يقال إن ملوك العجم كانت إذا احتاجت إلى أن تختار من رعيتها من تجعله رسولًا تمتحنه أولًا بأن توجهه إلى بعض خاصتها ثم تقدم عينًا على الرسول يحضر ما يؤدّيه من الرسالة ويكتب كلامه، فإذا رجع الرسول بالرسالة جاء العين بما كتب من ألفاظه وأجوبته فقابل بها الملك ألفاظ ذلك الرسول فإن اتفقت معانيها عرف بها الملك صحة عقله وصدق لهجته ثم جعله رسولًا إلى عدوه وجعل عليه عينًا يحفظ ألفاظه ويكتبها ثم يرفعها إلى الملك فإن اتفق كلام الرسول وكلام عين الملك وعلم أن رسوله قد صدقه عن عدوه ولم يزد عليه جعله رسولًا إلى ملوك الأمم ووثق به ثم بعد ذلك يقيم خبره مقام الحجة ويصدّق قوله.
وكان أردشير يقول: كم من دمٍ سفكه الرسول من غير حله ولا حقه وكم من جيوش قد قتلت وعساكر قد انتهكت ومال قد انتهب وعهد قد نقض بجناية الرسول وأكاذيبه، وكان يقول: على الملك إذا وجه رسولًا إلى ملك آخر أن يردفه بآخر وإن وجه رسولين أتبعهما بآخرين، وإن أمكنه أن لا يجمع بينهما في طريق ولا ملاقاة وألا يتعارفا فيتفقا ويتواطآ في شيء فعل، ثم عليه إن أتاه رسول بكتاب أو رسالة من ملك في خير أو شر أن لا يحدث حدثًا في ذلك حتى يكتب إليه مع رسول آخر ويحكي به كتابه الأول حرفًا حرفًا، فإن الرسول ربما خرم ما أُملي عليه وافتعل الكتب وحرّض المرسل على المرسَل إليه وأغراه به وكذب عليه، ومنها قال أبو الأسود وقد سمع رجلًا ينشد:
إذا كنت في حاجةٍ مرسلًا فأرسل حكيمًا ولا توصه
فقال: قد أساء القول، أيعلم الغيب؟ إذا لو يوصه كيف يعلم ما في نفسه؟ ألا قال:
إذا أرسلت في أمر رسولًا فأفهمه وأرسله أديبا
ولا تترك وصيته لشيءٍ وإن هو كان ذا عقل أريبا
وإن ضيعت ذاك فلا تلمه على أن لم يكن علِم الغيوبا
[ ٧٦ ]
وقال يحيى بن خالد البرمكي: ثلاثة أشياء تدلّ على عقول الرجال: الهدية والرسول والكتاب.