قال الكسروي: كتب بلاش بن فيروز إلى ملك الهند يخطب ابنته، فلم ينعم له، ورد رسوله خائبًا، فتجشم، وسار إليه في خيله ورجله، فلما اصطفت الخيلان، دعاه بلاش إلى المبارزة، وقال: «إنه عار على الملوك أن يوردوا جنودهم الهلاك، ويفوزوا بأنفسهم» . فبرز إليه ملك الهند، فاختلفت بينهما ضربتان، فمنعت «بلاشًا» حصانه درعه، وضرب بلاش الهندي على عاتقه، فقطع حبله، حتى انتهى السيف إلى ثندؤته، فخر ميتًا، وانهزمت خيله، فافتتح بلاش مدينته، وأمر ثقاته، فأحدقوا بقصر ابنة الملك، فلما احتوى على أمواله، بعث إلى ابنة الملك أن تأتيه، فقالت للرسول، وهي تبكي «قل للملك المزين بالحلم، المحبب في رعيته، السعيد بالظفر، إنك قد ملكتني، وصرت ممن يستحق عطفك ورأفتك، فإن رأيت أن تطيب نفسًا عن النظر إلي، حتى ترجع إلى دار مملكتك فافعل» .
فانصرف الرسول إلى بلاش، فأخبره فأجابها إلى ما سألت، وسار وحملها حتى قدم دار المملكة، فهيأ لها مقصورة مفردة عن سائر حرمه، فأنزلها فيها، وأمر لها بعتيق الديباج، وفاخر الجوهر، وإسفاط من الذهب، والصلات والجوائز والأثاث، ما لم يأمر لغيرها من نسائه؛ واستأذنها في الدخول عليها، فأذنت له، فدخل عليها، وأقام عندها سبعة أيام ولياليها عجبا منه بها، لا يحير إليها جوابًا، ولا يخف عن صدر مجلسها؛ فخرج من عندها، اليوم الثامن، وقد وقع في قلبه ما أظهرت من خفة مجلسه عليها، ولبثت أشهرًا لا يدخل عليها، فقالت يومًا لحاضنتها: «ما أعجب أمر الملك! بذل دمه في طلبي، حتى إذا ظفر سلا؟؟؟؟ انطلقى حتى تسألي
[ ٢٢٣ ]
عن عدة نسائه، وأيهن أكرم عليه، وأتيني بعلم ذلك» .
فانطلقت حتى عرفت ذلك، وانصرفت فقالت: «إني وجدت له أربعمائة امرأة ما بين أمة وحرة، وليس فيهن أكرم عليه من ابنه سائس من سواسه، أعجبته، فتزوج بها» . فقالت: «انطلقي إليها، وأقرئيها مني السلام، وأعلميها أني أريد مؤاخاتها، والانقطاع إليها» .
فانطلقت الحاضنة إلى ابنة السائس، فأبلغتها رسالة مولاتها، فقالت لها: «أقرئيها مني السلام، وأعلميها أني قد أحببتها وأجبتها إلى ما سألت، فتصير إليّ» . فانصرفت، فأخبرتها بما قالت؛ فتهيأت بأحسن هيئة، وأقبلت إليها، ودخلت عليها، فرفعت مجلسها وأقبلت عليها، فذكرت حبها لها، ورغبتها في مواصلتها، فردت عليها ابنة السائس أحسن الرد، وأعلمتها سرورها بذلك، ثم تحدثتا ساعة؛ وانصرفت، وجعلت الهندية تأتيها غبًا، وتظهر الأنس؛ فلما أنست بها، قالت لها: «إنك قد استلبت قلب الملك، وقهرت جميعنا بفضلك، وليس لواحدة منا نصيب، فأعلمينا الأمر الذي فضلتنا به لنزداد سرورًا بما أوتيت، ومحبة لك، والانقطاع إليك» .
قالت: «إني لما عرفت ضعف نسبي، وقلة جمالي، علمت أنه لا يرجع الملك مني إلى شيء أحظى به عنده مثل المؤاتاة في الخلوة، وأن أبسطه إذا هم بالحركة، وأستميل قلبه باللطف وفضل الخدمة. فلما رآني على ذلك مستمرة، ورأى من سائر نسائه أنفة الأكفاء، وزهو الجمال، وخيلاء الملك، وعلمت أني إن أخذت ما أخذته، مع خمول نسبي، وقلة جمالي، ودقة خطري، لا يليق بي مثل الذي يليق بهن، ففضلني على جميع نسائه بذلك» .
فلما سمعت ابنة الملك ذلك، علمت أن قلوب الرجال لا تستمال إلا بالمؤاتاة، وسرعة الإجابة في الباه عند المشغلة؛ فعزمت أن تجعل ذلك عدّة لاستعطاف قلب الملك. فانصرفت إلى قصرها، وقالت لبعض جواريها:
«اذهبي إلى فلانة (تعني ابنة السائس)، فإن رأيت الملك عندها فأعلميها أني عليلة من وجع عرض لي» . فانطلقت الجارية، فإذا الملك عندها،
[ ٢٢٤ ]
فأخبرتها بذلك، فرق الملك لها، وذكر غربتها، وقتله أباها، فقال لابنة السائس: «ما ترين في إتيانها»؟ فقالت: «أيها الملك؟ إنه ليس في نسائك من لها عندي مثل منزلتها فصر إليها، فإنها غريبة قد فارقت أهلها، وهي في موضع رحمة» .
فقام الملك، حتى دخل عليها، وانتهى إلى باب مجلسها، فقامت إليه تمشي بأحسن هيئتها، متكسرة في حليها، وزينتها عبقةٌ بطيبها وعطرها، فقبلت بين عينيه، وأخذت بيده حتى أجلسته في صدر فراشها، وجعلت تقبل يديه ورجليه، ضاحكةً إليه، مظهرةً السرورو به. فجذبها إلى نفسه ودعاها إلى المضاجعة، فأتته؛ ولم يرد في الخلوة شيئًا إلا أجابته إليه؛ فلما قضى حاجته نازعها إلى المحادثة، فقال: «أين ما ذكر رسولك من وجعك»؟
قالت: «يا سيدي، كنت متوجعة لفراقك حتى شفاني لقاؤك، وقلت ذلك لما نالني من تباريح الشوق إليك وطول صدودك وسلوتك» .
ثم أخذ معها في المداعبة، وأقام عندها سبعة أيام، فبينما هما يتلاعبان ويتذاكران ويتعانقان، إذ دخلت جارية لابنة السائس، فحيت الملك بتحية الملوك، ثم قالت للهندية: «إن سيدتي (تعني ابنة السائس) تقول:
قد اجتمع فيك ثلاث خصال: الأولى الغدر بمعلمتك، والثانية فضل تطاولك، والثالثة كفران النعمة للمنعم، وإني عن قريب رادتك من الملك إلى غصص الغيظ» .
فأفحمتها، وهملت «١» عيناها، ونظرت إلى الملك كالمستغيثة به فقال لها الملك: «يا حبيبتي؟ ما تنكرين من أمتك؟ قد وهبتها لك وجميع ما تملك» . فتجلي عنها غمها، فقالت لرسولتها: «انطلقي فأعلميها إن الملك قد وهبها وما تملك لي، وقولي لها: أرجعك فحش نفسك إلى لؤم حسبك، وإهمال أدبك. ائتيني، الساعة، بصغار المذلة، ورقة العبودية» .
فلما أبلغتها الرسول ذلك، أقبلت فدخلت عليها فحيت الملك وقامت
[ ٢٢٥ ]
بين يديه؛ فقالت لها الهندية: «ما كان أعظم زهوك في رسالتك»؟ قالت:
«يا سيدتي، أتأذنين لي في الكلام»؟ قالت: «تكلمي»، قالت: «أيتها السيدة، لست متوجهة إليك بشيء هو أملك بك من حلمك، ولا أعطف علي من فضلك؛ ولم يظلم من رفع فوقي من هو أفضل مني، وكل فرع يرجع إلى أصله، وكل زهر ينسب إلى سنخه» فقالت: «صدقت، فدعي عنك كلام الأدب، فقد ملكتك على رغم أنفك، وأنا مزوجتك من فلان خادمي، فليس لك فضل عليه» . قالت ابنة السائس: «من اعتاد معالي الأمور، لم تطب نفسه بأسافلها، ومن صاحب العظماء، أبت غريزته الأدنياء؛ وإنما ترقبت عطفك، ورجوت حسن نظرك؛ فأما إذا عزمت على هذا، فقد طاب الموت، وما الذي استبقي منك»؟
ثم قالت: «أيها الملك، إن جذل المسرة منك لا يستقر ويقع موقعه إلا بعد المخالفة عندك. فاحترس من هذه الهندية، فإنها لا تؤمن عليك، لأنها ليست من جنسك فيعطفها عليك الرحم، ولا من أهل مملكتك، فتعرف تطولك عليها. وإنما هي شبيهة بموتورةٍ قد قتلت أباها، وهدمت عزها، فاحترس منها، ولا يلهينك موقعها من قلبك، فإنها متى احتالت في قتلك، لم يكن في أيدينا من الظفر إلا قتلها، كما كان من أمر الثعلب وعظيم الطير، فقال الملك: وما كان من حديثهما؟ قالت: يقال إن ثعلبًا جاع في ليلة، فرقي شجرة ليأكل منها، فسال الوادي الذي فيه تلك الشجرة بسيل شديد، فاقتلعها والثعلب عليها، ثم رفعها ووضعها، حتى ألقى الثعلب إلى أرض بعيدة من أرضه؛ فأصبح، وقد ألقاه السيل، إلى سفح جبل كثير الأشجار، مثمر الأغصان، وعلى تلك الأشجار جنس من الطير لا يحصى عددًا؛ فأقعى إلى شجرة قصيًا، مقشعرًا، لا يعرف أرضه، ولا يقدر على مؤالفة الدواب. فمر به عظيم الطير، فقال له: «ما أنت»؟ فقال: «أنا دابة سال بي السيل، فألقاني في جبلكم، وقد أصبحت غريبًا» . فقال له عظيم الطير: «فهل لك حرفة»؟ قال: «نعم. أعرف الثمار إذا بلغت حد بلوغها، وأصنع للطير أكنافًا في الأرض، تكن فيها فراخها من الحر والبرد»،
[ ٢٢٦ ]
فقال له عظيم الطير: «قد أدركت عندنا بغيتك، فأقم عندنا نواسك، ونعرف حق مجاورتك» .
فأقام الثعلب عند ملك الطير؛ فكان يعرفهم الثمار المدركة، ويحفر لهن بمخاليبه قبورًا في الأرض يفرخن فيها؛ وكان الثعلب، إذا جن عليه الليل، وقرم إلى اللحم، أدخل يده في جحر من تلك الأجحرة، فأخرج طيرًا أو فراخًا، فأكله ودفن ريشه، وجعلت الطير تتفقد ما كان يأكل واحدًا بعد واحد، فقال بعهضا لبعض: «ما فقدنا أفاضلنا إلا منذ صارت هذه الدابة بين أظهرنا، وكانت هذه الطير تطيل الغيبة، وما تدري ما دهاها» . فقال عظيمها: إن هذا حسدٌ منكن لهذه الدابة، فلا تغفلن ما أصبحتن فيه من فضل المطعم، وما فيه فراخكن من هذه الأكفان التي لا يخاف عليها برد فيها ولا حر»، فقالت الطير: «أنت سيدنا؛ وأبصر بالأمور منا» . قال: «وعلي أن اقطع هذا القول، وأبين حق ذلك من باطله بنفسي» .
فلما أظلم الليل نزل من الشجرة، فدخل بعض تلك الأكفان وأقبل الثعلب على العادة التي أعتادها إلى الكن، فأدخل يده، فقبض على رأس الملك، فقال الملك للثعلب: «لقد نصحتني الطير لو قبلت نصحها» . قال الثعلب: «أنت هو»؟ قال: «نعم»، قال: «ما ظننت أن يبلغ حمقك كل هذا»؟ قال ملك الطير: «دعني أردك في منزلتك بحسب ما رأيت من فضل علمك، ولطيف حيلتك» . قال له الثعلب: «إن أبوي أدباني أن لا أعلق أنيابي بشيء، وأتركه، إذ ليس من جهلك أن لا تتجزأ من الثمار، ومن الأكفان، بما كان آباؤك يكتفون به؛ ولم ترض حتى اختبرت أمري بنفسك، ولم تجعل التغرير في ذلك بغيرك» . ثم أكله، ودفن ريشه، وفقدت الطير عظيمها، فاستوحشت، وضربت وضربت الثعلب ضربًا بمخاليبها ومناقيرها حتى قتلته، ولم يصلن في عظيم خطر ملكهن إلى أكثر من قتل الثعلب» .
فاحترس من هذه الهندية.
قالت الهندية: «إنما تقرعين المرأة بأربعة رجال: بأبيها وأخيها وولدها وبعلها، وأفضل النساء المختارة بعلها على جميع أهلها، والمؤثرة له على
[ ٢٢٧ ]
نفسها، فكيف بمن ذهب أبوها وأخوها، فبقي بعلها؟ أفتحب أن تهلكه؟
على أن مثلك، في رداءة همتك، وخبث نيتك، مثل الغراب والحمامة.
قال الملك: وما كان من حديثهما؟ قالت: «زعموا أن غرابًا ألف مطبخًا لبعض الملوك، فأخذ من أطيب اللحمان التي قد صارت فيه شيئًا، فظنوا أن الغراب أخذه لقلة وفائه، ولؤم جوهره، فطردوه عن مطبخهم، وقالوا: ما نرجو من هذا الغراب، وهو من الطيور التي تعاف، ويتطير منها؟؟ فأفشى ذلك الغراب أمره إلى حمامة قد كان بينهما معرفة، وفزع إلى رأيها، وأخبرها ما كان فيه من نعيم المأكل والمشرب. فقالت له الحمامة:
انطلق بي حتى تريني هذا المطبخ. فانطلق حتى أتى سطح المطبخ، فقالت الحمامة: إني أرى هذا البيت ليس فيه موضع مدخل، فاحفر لي بمنقارك قدر ما أدخل، فإن منقاري يضعف عن ذلك. فحفر الغراب في سقف البيت بمنقاره، فجعل لها خازن المطبخ موضعًا تأوي إليه، فلبثت في ذلك البيت قريرة عين، فنادها الغراب: «ما هكذا قدرت فيك» . فقالت الحمامة: «لو وفيت لك، حل بي غدرك، وإن القوم عرفوا وفائي، وحسن جواري، وعرفوا غدرك، وقلة وفائك، ونكث عهدك» .
فهذا مثلي ومثلك، يا ابنة السائس! إني لو وفيت لك، أرداني غدرك، وقتلني مكرك» ! قالت ابنة السائس: «أيتها السيدة! إن الذي سمعت مني، كان لشدة الأنفة، فأردت أن أنفي عن نفسي الذي أردت من إنكاحي خادمك فلانًا» .
قالت الهندية: «لا بدّ من ذلك» . فقالت ابنة السائس: «من اعتاد معالي الأمور، لم تطب نفسه بأسافلها، الآن استعذبت الموت»، فعمدت إلى سم كان معها، فقذفته في فيها، فخرت ميتة، ووفت الهندية لزوجها، فأفلحا.
ومنهن «شيرين»، امرأة أبرويز، فإن شيرويه بن أبرويز، لما قتل أباه، وتوطد له الملك، بعث إلى شيرين يدعوها إلى نفسه، فامتنعت عليه،
[ ٢٢٨ ]
وأبت أن تجيبه إلى ذلك، فغصبها ضياعها، وعقارها، وذخائرها، وأموالها، مع ما رماها به، فبعثت إليه، وقالت: «آيها الرجل! إن لم يكن مما سألت بد، فاقض لي ثلاث حوائج حتى أتابعك على ما تريد» . فقال:
«وما هذه الحوائج»؟ قالت: «إحداها أن ترد علي ضياعي وأموالي، والثانية أن تصعد منبرك بمحضر من مرازبتك، وأساورتك، وعظماء أهل مملكتك، وتتبرأ مما قذفتني به، والثالثة أن أباك أودعني وديعة، فتأمر أن يفتح لي باب الناووس لها ومعها خاتم، وفيه سم ساعة، فنثرته في فيها، وعانقت قبر زوجها، فماتت.
[ ٢٢٩ ]