لو كنت تسمو بحسبك، وتعمل برأيك، ما سلكت فج قصد، ولا حللت راية مجد، أما والله لو أطاعنا معاوية، لجلعك بمنزلة العدو الكاشح، وإنه طال ما تأخر شأوك، واستسر داؤك، وطمح بك الرجاء إلى الغاية القصوى التي لا يروق بها غصنك، ولا يخضر منها رعيك، أما والله لتوشكن بابن العاص أن تقع
[ ١٤١ ]
بين لحيي ضرغام، ولا ينجيك منه الروغان إذا التقت حلقتا البطان.
ابن المنذر عن أبيه الشعبي عن ابن عباس أنه دخل المسجد وقد سار الحسين بن علي ﵁ إلى العراق، فإذا هو بابن الزبير في جماعة من قريش، قد استعلاهم بالكلام، فجاء ابن عباس فضرب بيده على عضد ابن الزبير، وقال: أصبحت والله كما قال الشاعر:
يا لك من قنبرة بمعمر خلا لك الجو فبيضي وأصفري
ونقري ما شئت أن تنقّري قد ذهب الصّيّاد عنك فابشري
لا بدّ من أخذك يومًا فاصبري «١»
خلت الحجاز من الحسين بن علي، وأقبلت تهدر في جوانبها، فغضب ابن الزبير وقال: «والله إنك لترى أنك أحق بهذا من غيرك»، فقال ابن عباس: «إنما يرى ذلك من كان في حال شك، وأنا من ذلك على يقين»، قال: «وبأي شيء أستحق عندك أنك بهذا الأمر أحق مني»؟
فقال ابن عباس: «لأنا أحق بمن يدل بحقه، وبأي شيء أستحق عندك أنك أحق بها من سائر العرب إلا بنا؟ فقال ابن الزبير: «أستحق عندي أني أحق بها منكم لشرفي عليكم قديمًا وحديثًا»، فقال: «أنت أشرف أم من شرفت به»؟ فقال: «إن من شرفت به زادني شرفًا إلى شرفي»، قال: «فمني الزيادة أم منك»؟ فتبسم ابن عباس، فقال ابن الزبير: «يابن عباس، دعني من لسانك هذا الذي تقلبه كيف شئت، والله يا بني هاشم لا تحبوننا أبدًا» . قال ابن عباس: «صدقت، نحن أهل بيت مع الله، لا نحب من أبغضه الله»، قال: «يابن عباس، أما ينبغي لك أن تصفح عن كلمة واحدة «إنما يصفح عمن أقر، وأما من هر فلا، والفضل لأهل الفضل»، فقال ابن الزبير: «فأين الفضل»؟ قال: «عند أهل البيت لا تصرفه عن أهله فتظلم، ولا تضعه في غير أهله فتندم» . قال ابن الزبير:
«أفلست من أهله»؟ قال: «بلى إن نبذت الحسد، ولزمت الجدد» .
[ ١٤٢ ]
وانقضى حديثهما.
وروي عن ابن عباس أنه قال: قدمت على معاوية وقد قعد على سريره وجمع من بني أمية ووفود العرب عنده، فدخلت، وسلمت، وقعدت فقال:
«يابن عباس من الناس»؟ فقلت: «نحن»، قال: «فإذا غبتم»، قلت:
«فلا أحد»، قال: «فإنك ترى إني قعدت هذا المقعد بكم»، قلت: «نعم فيمن قعدت»؟ قال: «بمن كان مثل حرب بن أمية»، قلت: «من كفأ عليه إناءه وأجاره بردائه» .
قال: فغضب وقال: «أرحني من شخصك شهرًا، فقد أمرت لك بصلتك، وأضعفتها لك»، فلما خرج ابن عباس، قال لخاصته: «ألا تسألونني ما الذي أغضب معاوية»؟ قالوا: «بلى، فقل بفضلك»، قال:
«إن أباه حربًا لم يلق أحدًا من رؤساء قريش في عقبة ولا مضيق إلا تقدمه حتى يجوزه، فلقيه يومًا رجل من تميم في عقبة فتقدمه التميمي»، فقال حرب: «أنا حرب بن أمية، فلم يلتفت إليه وجازه، فقال: موعدك مكة، فخافه التميمي، ثم أراد دخول مكة، فقال: «من يجيرني من حرب بن أمية»؟ فقيل له: «عبد المطلب»، فقال: «عبد المطلب أجل قدرًا من أن يجير على حرب» . فأتى ليلًا إلى دار الزبير بن عبد المطلب، فدق بابه فقال الزبير لعبده: قد جاءنا رجل إما طالب قرى، وإما مستجير، وقد أجبناه إلى ما يريد، ثم خرج الزبير إليه، فقال التميمي:
لا قيت حربًا في الثنية مقبلًا والصبح أبلج ضوءه للساري
فدعا بصوتٍ واكتنى ليروعني وسما علي سمو ليثٍ ضاري
فتركته كالكلب ينبح ظله وأتيت قرم معالم وفخار
ليثًا هزبرًا يستجار بعزه رحب المباءة مكرمًا للجار «١»
ولقد حلفت يمكّة وبزمزمٍ والبيت ذي الأحجار والأستار
إن الزبير لما نعي من خوفه ما كبر الحجاج في الأمصار
[ ١٤٣ ]
فقدمه الزبير وأجاره، ودخل به المسجد، فرآه حرب فقام إليه فلطمه، فحمل عليه الزبير بالسيف فولى هاربًا يعدو حتى دخل دار عبد المطلب فقال: «أجرني من الزبير»، فأكفأ عليه جفنة كان هاشم يطعم فيها الناس، فبقي تحتها ساعة ثم قال له: أخرج، قال: «وكيف أخرج وعلى الباب تسعة من بنيك قد احتبوا بسيوفهم»؟ فألقى عليه رداء كان كساه إياه سيف بن ذي يزن، له طرتان خضروان، فخرج عليهم فعلموا أنه قد أجاره عبد المطلب، فتفرقوا عنه» .
قال: وحضر مجلس معاوية عبد الله بن جعفر، فقال عمرو بن العاص: «قد جاءكم رجل كثير الخلوات بالتمني، والطربات بالتغني، محب للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، سدود عن الشبان، ظاهر الطيش، رخي العيش، أخاذ بالسلف، منفاق بالسرف»، فقال ابن عباس:
«كذبت، والله، أنت، وليس كما ذكرت، ولكنه لله ذكور، ولنعمائه شكور، وعن الخنا زجور، جواد كريم، سيد حليم، إذا رمى أصاب، وإذا سئل أجاب، غير حصر ولا هياب؛ ولا عيابة مغتاب؛ حل من قريش في كريم النصاب كالهزبر الضرغام، الجريء المقدام، في الحسب القمقام، ليس بدعي ولا دنيء، لا كمن اختصم فيه من قريش شرارها، فغلب عليه جزارها، فأصبح ألأمها حسبًا، وأدناها منصبًا ينوء منها بالذليل، ويأوي منها إلى القليل، مذبذب بين الحيين كالساقط بين المهدين، لا المضطر فيهم عفروه، ولا الظاعن عن عنهم فقدوه، فليت شعري بأي قدر تتعرض للرجال، وبأي حسب تعتد به عند النضال؟ أبنفسك، وأنت الوغد اللئيم، والنكد الذميم، والوضيع الزنيم؟ أم بمن تنمى إليهم، وهم أهل السفه والطيش، والدناءة في قريش؟ لا بشرف في الجاهلية شهروا، ولا بقديم في الإسلام ذكروا، جعلت تتكلم بغير لسانك، وتنطق بالزور في غير أقرانك، والله لكان أبين للفضل، وأبعد للعدوان، أن ينزلك معاوية منزلة البعيد السحيق، فإنه طالما سلس داؤك، وطمح بك رجاؤك إلى الغاية القصوى التي لم يخضر فيها رعيك، ولم يورق فيها غصنك» . فقال عبد الله
[ ١٤٤ ]
بن جعفر: «أقسمت عليك لما أمسكت، فإنك عني ناضلت، ولي فاوضت»، فقال ابن عباس: «دعني والعبد فإنه قد كان يهدر خاليا، ولا يجد ملاحيا، وقد أتيح له ضيغم شرس، للأقران مفترس، وللأرواح مختلس»، فقال ابن العاص: «دعني يا أمير المؤمنين أنتصف منه، فو الله ما ترك شيئًا» . قال ابن عباس: «دعه فلا يبقى المبقي إلا على نفسه» . فو الله إن قلبي لشديد، وإن جوابي لعتيد، وإني لكما قال نابغة بني ذبيان:
وقدمًا قد قرعت وقارعوني فما نزر الكلام ولا شجاني
يصد الشاعر العراف عني صدود البكر عن قرم هجان
قال وبلغ عاثمة بنت عاثم ثلب معاوية وعمرو بن العاص لبني هاشم، فقالت لأهل مكة أيها الناس، إن بني هاشم سادت فجادت، وملكت وملكت، وفضلت وفضلت، واصطفت واصطفيت، ليس فيها كدر عيب ولا أفك ريب، ولا خسروا طاغين ولا خازين، ولا نادمين، ولا هم من المغضوب عليهم ولا الضالين، إن بني هاشم أطول الناس باعًا، وأمجد الناس أصلًا، وأعظم الناس حلمًا، وأكثر الناس علمًا وعطاءً، منا عبد مناف المؤثر، وفيه يقول الشاعر:
كانت قريش بيضةً فتفلقت فالمح خالصها لعبد مناف
وولده هاشم الذي هشم الثريد لقومه، وفيه يقول الشاعر:
عمر العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف
ومنا عبد المطلب الذي سقينا به الغيث، وفيه يقول أبو طالب:
ونحن سني المحل قام شفيعنا بمكة يدعو والمياه تغور
وابنه أبو طالب عظيم قريش، وفيه يقول الشاعر:
آتيته ملكًا فقام بحاجتي وترى العليج خائبًا مذموما
ومنا العباس بن عبد المطلب، أردفه رسول الله ﷺ وأعطاه ماله، وفيه
[ ١٤٥ ]
يقول الشاعر:
رديف رسول الله لم نر مثله ولا مثله الماجد البر الوصول
ومنا جعفر ذو الجناحين، أحسن الناس حالًا، وأكملهم كمالًا، ليس بغدار ولا جبان، أبدله الله بكلتا يديه جناحين يطير بهما في الجنة، وفيه يقول الشاعر:
هاتوا كجعفرنا ومثل علينا كانا أعز الناس عند الخالق
ومنا أبو الحسن علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه، أفرس بني هاشم، وأكرم من احتبى وانتعل، وفيه يقول الشاعر:
علي ألف الفرقان صحفًا ووالى المصطفي طفلًا صبيا
ومنا الحسن بن علي ﵇، سبط رسول الله ﷺ، وسيد شباب أهل الجنة، وفيه يقول الشاعر:
يا أجل الأنام يابن الوصي أنت سبط النبي وابن علي
ومنا الحسين بن علي حمله جبريل ﵇ على عاتقه، وكفاه بذلك فخرًا، وفيه يقول الشاعر:
حب الحسين ذخيرةٌ لمحبه يا رب فاحشرني غدًا في حزبه
يا معشر قريش والله ما معاوية كأمير المؤمنين علي، ولا هو كما يزعم هو والله شانىء رسول الله ﷺ، وإني آتية معاوية وقائلة له ما يعرق منه جبينه، ويكثر منه عويله وأنينه»، فكتب عامل معاوية إليه بذلك، فلما بلغه أنها قربت منه، أمر بدار ضيافة فنظفت، وألقى فيها فرش، فلما قربت من المدينة، استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه، فلما دخلت المدينة، أتت دار أخيها عمرو بن عائم، فقال لها يزيد: «إن أبا عبد الرحمن يأمرك أن تنتقلي إلى دار ضيافته»، وكانت لا تعرفه، فقالت: «من أنت كلأك الله»؟ قال:
«إني يزيد بن معاوية»، قالت: «فلا رعاك الله يا ناقص لست بزائد»، فتغير لون يزيد، وأتى أباه فأخبره فقال: «هي أسن قريش وأعظمهم
[ ١٤٦ ]
حلمًا»، قال يزيد: «كم تعد لها»؟ قال: «كانت تعد على عهد رسول الله ﷺ أربعمائة عام، وهي من بقية الكرام»، فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلم عليها فقالت: «على المؤمنين السلام، وعلى الكافرين الهوان والملام»، ثم قالت: «أفيكم عمرو بن العاص» ! قال عمرو: «ها أناذا»، قالت: «أنت تسب قريشًا وبني هاشم، وأنت أهل السب، وفيك السب، وإليك يعود السب؛ يا عمرو إني والله عارفه بك وبعيوبك، وعيوب أمك، وإني اذكر ذلك: ولدت من أمة سوداء، مجنونة حمقاء، تبول من قيامها، وتعلوها اللئام، وإذا لامسها الفحل فكان نطفتها أنفذ من نطفته، ركبها في يوم واحد أربعون رجلًا، وأما أنت فقد رأيتك غاويًا غير مرشد، ومفسدًا غير مصلح، والله لقد رأيت فحل زوجتك على فراشك، فما غرت ولا أنكرت، وأما أنت يا معاوية فما كنت في خير، ولا ربيت في نعمة، فما لك ولبني هاشم؟ نساؤك كنسائهم؟ أم أعطى أمية في الجاهلية والإسلام ما أعطى هاشم؟ وكفى فخرا برسول الله»، فقال معاوية: «أيتها الكبيرة أنا كاف عن بني هاشم»، قالت: «فإني أكتب عليك كتابًا فقد كان رسول الله ﷺ دعا ربه أن يستجيب لي خمس دعوات، أفأجعل تلك الدعوات كلها فيك»؟ فخاف معاوية فحلف لا يسب بني هاشم أبدًا، فهذا ما كان بين معاوية وبين هاشم من المفاخرة.
قال: وكان علي بن عبد الله بن عباس عند عبد الملك بن مروان، فاخذ عبد الملك يذكر أيام بني أمية، فبينا هو على ذلك، نادى المنادي بالآذان، فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله»، فقال علي:
هذي المكارم لا قعبان من لبن شيبًا بماء، فعادا بعد أبوالا
فقال عبد الملك: الحق في هذا أبين من أن يكابر.
قال علي بن محمد النديم: دخلت على المتوكل وعنده الرضي فقال:
«يا علي من أشعر الناس في زماننا»؟ قلت: «البحتري»، قال:
[ ١٤٧ ]
«وبعده»، قلت: «مروان بن أبي حفصة عبدك»، فالتفت إلى الرضي فقال: «يابن عم، من أشعر الناس»؟ قال: «علي بن محمد العلوي»، قال: «وما تحفظ من شعره»؟ قال قوله:
لقد فاخرتنا من قريش عصابةٌ بمط خدودٍ وامتداد أصابع
فلما تنازعنا القضاء قضى لنا عليهم بما نهوى نداء الصوامع
فقال المتوكل: «ما معنى قوله: نداء الصوامع»؟ قال: «الشهادة»، قال: «وأبيك أنه أشعر الناس» . ومما قيل في هذا المعنى من الشعر قوله أيضًا:
بلغنا السماء بأنسابنا ولولا السماء لجزنا السماء
فحسبك من سؤدد أننا بحسن البلاء كشفنا البلاء
إذا ذكر الناس كنا ملوكًا وكانوا عبيدًا وكانوا إماء
يطيب الثناء لآبائنا وذكر علي يطيب الثناء
هجاني رجالٌ ولم أهجهم أبى الله لي أن أقول الهجاء
وقال آخر:
وإني من القوم الذين عرفتهم إذا مات منهم سيدٌ قام صاحبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
نجوم السماء كلما انقض كوكبٌ بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبه
وقال آخر:
خطباء حين يقول قائلهم بيض الوجوه مقاولٌ لسن
لا يفطنون لعيب جارهم وهم لحفظ جوارهم فطن
وضده: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تفتخروا بآبائكم في الجاهلية فو الذي نفسي بيده لما يد حرج الجعل برجله خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية» . قال: وكان الحسن البصري يقول:
[ ١٤٨ ]
«يا ابن آدم، لم تفتخر، وإنما خرجت من سبيل بولين نطفة مشجت بأقذار» . وقال بعضهم لرجل: «أتفتخر؟ ويحك وأولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بينهما وعاء عذرة، فما هذا الافتخار»؟ وروي عن ابن عباس، أنه قال: «الناس يتفاضلون في الدنيا بالشرف والبيوتات والإمارات والغنى والجمال والهيئة والمنطق، ويتفاضلون في الآخرة بالتقوى واليقين، وأتقاهم أحسنهم يقينًا، وأزكاهم عملًا، وأرفعهم درجة» . وقيل في ذلك:
يزين الفتى في الناس صحة عقله وإن كان محظورًا عليه مكاسبه
وشين الفتى في النّاس قيّلة عقله وإن كرمت آباؤه ومناسبه
وقيل لعامر بن قيس: «ما تقول في الإنسان»؟ قال: وما أقول فيمن إن جاع ضرع وإن شبع بغى وطغى» . وقال بعض الحكماء: «لا يكون الشرف بالنسب. ألا ترى أن أخوين لأب وأم يكون أحدهما أشرف من الآخر، ولو كان ذلك من قبل النسب لما كان لأحد منهم على الآخر فضل، لأن نسبهما واحد، ولكن ذلك من قبل الأفعال، لأن الشرف إنما هو بالفضل لا بالنسب» . قال الشاعر:
أبوك أبي والجد لا شك واحدٌ ولكننا عودان آس وخروع
وبلغنا عن المدائني قال: ليس السؤدد بالشرف، وقد ساد الأحنف بن قيس بحلمه، وحصين بن المنذر برأيه، ومالك بن مسمع بمحبته في العامة، وسويد بن منجوف بعطفه على أرامل قومه، وساد المهلب بن أبي صفرة بجميع هذه الخصال. وأما الشرف بالدين فالحديث المعروف عن النبي ﷺ انه أتاه أعرابي، فقال: «بأبي أنت وأمي، يا رسول الله، من أكرم الناس حسنًا»؟ قال: «أحسنهم خلقًا وأفضلهم تقوى»، فانصرف الأعرابي، فقال: «ردوه»، ثم قال: «يا أعرابي، لعلك أردت أكرم الناس نسبًا»، قال: «نعم يا رسول الله»، قال: «يوسف الصديق، صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله فأين مثل
[ ١٤٩ ]
هؤلاء الآباء في جميع الدنيا ما كان مثلهم ولا يكون مثلهم أحد أبدًا»، وقال الشاعر في ذلك:
ولم أر كالأسباط أبناء والدٍ ولا كأبيهم والدًا حين ينسب
قال: ودخل عيينة بن حصن الفزاري على رسول الله ﷺ فانتسب له، فقال: «أنا ابن الأشياخ الأكارم»، فقال ﷺ: «أنت إذًا يوسف صديق الرحمن ﵇ ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله» . وقال ﷺ: «خير البشر آدم، وخير العرب محمد، وخير الفرس سلمان الفارسي، وخير الروم صهيب، وخير الحبشة بلال» .
قال: وسمع عمر بن الخطاب، وهو خليفة، صوتًا ولفظًا بالباب فقال بعض من عنده: «اخرج فانظر من كان من المهاجرين الأولين فأدخله»، فخرج الرسول فوجد بلالًا وصهيبا وسلمان فأدخلهما، وكان أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو في عصابة من قريش جلوسًا على الباب فقال: «يا معشر قريش، أنتم صناديد العرب وأشرافها وفرسانها بالباب، ويدخل حبشي وفارسي ورومي»، فقال سهيل: «يا أبا سفيان أنفسكم فلوموا، ولا تذموا أمير المؤمنين، دعي القوم فأجابوا، ودعيتم فأبيتم، وهم يوم القيامة أعظم درجات واكثر تفضيلًا»، فقال أبو سفيان: «لا خير في مكان يكون فيه بلال شريفًا» .
فأما صناعات الأشراف، فإنه روى أن أبا طالب كان يعالج العطر والبز، وأما أبو بكر وعمر وطلحة وعبد الرحمن بن عوف فكانوا بزازين، وكان سعد بن أبي وقاص يعذق النخل، وكان أخوه عتبة نجارًا، وكان العاص بن هشام أخو أبي جهل بن هشام جزارًا، وكان الوليد ابن المغيرة حدادا، وكان عقبة بن أبي معيط خمارًا، وكان عثمان بن طلحة صاحب مفتاح البيت خياطا، وكان أبو سفيان بن حرب يبيع الزيت والأدم، وكان أمية بن خلف يبيع البرم، وكان عبد الله بن جدعان نخاسًا، وكان العاص بن وائل يعالج الخيل والإبل، وكان جرير بن عمرو وقيس أبو الضحاك بن قيس، ومعمر بن
[ ١٥٠ ]
عثمان، وسيرين بن محمد بن سيرين، كانوا كلهم حدادين، وكان المسيب أبو سعيد زياتًا، وكان ميمون بن مهران بزازًا، وكان مالك بن دينار وراقا، وكان أبو حنيفة صاحب الرأي خزازا، وكان مجمع الزاهد حائكًا.
قيل: اتخذ يزيد بن المهلب بستانًا في داره بخراسان، فلما ولى قتيبة ابن مسلم، جعله لإبله، فقال مرزبان مرو: «هذا كان بستانًا وقد اتخذته لإبلك»، فقال قتيبة: «أبي كان اشتربان وكان أبو يزيد بستانبان فمنها صار ذلك كذلك» .
قال: وذكروا أن المأمون ذكر أصحاب الصناعات فقال: السوقة سفل، والصناع أنذال، والتجار بخلاء، والكتاب ملوك على الناس، والناس أربعة: أصحاب الحرف وهي: أمارة، وتجارة، وصناعة، وزراعة، فمن لم يكن منهم صار عيالًا عليهم.
[ ١٥١ ]