حدثنا الحسن بن وهب قال: حدثني صالح بن علي بن عطية قال: كان المنصور ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم ونذر دمه فيها وأجلّه ثلاثة أيام. فقال خالد ليحيى ابنه: إني قد طولبت بما ليس عندي وإنما يراد بذلك دمي فانصرف إلى حرمتك وأهلك فما كنت فاعلًا بعد موتي فافعله، ثم قال: يا بني ولا يمنعنك ذلك من أن تلقى إخواننا فتعلمهم حالنا. قال يحيى: فأتيت إخوان والدي فمنهم من جبهني بالرد ثم بعث إليّ بمال جليل، ومنهم من لم يأذن لي وبعث بمال في أثري لكيلا يُخبر به المنصور. قال: فدخلت على عمارة بن حمزة وهو مقابل بوجهه إلى الحائط فسلمت فرد ردًا ضعيفًا. قال يحيى: فضاقت بي الأرض، ثم كلمته فيما كنت أتيته فيه. فقال: إن أمكننا شيء فسيأتيك.
فانصرفت عنه وصرت إلى أبي فأعلمته ذلك وقلت: أراك تثق من عمارة بما لا يوثق به. فوالله إني لفي ذلك الحديث إذ طلع علينا رسول عمارة بمائة ألف درهم ورسول صاحب المصلى بمائة ألف درهم ورسول مبارك التركي بمائتي ألف درهم. فجمعنا في يومين ألفي ألف درهم وسبع مائة ألف درهم وبقيت ثلاثمائة ألف درهم، فتعذر ذلك. قال يحيى: فوالله إني لمارّ بالجسر مهمومًا مغمومًا إذ وثب إليّ زاجر فقال: فرّخ الطير قف أخبرك! فطويته ولم ألتفت إليه، فلحقني وتعلّق بي. فقلت: ويحك اذهب عني فإني مشغول عنك! فقال: أنت والله مهموم ووالله ليُفرجنّ همك وتمن باللواء غدًا في هذا الموضع بين يديك. فأقبلت أعجب من قوله. فقال لي: إن كان ذلك فلي عليك خمسة آلاف درهم! قلت: نعم. ولو قال خمسين ألف درهم لقلت نعم لبعد ذلك عني.
[ ١٤٦ ]
ثم مضيت فوالله ما انصرفت حتى ورد على المنصور الخبر بانتقاض أمر الموصل وانتشار الأكراد بها. فقال المنصور: ويحكم من لها! وكان المسيب بن زهير عند المنصور وكان صديقًا لخالد فقال: عندي والله من يكفيكه وأنا أعلم أنك ستلقاني بما أكره ولكني لا أدع على حال نصحك، فقال المنصور: قل فلست أردّ عليك. قال: يا أمير المؤمنين ما ترميها بمثل خالد. فقال المنصور: ويحك وتراه يصلح لنا بعد ما أتيناه إليه؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين وأنا زعيمه بذلك والضامن عليه. فتبسم المنصور وقال: صدقت والله ما لها غيره، فليحضر غدًا. فأُحضر فصفح له عن الثلاث المائة الألف الدرهم الباقية عليه وعقد له.
قال يحيى: فنمرّ والله بالزاجر واللواء بين يدي، فلما رآني قال: أنا ها هنا أنتظرك منذ غدوة! قال: فتبسمت إليه فقال: امض. فمضى معي ودفعت إليه الخمسة الآلاف الدرهم.