قيل: ولما بلغ غانمة بنت غانم سبّ معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم قالت لأهل مكة: أيها الناس إن قريشًا لم تلد من رَقم ولا رُقم، سادت وجادت، وملّكت فملكت، وفُضّلت ففضلت، واصطُفيَت فاصطفت، ليس فيها كدر عيب ولا أفن ريب، ولا حشروا طاغين ولا حادوا نادمين، ولا المغضوب عليهم ولا الضالين، إن بني هاشم أطول الناس باعًا وأمجد الناس أصلًا وأحلم الناس حلمًا وأكثر الناس عطاء، منّا عبد مناف الذي يقول فيه الشاعر:
كانت قريشٌ بيضةً فتفلّقت فالمخ خالصها لعبد مناف
وولده هاشم الذي هشم الثريد لقومه، وفيه يقول الشاعر:
هشم الثريد لقومه وأجارهم ورجال مكة مسنتون عجاف
ثم منا عبد المطلب الذي سُقينا به الغيث، وفيه يقال الشاعر:
ونحن سنيَّ المحْل قام شفيعنا بمكة يدعو والمياه تغور
وابنه أبو طالب عظيم قريش، وفيه يقول الشاعر:
آتيته ملكًا فقام بحاجتي وترى العليّج خائبًا مذموما
ومنا العباس بن عبد المطلب أردفه رسول الله، ﷺ، فأعطاه ماله، وفيه يقول الشاعر:
رديف رسول الله لم أر مثله ولا مثله حتى القيامة يوجد
ومنا حمزة سيد الشهداء، وفيه يقول الشاعر:
أبا يعلى لك الأركان هدّت وأنت الماجد البرُّ الوصول
ومنا جعفر ذو الجناحين أحسن الناس حسنًا وأكملهم كمالًا، ليس بغدّارٍ ولا ختار، بدّله الله جل وعز له بكل يد له جناحًا يطير به في الجنة، وفيه يقول الشاعر:
هاتوا كجعفرنا الطيار أو كعليّنا أليسا أعزَّ الناس عند الخلائق
ومنا أبو الحسن علي بن أبي طالب، ﵁، أفرس بني هاشم وأكرم من احتفى وتنعّل بعد رسول الله، ﷺ، ومن فضائله ما قصُر عنكم أنباؤها، وفيه يقول الشاعر:
وهذا عليٌّ سيد الناس فاتقوا عليًا بإسلام تقدم من قبل
ومنا الحسن بن علي، ﵁، سبط رسول الله، ﷺ، وسيد شباب أهل الجنة، وفيه يقول الشاعر:
ومن يك جده حقًا نبيًا فإن له الفضيلة في الأنام
ومنا الحسين بن علي، رضوان الله عليه، حمله جبريل، ﵇، على عاتقه وكفى بذلك فخرًا، وفيه يقول الشاعر:
نفى عنه عيب الآدمييّن ربه ومن مجده مجد الحسين المطهَّر
[ ٤٣ ]
ثم قالت: يا معشر قريش والله ما معاوية بأمير المؤمنين ولا هو كما يزعم، هو والله شانيء رسول الله، ﷺ، إني آتية معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينه ويكثر منه عويله. فكتب عامل معاوية إليه بذلك، فلما بلغه أن غانمة قد قربت منه أمر بدار ضيافة فنظّفت وألقي فيها فرش، فلما قربت من المدينة استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه، فلما دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن غانم فقال لها يزيد: إن أبا عبد الرحمن يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته، وكانت لا تعرفه، فقالت: من أنت كلأك الله؟ قال: يزيد بن معاوية. قالت: فلا رعاك الله يا ناقص لست بزائد، فتمعّر لون يزيد، فأتى أباه فأخبره، فقال: هي أسنّ قريش وأعظمهم. فلما قال يزيد: كم تعدّ لها يا أمير المؤمنين؟ قال: كانت تعدّ على رسول الله، ﷺ، أربعمائة عام وهي من بقية الكرام. فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلّم عليها، فقالت: على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان. ثم قالت: من منكم ابن العاص؟ قال عمرو: ها أنا ذا. فقالت: وأنت تسبّ قريشًا وبني هاشم وأنت أهل السب وفيك السبّ وإليك يعود السبّ يا عمرو، إني والله لعارفة بعيوبك وعيوب أمك وإني أذكر لك ذلك عيبًا عيبا. ولدت من أمة سوداء مجنونة حمقاء تبول من قيام ويعلوها اللئام، إذا لامسها الفحل كانت نطفتها أنفذ من نطفته، ركبها في يوم واحد أربعون رجلًا، وأما أنت فقد رأيتك غاويًا غير راشد ومفسدًا غير صالح، ولقد رأيت فحل زوجتك على فراشك فما غرت ولا أنكرت، وأما أنت يا معاوية فما كنت في خير ولا ربيت في خير فما لك ولبني هاشم، أنساء بني أمية كنسائهم أم أعطى أمية ما أعطى هاشم في الجاهلية والإسلام؟ وكفى فخرًا برسول الله، ﷺ. فقال معاوية: أيتها الكبيرة أنا كافٌّ عن بني هاشم. قالت: فإني أكتب عليك عهدًا، كان رسول الله، ﷺ، دعا ربه أن يستجيب لي خمس دعوات فأجعل تلك الدعوات كلها فيك. فخاف معاوية وحلف لها أن لا يسبّ بني هاشم أبدًا. فهذا آخر ما كان بين معاوية وبني هاشم من المفاخرة، والله أعلم.