[ ٢٥ ]
حدثنا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم عن يحيى بن معين عن الحجاج عن أبي معشر قال: لما مات معاوية بن أبي سفيان وذلك في النصف من رجب سنة ستين ورد خبره على أهل المدينة في أول شعبان وكان على المدينة يومئذ الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان غلامًا حدثًا يتحرج، فلما جاءه ما جاءه ضاق به صدره فأرسل إلى مروان بن الحكم، وهو الذي صرف به مروان عن المدينة، وكان في مروان حدة، فقال له الوليد: يا أبا عبد الملك إنه قد جاءنا اليوم شيء لم نكن نستغني معه عن استشارتك. قال: وما هو؟ قال: موت أمير المؤمنين. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات، ﵀! قال: نعم. قال: أتطيع أمري؟ قال: نعم. قال: أرسل إلى الحسين بن علي وإلى عبد الله بن الزبير فإن بايعا فخل سبيلهما وإن أبيا فاضرب أعناقهما، فأرسل إلى الحسين، رضوان الله عليه، وإلى عبد الله بن الزبير، ﵀، وبدأ بالحسين، ﵇، فمر الحسين في المسجد فأشار إليه ابن الزبير وهو قائم يصلي، فأتاه فقال للحرسيّ: تأخر أيها العبد. فتأخر الحرسي. فقال له: يا أبا عبد الله أتدري لأي شيء دعيت؟ قال: لا. قال: مات طاغيتهم فدعوك للبيعة فلا تبايع وقل له بالغداة على رؤوس الملإ. قال: فدخل الحسين، ﵇، فقال له الوليد: يا أبا عبد الله دعوناك لخير. قال: أي شيء هو؟ قال: مات أمير المؤمنين وقد عرفتم ولي عهدكم ومفزعكم وقد بايع أهل الشام والناس فادخل فيما دخل فيه الناس. قال: نعم بالغداة إن شاء الله. قال: لا بل الساعة. قال: ومثلي يبايع في جوف البيت! بالغداة أبايعك على رؤوس الناس. قال: لا بل الساعة. قال: ما أنا بفاعل. وخرج من عنده. فأرسل إلى ابن الزبير فقال: يا أبا بكر دعوناك لخير. قال: وما هو؟ قال: مات أمير المؤمنين. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله عليه! قال: فيجعل يردد الترحم عليه وقد نظر ابن الزبير قبل ذلك إلى مروان وهو يناجي الوليد فتلا هذه الآية: " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين "، فقال: يا أبا بكر قد عرفتم ولي عهدكم ومفزعكم وقد بايع أهل الشام والناس فادخل فيما دخل فيه الناس. قال: نعم بالغداة إن شاء الله. قال: لا بل الساعة قال: ومثلي يبايع في جوف البيت! أبايعك على رؤوس الملإ. قال: لا بل الساعة قال: ما أنا بفاعل. فقال مروان للوليد: ما تصنع؟ أطعني واضرب أعناقهما، لئن خرجا من البيت لا تراهما أبدًا إلا في شر. وكان الوليد متحرجًا، فقال: ما كنت لأقتلهما. فقال ابن الزبير لمروان: يا ابن الزرقاء أوتقدر على قتلنا؟ فقال مروان: إنه والله لو أطاعني ما خرجت ولا صاحبك من البيت حتى تضرب أعناقكما.
قال: فدعا الحسين، ﵇، برواحله فركب يتوجه نحو مكة على المنهج الأكبر وركب ابن الزبير، ﵀، دواب له وأخذ طريق الفُرع فأتى الحسين، ﵇، عبد الله بن مطيع وهو على بئره فنزل إليه وقال: يا أبا عبد الله أين تريد؟ قال: العراق، مات معاوية وجاءني أكثر من حمل صُحُف. قال: لا تفعل فوالله ما حفظوا أباك وكان خيرًا منك، والله لئن قتلوك لا تبقى حرمةٌ بعدك إلا استحلت.
[ ٢٦ ]
فمر الحسين، ﵇، حتى نزل مكة فأقام بها هو وابن الزبير، ﵀، وقدم عمرو بن سعيد بن العاص في رمضان أميرًا على المدينة وعلى الموسم وعزل الوليد بن عتبة، فلما استوى على المنبر رعف فقال أعرابي: ما جاءنا والله بالدم. قال: فتلقاه رجل بعمامته فقال: ما عمّ الناس والله. ثم قام وخطب، فناولوه عصا لها شعبتان فقال: تشعب الناس والله. ثم خرج إلى مكة فقدمها قبل التروية بيوم، وخرج الحسين، ﵇، فقيل له: خرج الحسين. فقال: اركبوا كل بعير وفرس بين السماء والأرض في طلبه فاطلبوه. قال: فكان الناس يتعجبون من قوله هذا، فطلبوه فلم يدركوه، فأرسل عبد الله بن جعفر ابنيه عونًا ومحمدًا ليردّا الحسين، فأبى الحسين أن يرجع وخرج بابني عبد الله معه، ورجع عمرو بن سعيد إلى المدينة وبعث بجيش يقاتلون ابن الزبير، وقدّم الحسين، ﵇، مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليأخذ عليهم البيعة، وكان على الكوفة حين مات معاوية النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري، فلما بلغه خبر الحسين، ﵇، قال: لابن بنت رسول الله، ﷺ، أحب إلينا من ابن بنت بحدل. فبلغ ذلك يزيد فأراد أن يعزله فقال لأهل الشام: أشيروا علي من استعمل على الكوفة؟ فقالوا: أترضى برأي معاوية؟ قال: نعم. قالوا: فإن العهد بإمارة عبيد الله بن زياد على العراقين قد كتب في الديوان، فاستعمله على الكوفة. فقدم الكوفة قبل أن يقدم الحسين، ﵇، وقد بايع مسلم بن عقيل أكثر من ثلاثين ألفًا من الرجال من أهل الكوفة، فخرجوا معه يريدون عبيد الله بن زياد، فجعلوا كلما انتهوا إلى زقاق انسلّ ناس منهم حتى بقي في شرذمة قليلة وجعل الناس يرمونه بالآجر من فوق البيوت، فلما رأى ذلك دخل دار هانيء بن عروة المراديّ وكان له فيهم رأي، فقال له هانيء: إن لي من ابن زياد مكانًا وسوف أتمارض له، فإذا جاء يعودني فاضرب عنقه. فقيل لابن زياد: هانيء بن عروة شاكٍ يقيء الدم، وكان شرب المغرة فجعل يقيئها، فجاء ابن زياد يعوده، وقال: هانيء لمسلم: إذا قلت اسقوني ولو كانت فيه نفسي فاضرب عنقه. فقال: اسقوني، فأبطأوا عليه، فقال: ويحكم اسقوني ولو كانت فيه نفسي! قال: فخرج ابن زياد ولم يصنع الآخر شيئًا، وكان أشجع الناس ولكن أخذته كبوة. فقيل لابن زياد: والله إن في البيت رجلًا متسلحًا، فأرسل ابن زياد إلى هانيء فدعاه، فقال: إني شاكٍ. فقال: ائتوني به وإن كان شاكيًا. قال: فأسرجت له دبة فركب وكانت معه عصًا وكان أعرج فجعل يسير قليلًا قليلًا ثم يقف ويقول: ما لي ولابن زياد! فما زال حتى دخل عليه. فقال: يا هانيء ما كانت يد زياد عندك بيضاء؟ قال: بلى. قال: فيدي؟ قال: بلى. فتناول العصا التي كانت في يد هانيء فضرب بها وجهه حتى كسر جبهته ثم قدّمه فضرب عنقه ثم أرسل إلى مسلم بن عقيل، فخرج عليهم بسيفه فما زال يناوشهم ويقاتلهم حتى جرح وأسر فعطش وقال: اسقوني ماء، ومعه رجل من آل أبي معيط ورجل من بني سُليم. فقال: شمر بن ذي جوشن: والله لا نسقيك إلا من البئر. وقال المعيطيّ: والله لا نسقيه إلا من الفرات. فأتاه غلام له بإبريق من ماء وقدح قوارير ومنديل فسقاه، فتمضمض فخرج الدم فما زال يمج الدم ولا يسيغ شيئًا حتى قال: أخّره عني، فلما أصبح دعاه عبيد الله ليضرب عنقه، فقال له: دعني أوصي. فقال: أوص. فنظر في وجوه الناس فقال لعمر بن سعد: ما أرى هاهنا أحدًا من قريش غيرك فادن مني حتى أكلمك. قال: فدنا منه. فقال له: هل لك في أن تكون سيد قريش؟ قال نعم. قال: إنّ حسينًا ومن معه وهم تسعون إنسانًا بين رجل وامرأة في الطريق فارددهم واكتب إليه بما أصابني. ثم أمر عبيد الله فضرب عنقه.
[ ٢٧ ]
فقال عمر: أتدري ما قال؟ قال: اكتم على ابن عمك! قال: هو أعظم من ذاك، قال: اكتم على ابن عمك! قال: هو أعظم من ذاك. قال: أي شيء هو؟ قال: أخبرني أن حسينًا قد أقبل ومعه تسعون إنسانًا بين رجل وامرأة. فقال: أما والله لو إلي أسرّ لرددتهم! لا والله لا يقاتلهم أحد غيرك. فبعث معه جيشًا، وجاء الحسين، ﵇، الخبر وهو بشراف فهمّ أن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل فلقيه الجيش على خيولهم بوادي السباع، فقال بنو عقيل:أترجع وقد قتل أخونا؟ فقال الحسين، ﵇: ما لي عن هؤلاء من صبر، يعني بني عقيل. فأصاب أصحابه العطش فقالوا: يا ابن رسول الله اسقنا! فأخرج لكل فرس صحفة من ماء فسقاهم بقدر ما يمسك رمق أحدهم، ثم قالوا: سر بنا، وأخذوا به على الجرف حتى نزلوا كربلاء، فقال: هذا كربٌ وبلاء. فنزلوا وبينهم وبين الماء يسير، قال: فأراد الحسين، ﵇، وأصحابه الماء فحالوا بينهم وبينه. فقال له شمر بن ذي جوشن: لا تشربون أبدًا حتى تشربون من الحميم. فقال العباس بن علي للحسين، ﵇: يا أبا عبد الله ألسنا على الحق؟ قال: نعم. فحمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا وأسقوا، ثم بعث عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد أن قاتلهم. فقال الحسين، ﵇: يا عمر اختر مني إحدى ثلاث: تتركني أرجع كما جئت، وإن أبيت هذه فسيّرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت، وإن أبيت هذه فابعث بي إلى يزيد لأضع يدي في يده، وأرسل إلى ابن زياد بذلك.
فهمّ أن يسيّره إلى يزيد، فقال له شمر بن ذي جوشن: قد أمكنك الله منه، أو قال: من عدوّك، وتسيّره إلى الأمان إلا أن ينزل على حكمك! فأرسل إليه بذلك، فقال: لا حبًا ولا كرامة انزل على حكم ابن سميّة. وكان مع عمر ابن سعد قريب من ثلاثين رجلًا من أهل الكوفة فقالوا: يعرض عليكم ابن ابنة رسول الله، عليه وعلى آله السلام، ثلاث خصال لا تقبلون منها شيئًا! فتحولوا مع الحسين، ﵇، فقاتلوا حتى قتلوا وقتل الحسين، ﵁، وجميع من معه، ﵏، وحمل رأسه إلى عبيد الله بن زياد فوضع بين يديه على ترس فبعث به إلى يزيد، فأمر بغسله وجعله في حريرة وضرب عليه خيمة ووكّل به خمسين رجلًا.
فقال واحد منهم: نمت وأنا مفكر في يزيد وقتله الحسين، ﵇، فبينا أنا كذلك إذ رأيت سحابة خضراء فيها نور قد أضاءت ما بين الخافقين وسمعت صهيل الخيل ومناديًا ينادي: يا أحمد اهبط، فهبط رسول الله، ﷺ، ومعه جماعة من الأنبياء والملائكة فدخل الخيمة وأخذ الرأس فجعل يقبله ويبكي ويضمّه إلى صدره، ثم التفت إلى من معه فقال: انظروا إلى ما كان من أمّتي في ولدي، ما بالهم لم يحفظوا فيه وصيتي ولم يعرفوا حقي؟ لا أنالهم الله شفاعتي! قال: وإذا بعدّة من الملائكة يقولون: يا محمد الله ﵎ يقرئك السلام وقد أمرنا بأن نسمع لك ونطيع فمرنا أن نقلب البلاد عليهم. فقال، ﷺ: خلوا عن أمتي فإن لهم بلغةً وأمدًا. قالوا: يا محمد إن الله جل ذكره أمرنا أن نقتل هؤلاء النفر! فقال: دونكم وما أمرتم به. قال: فرأيت كل واحد منهم قد رمى كل واحد منا بحربة، فقتل القوم في مضاجعهم غيري فإني صحت: يا محمد! فقال: وأنت مستيقظ؟ قلت: نعم. قال: خلوا عنه يعيش فقيرًا ويموت مذمومًا، فلما أصبحت دخلت على يزيد وهو منكسر مهموم فحدثته بما رأيت فقال: امض على وجهك وتب إلى ربك.
أبو عبد الله غلام الخليل، ﵀، قال: حدثنا يعقوب بن سليمان قال: كنت في ضيعتي فصلينا العتمة وجعلنا نتذاكر قتل الحسين، ﵇، فقال رجل من القوم: ما أحد أعان عليه إلا أصابه بلاء قبل أن يموت، فقال شيخ كبير من القوم: أنا ممن شهدها وما أصابني أمر كرهته إلى ساعتي هذه، وخبا السراج فقام يصلحه فأخذته النار وخرج مبادرًا إلى الفرات وألقى نفسه فيه فاشتعل وصار فحمة.
قيل: ودخل سنان بن أنس على الحجاج بن يوسف فقال: أنت قتلت الحسين بن علي؟ قال: نعم. فقال: أما إنكما لن تجتمعا في الجنة، فذكروا أنهم رأوه موسوسًا يلعب ببوله كما يلعب الصبيان.
قال: وقال محمد بن سيرين: ما رؤيت هذه الحمرة في السماء إلا بعدما قتل الحسين، ﵇، ولم تطمث امرأة بالروم أربعة أشهر إلا أصابها وضحٌ. فكتب ملك الروم إلى ملك العرب: قتلتم نبيًا أو ابن نبي.
[ ٢٨ ]
وروي أنه لما قتل، ﵁، احمرّت آفاق السماء واقتسموا ورسًا كان معه فصار رمادًا، وكانت معه إبل فجزروها فصارت جمرة في منازلهم.