حدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد قال: كان المأمون يبطّل الرؤيا ويقول: ليست بشيء ولو كانت على الحقيقة كنا نراها ولا يسقط منها شيء، فلما رأينا إنما يصحّ منها الحرف والحرفان من الكثير علمنا أنها باطل وأن أكثرها لا يصح، وكان بعث بابنه العباس إلى بلاد الروم فأبطأ عليه خبره فصلّى ذات يوم الصبح وخفق وانتبه ودعا بدابته وركب وقال: أحدثكم بأعجوبة، رأيت الساعة كأن شيخًا أبيض الرأس واللحية عليه فروة وكساؤه في عنقه ومعه عصًا وفي يده كتاب فدنا مني وقد ركبت فقلت: من أنت؟ فقال: رسول العباس بالسلامة، وناولني كتابه. فقال المعتصم: أرجو أن يخفق الله رؤيا أمير المؤمنين ويسره بسلامته. قال: ثم نهض فوالله ما هو إلا أن خرج فسار قليلًا إلا وبصر بشيخ قد أقبل نحوه في تلك الحال، فقال المأمون: هذا والله الذي رأيته في منامي وهذه صفته. قال: فدنا منه الرجل فنحّاه خدمه وصاحوا به. فقال: دعوه. فجاء الشيخ، فقال له: من أنت؟ قال: رسول العباس وهذا كتابه. قال: فبهتنا وطال منه تعجبنا. فقلت: يا أمير المؤمنين أتبطل الرؤيا بعد هذه؟ قال: لا.
وحدثنا عليّ بن محمد قال: حدثني أبي عن محمد بن عبد الله قال: رأيت فيما يرى النائم في آخر سلطان بني أمية كأني دخلت مسجد رسول الله، ﷺ، فرفعت رأسي ونظرت إلى الكتاب الذي فوق المحراب فإذا فيه ما أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، فإذا قائل يقول: يمحي هذا الكتاب ويكتب مكانه اسم رجل من بني هاشم يقال له محمد. فقلت: فأنا محمد، فابن من؟ قال: ابن عليّ. قلت: فأنا ابن علي، فابن من؟ قال: ابن عبد الله. قلت: فأنا ابن عبد الله، فابن من؟ قال: ابن عباس. فلو لم أكن بلغت العباس ما شككت أني صاحب الأمر، فتحدثت بهذه الرؤيا في ذلك الدهر ولا نعرف نحن المهدي فتحدث الناس بها حتى ولي المهدي فدخل مسجد رسول الله، ﷺ، فرفع رأسه فإذا اسم الوليد، وإني لأرى اسم الوليد في مسجد رسول الله، ﷺ، إلى اليوم، فدعا بكرسيّ فألقي له في صحن المسجد، فقال: ما أنا ببارحٍ حتى يُمحى ويكتب اسمي مكانه.
فأمر بأن يحضر العمّال والسلاليم وما يحتاج إليه لذلك، فلم يبرح حتى غُيّر وكتب اسمه.
قال: ورأى رجل أبا دلف فيما يراه النائم فقال: ما حالك؟ فقال:
فلو أنا إذا متنا تُركنا لكان الموت راحة كل حيّ
ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيء
قال: ورأى رجل الحجاج بن يوسف فيما يراه النائم فقال له: ما حالك؟ فقال: ما أنت وذاك لا أم لك! فقال: سفيهٌ في الدنيا سفيه في الآخرة!
[ ١٤٤ ]
وعن إسحاق بن إسماعيل بن علي قال: حدثني عمي عيسى بن علي قال: دخلت على المنصور فقال: يا أبا العباس أتذكر رؤياي بالشراة؟ قلت: يا أمير المؤمنين أي الرؤيا؟ قال: مثلك ينساها؟ كان يجب أن تكتبها بقلم من ذهبٍ في رقٍّ وتوصي بها بنيك وبني بنيك! قلت: فأخبرني بها يا أمير المؤمنين! قال: رأيت كأني بمكة إذ فُتح باب الكعبة فخرج رجل فقال: عبد الله بن محمد. فقمت وقام أخي. فقال الرجل: ابن الحارثية. فدخل أخي فأبطأ هنيهةً ثم خرج وفي يده لواء فخطا خطىً خمسًا ثم سقط اللواء من يده. ثم خرج الرجل بعينه فقال: عبد الله، فقمت وقام عمي عبد الله بن علي وصعد الدرجة فزحمته ببعض أركاني فسبقت فإذا بأبي وإذا رسول الله، ﷺ. فقال لي الرجل: ابدأ برسول الله، ﷺ، فسلمت عليه فدعا بلواء فعقده لي ثم قال: هاك فيك وفي ولدك حتى تقتلوا به الرجال. فخطوت خطىً لو شئت أن أخبركم بها لأخبرتكم.
وحدثنا محمد بن يونس قال: أخبرني منصور بن أبي مزاحم عن طيفور مولى أبي جعفر قال: قال المنصور: رأيت في السنة التي وليَ فيها هشام بن عبد الملك كأني راكب حمار أسود وعليه حمل تبن عظيم، وكان بالموصل رجلٌ يعبر الرؤيا، وحججت تلك السنة فرأيته بمنىً وقصصت عليه الرؤيا. فقال: أخبرني لمن هذه الرؤيا. فقلت: لرجل من أفناء الناس. قال: ما قلت الحق، اصدقني وأصدقك! فقلت: لرجلٍ من بني هاشم. قال: الآن جئت بالحق، إن صدقت الرؤيا صار صاحبها خليفةً. قال: فانسلكت كالهارب خوفًا أن يظهر من قولي وقوله شيء. قال: فبينا الربيع ذات يوم قد دخل فقال: يا أمير المؤمنين رجل بالباب معبّر يستأذن. قال: أدخله. فأدخله فلما رآه تبسّم وقال: هذا صاحبي. فدنا منه وقبّل يده. فقال: أتذكر رؤياي؟ قال: نعم، وهي التي حملتني إليك. قال: كيف كنت تأولتها؟ قال: قلت راكب حمار أسود والحمار جدّ الرجل وسواده سودد، قلت وكان على الحمار تبن فقلت الحنطة والشعير يخرجان من التبن وقعد عليه ومن صار مالكه فقد ملك الأقوات فهذا رجل يملك الناس. قال: لله أبوك ما أحسن ما عبّرت وأسرع ما صححت! وأمر له بصلةٍ وقال: أقم عندنا وحوّل عيالك فإنا نأمر لك بأرزاق تسعك وإياهم. ففعل ذلك.
وبلغنا عن مزاحم مولى فاطمة قالت: كنت مع عمر بن عبد العزيز وهو نائم فانتبه وقال: يا فاطمة لقد رأيت رؤيا ما رأيت أحسن منها. قلت: حدثني بها يا أمير المؤمنين. قال: حتى أصبح. قال: فجاء المنادي فناداه بالصلاة فقام فصلّى بالناس الفجر ثم رجع إلى مجلسه. فأتيته فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني بالرؤيا. فقال: رأيت كأني في أرض خضراء لم أر أرضًا أحسن منها، ورأيت في تلك الأرض قصور زبرجد ورأيت جميع الخلائق حول ذلك القصر، فبينا أنا كذلك إذ نادى مناد من القصر: أين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ فقام النبي، ﷺ، فدخل القصر، فقلت: سبحان الله! إنا في ملإ فيهم رسول الله، ﷺ، ولم أسلّم عليه! فلم ألبث إلا قليلًا حتى خرج المنادي فنادى: أين أبو بكر الصديق؟ فقام أبو بكر، ﵀، فدخل، فما لبثت إلا قليلًا حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن الخطاب؟ فقام عمر فدخل، فقلت: سبحان الله! إنا في جمع فيهم أبي ولم أسلّم عليه! فما لبث إلا قليلًا حتى خرج المنادي فنادى: أين عثمان بن عفان؟ فقام عثمان، ﵀، فدخل، فما لبثت إلا قليلًا حتى خرج المنادي فنادى: أين علي بن أبي طالب؟ فقام عليّ فدخل، فما لبثت إلا قليلًا حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن عبد العزيز؟ فقمت فدخلت فرأيت النبي، ﷺ، قاعدًا ورأيت أبا بكر عن يمينه وعمر عن يساره وعثمان وعليًا بين يديه، فقلت: أين أقعد؟ لا أقعد إلا إلى جنب أبي، قال: فقعدت عند عمر بن الخطاب، فرأيت فيما بين النبي، ﷺ، وأبي بكر شابًا حسن الوجه، فقلت: يا أبة من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، ﵇. قال: فما لبثت إلا قليلًا حتى سمعت مناديًا ينادي: يا عمر بن عبد العزيز اثبت على ما أنت عليه. قال: ثم قمت فخرجت فلم ألبث إلا قليلًا حتى خرج عليّ عثمان وهو يقول: الحمد لله الذي نصرني. ثم لم ألبث إلا قليلًا حتى خرج عليّ بن أبي طالب ﵁، فقال: الحمد لله الذي غفر لي!