قيل في المثل: هو أوفى من فكيهة، وهي امرأة من قيس بن ثعلبة كان من وفائها أن السُّلَيك بن السُّلَكة غزا بكر بن وائل فخرج جماعة من بكر فوجدوا أثر قدمٍ على الماء فقالوا: والله إنّ هذا لأثر قدم ترد الماء، فقعدوا له، فلما وافى حملوا عليه فعدا حتى ولج قبة فكيهة فاستجار بها، فأدخلته تحت درعها، فانتزعوا خمارها، ونادت إخوتها فجاؤوا عشرة فمنعوهم منها. قال: فكان السليك يقول: كأني أجد خشونة استها على ظهري حين أدخلتني درعها، وقال:
لعمر أبيك والأنباء تنمي لنعم الجار أخت بني عوارا
من الخفرات لم تفضح أخاها ولم ترفع لوالدها شنارا
فما ظلمت فكيهة حين قامت لنصل السيف وانتزعوا الخمارا
وقيل أيضًا: هو أوفى من أم جميل، وهي من رهط أبي هريرة من دوس، وكان من وفائها أن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي قتل أبا أُزيهر رجلًا من الأزد فبلغ ذلك قومه بالسراة فوثبوا على ضرار بن الخطاب ليقتلوه فعدا حتى دخل بيت أم جميل وعاذ بها، فقامت في وجوههم ونادت قومها فمنعوه لها، فلما قام عمر بن الخطاب، ﵁، بالأمر ظنّت أنه أخوه فأتته بالمدينة، فلما انتسبت عرف القصة وقال: إني لست بأخيه إلا في الإسلام وهو غازٍ وقد عرفنا منّتك عليه، فأعطاها على أنها بنت سبيل.
[ ٤٩ ]
ويقال: هو أوفى من السَّموأل بن عادياء، وكان من وفائه أن امرأ القيس بن حجر الكندي لما أراد الخروج إلى قيصر ملك الروم استودع السموأل دروعًا له، فلما مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام فتحرز منه السموأل، فأخذ الملك ابنًا له ذكروا أنه كان متصيدًا، فصاح به: يا سموأل هذا ابنك في يدي وقد علمت أن امرأ القيس ابن عمي وأنا أحق بميراثه فإن دفعت إليّ الدروع وإلا ذبحت ابنك. فقال: أجّلني، فأجّله. فجمع أهل بيته وشاورهم، فكلّ أشار عليه أن يدفع الدروع وأن يستنقذ ابنه، فلما أصبح أشرف فقال: ليس إلى دفع الدروع سبيل فاصنع ما أنت صانع! فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه، وكان يهوديًا، فانصرف الملك، ووافى السموأل بالدروع الموسم فدفعها إلى ورثة امرىء القيس وقال في ذلك:
وفيت بأدرع الكنديّ، إني إذا ما خان أقوام وفيت
وقالوا عنده كنزٌ رغيبٌ فلا وأبيك أغدر ما مشيت
بنى لي عاديًا حصنًا حصينًا وبئرًا كلما شئت استقيت
وقال الأعشى في ذلك:
كن كالسموأل إذ سار الهمام له في جحفلٍ كسواد الليل جرار
خيّرَه خطتي خسفٍ، فقال له إذبح أسيرك إني مانعٌ جاري
وقيل: هو أوفى من الحارث بن عُباد، وكان من وفائه أنه أسر عدي بن ربيعة ولم يعرفه، فقال: دلني على عدي. فقال: إن أنا دللتك على عدي أتؤمنني؟ قال: نعم، قال: فأنا عدي. فخلاه وقال في ذلك:
لهف نفسي على عديٍّ وقد أس قب للموت واحتوته اليدان
ويقال: هو أوفى من عوف بن محلّم، وكان من وفائه أن مروان القرظ غزا بكر بن وائل ففضّوا جيشه وأسره رجل منهم وهو لا يعرفه، فأتى به أمه فقالت: إنك لتختال بأسيرك كأنك جئت بمروان القرظ! فقال لها مروان: وما ترجين من مروان؟ قالت: عظم فدائه. قال: وكم ترتجين من فدائه؟ قالت: مائة بعير. قال مروان: ذلك لك على أن ترديني إلى خماعة بنت عوف بن محلم. قالت: ومن لي بمائة من الإبل! فأخذ عودًا من الأرض فقال: هذا لك بها. فمضت به إلى عوف فاستجار بخماعة ابنته، فبعث عمرو بن هند أن يأتيه به، فقال: قد أجارته ابنتي وليس إليه سبيل. فقال عمرو: قد آليت أن لا أعفو عنه أو يضع يده في يدي. فقال عوف: يضع يده في يدك على أن تكون يدي بينهما، فأجابه عمرو إلى ذلك، فجاء عوف بمروان فأدخله عليه فوضع يده في يده ووضع عوف يده بين أيديهما فعفا عنه.
ويقال: إن قُباذ أمر بقتل رجل من الطاعنين على المملكة، فقُتل، فوقف على رأسه رجل من جيرانه وصنائعه فقال: رحمك الله، إن كنت لتكرم الجار وتصبر على أذاه وتؤاسي أهل الخلّة وتقوم بالنائبة والعجب كيف وجد الشيطان فيك مساغًا حتى حملك على عصيان ملكك فخرجت من طاعته المفروضة إلى معصيته وقديمًا ما تمكّن ممن هو أشد منك قوة وأثبت عزمًا! فأخذ صاحب الشرطة الرجل فحبسه وأنهى كلامه إلى قباذ، فوقّع: يُحسَن إلى هذا الذي شكر إحسانًا يُفضل به وتُرفع مَرتبته ويُزاد في عطائه.
[ ٥٠ ]
قيل: ولما قتل كسرى النعمان بن المنذر كتب إلى إياس بن قبيصة يأمره أن يبعث إليه بولد النعمان بن المنذر وتركته من المال والإبل والخيل والسلاح، وكان النعمان أودع ذلك هانيء بن مسعود، فبعث إليه إياس يعلمه بما كتب به كسرى، فأبى أن يسلم شيئًا من تركة النعمان، فكتب إياس إلى كسرى يعلمه ذلك، فآلى على نفسه ليستأصلن بكر بن وائل، فكتب إلى إياس يأمره بالمسير إليهم لمحاربتهم فيمن معه من طيء وإياد وغيرهم، وكتب إلى قيس بن مسعود الشيباني المعروف بذي الجدّين، وكان عاملًا على سفَوان، يمنع العرب من دخول أطراف السواد ويأمره أن يسير بمن معه من قومه فيعين إياسًا على محاربة بكر بن وائل، ثم عقد كسرى لقائد من قواده يسمى الهامرز في اثني عشر ألف رجل من أبطال أساورته ووجهه إلى إياس لمعاونته، ثم عقد أيضًا لهرمز جرابزين، وكان أعظم مرازبته في مثل ذلك، وأمره أن يقفو أثر الهامرز حتى يوافي إياس بن قبيصة، فسارت الجيوش إلى بكر بن وائل، وكانوا بمكان يسمى ذا قار منه إلى مدينة الرسول خمس مراحل مما يلي طريق البصرة، فأقبلت الجيوش حتى أناخت على بكر فأحدقت بهم، ثم إن عظماء بكر بن وائل اجتمعوا إلى هانيء بن مسعود المزدلف وقالوا: إن هذه الجيوش قد أحدقت بنا من كل ناحية فما ترى؟ قال: أرى أن تجعلوا حصونكم سيوفكم ورماحكم وتوطِّنوا أنفسكم على الموت. فقالوا: نعم والله لنفعلن! ثم إن قيس بن مسعود أقبل في سواد الليل من عسكر إياس حتى أتى هانيء بن مسعود فقال: يا ابن عم إنه قد حلّ بكم من الأمر ما قد ترون ففرّق خيل النعمان وسلاحه في أشدّاء قومك ليقووا بذلك على القتال فهي مأخوذة لا محالة إن قتلوا وإن سلموا أمرتهم فردّوها عليك، وعليك بالجدّ والصبر، وإياك ثم إياك أن تخفر ذمتك في تركة النعمان حتى تُقتل ويقتل معك جميع قومك! قال له هانيء: أوصيت يا ابن عم محافظًا فوصلتك رحم وأرجو أن لا ترى منا تقصيرًا ولا فتورًا، فانصرف قيس ذو الجدين من عند هانيء كئيبًا حزينًا باكيًا خائفًا من هلاك قومه حتى أتى عسكر إياس وكان يريه أنه مجامع له على حرب قومه خوفًا أن يجد عليه كسرى فيقتله، فلما أصبح هانيء بن مسعود دعا بخيل النعمان وسلاحه ففرقه في أبطال قومه وأشدّائهم، فركبوا تلك الخيول، وكانت ستمائة فرس وستمائة درع، واستلأموا تلك الدروع، وكان ذلك في العام الذي هاجر فيه رسول الله، ﷺ، إلى المدينة، واتفقت بكر بن وائل أن تجعل شعارها باسم رسول الله، ﷺ، محمدُ يا منصور، وذلك قبل أن يُسلموا، وبذلك الاسم نُصروا وقَهروا عدوهم، وعمد رجل من أشراف بني عجل يقال له حنظلة بن سيّار إلى حزم رحالات النساء فقطعها كلها، أراد بذلك أن يمنع قومه من الهرب إن وقعت الهزيمة، فسمّي بذلك مقطّع الوضين. وإن إياس بن قبيصة أرسل إلى بكر بن وائل يخيّرهم خصلة من ثلاث: إما أن يسلموا تركة النعمان، وإما أن يسيروا ليلًا في البراري فيعتلّ على كسرى أنهم هربوا، فإن أبوا هاتين الخلّتين خرجوا إلى الحرب. فتوامروا بينهم فقالوا: إما أن نسلم خفارتنا فلا يكون ذلك وإن نحن لحقنا بالفلاة أفضينا إلى بلاد تميم فيقطعون علينا ويأخذون ما معنا ويأسروننا وليست لنا حيلة إلا القتال، فاختاروا القتال ووجّهوا خمسمائة فارس من أبطالهم عليهم يزيد بن حارثة اليشكريّ وأمروهم أن يكمنوا للعجم، ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض وتقدّم الهامرز فوقف بين الصفين ونادى بالفارسية: مردى آمردى. فقال يزيد بن حارثة: ما يقول؟ قال: يدعو إلى البراز رجلًا لرجل. فقال: وأبيكم لقد أنصف! ثم خرج إليه فاختلف بينهما ضربتان فضربه يزيد ضربة بالسيف على منكبه فقدّ درعه حتى أفضى السيف إلى منكبه فأبانه فخرّ ميتًا الهامرز أول قتيل بين الصفين، وألقى الله ﷿ الرعب في قلوب العجم فولّوا منهزمين، ولحق حنظلة بن سيّار العجلي بهرمز جرابزين قائد العجم فطعنه طعنة خرّ منها ميتًا، ودفع هانيء بن مسعود فرسه في طلب إياس بن قبيصة حتى لحقه ومعه قيس بن مسعود ذو الجدّين، فأراد هانيء قتل إياس فمنعه قيس وحال بينه وبين قتله، واتّبع العجم خمس مائة فارس من بني شيبان لا يلوون على شيء يقتلون يومهم ذلك من أدركوا منهم حتى جنهم الليل، وبلغت هزيمة الأعاجم كسرى بالمدائن، قال دغفل: فذكر هذا الحديث لرسول الله، صلى الله
[ ٥١ ]
عليه وسلم، فقال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نُصروا، يعني باسمه، ﷺ، قال: وسقط في يد كسرى واغتاظ من ذلك غيظًا شديدًا ووقعت الولولة والعويل بالمدائن، فندب كسرى الجنود وفرّق فيهم السلاح والمال لمعاودة حرب بكر بن وائل، تم إن بطارقة الروم خرجوا على ملكهم قيصر فقتلوه فاشتغل به عن معاودة حرب بكر بن وائل فكان هانيء بن مسعود المزدلف أحد الأوفياء. ليه وسلم، فقال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نُصروا، يعني باسمه، ﷺ، قال: وسقط في يد كسرى واغتاظ من ذلك غيظًا شديدًا ووقعت الولولة والعويل بالمدائن، فندب كسرى الجنود وفرّق فيهم السلاح والمال لمعاودة حرب بكر بن وائل، تم إن بطارقة الروم خرجوا على ملكهم قيصر فقتلوه فاشتغل به عن معاودة حرب بكر بن وائل فكان هانيء بن مسعود المزدلف أحد الأوفياء.
ومنهم الطائي صاحب النعمان بن المنذر، وكان من حديثه أن النعمان بن المنذر ركب في يوم بؤسه، وكان له يومان يوم بؤس ويوم سعد، لم يلقه في يوم بؤسه أحدٌ إلا قتله وفي يوم سعده أحدٌ إلا حباه وأعطاه، فاستقبله في يوم بؤسه أعرابيّ من طيء فقال: حيا الله الملك، إن لي صبية صغارًا لم أوصِ بهم أحدًا فإن يأذن لي الملك في إتيانهم وأعطيه عهد الله إني أرجع إليه إذا أوصيت بهم حتى أضع يدي في يده. فرقّ له النعمان فقال: لا إلا أن يضمنك رجل ممن معنا فإن لم تأت قتلناه، وشريك بن عمرو بن شرحبيل نديم النعمان معه، فقال الطائي:
يا شريك يا ابن عمرٍو هل من الموت محاله
يا أخا كلّ مضامٍ يا أخا من لا أخا له
يا أخا النعمان فكّ ال يوم عن شيخٍ غلاله
إن شيبان قبيلٌ أحسن الناس فعاله
فقال شريك: هو علي أصلح الله الملك! فمرّ الطائي والنعمان يقول لشريك: إن صدر هذا اليوم قد ولّى ولا يرجع! وشريك يقول: ليس لك عليّ سبيل حتى نمسي، فلما أمسوا أقبل شخص والنعمان ينظر إلى شريك، فقال: ليس لك عليّ سبيل حتى يدنو الشخص، فبينا هم كذلك إذ أقبل الطائي فقال النعمان: والله ما رأيت أكرم منكما وما أدري أيكما أكرم! لا أكون والله ألأم الثلاثة، ألا إني قد رفعت يوم بؤسي! وخلّى سبيل الطائي، فأنشأ يقول:
ولقد دعتني للخلاف عشيرتي فأبيت عند تجهّر الأقوال
إني امرؤٌ مني الوفاء خليقةٌ وفعال كلّ مهذَّبٍ بذّال
فقال النعمان: ما حملك على الوفاء؟ قال: ديني. قال: وما دينك! قال: النصرانية. قال: اعرضها عليّ! فعرضها عليه فتنصر النعمان.
[ ٥٢ ]
ومنهم وزير ملك الصين، وكان حديثه أن شمر بن افريقيس بن أبرهة خرج في خمس مائة ألف مقاتل إلى أرض الصين، فلما قارب بلادهم بلغ ذلك ملك الصين فجمع وزراءه فاستشارهم، فقال رئيسهم: أيها الملك أثّر فيّ أثرًا وخلّني ورائي. فأمر به فجدع أنفه، فقام هاربًا مستقبلًا لشمر، فوافاه على أربعة منازل بعد خروجه من مفاوز الصين فدخل عليه وقال: إني أتيتك مستجيرًا! قال شمر: ممن؟ قال: من ملك الصين لأني كنت رجلًا من خاصة وزرائه وإنه جمعنا لما بلغه مسيرك إليه فاستشارنا فأشار القوم جميعًا عليه بمحاربتك وخالفتهم في رأيهم وأشرت عليه أن يعطيك الطاعة ويحمل إليك الخراج، فاتهمني وقال: قد مالأت ملك العرب، وكان منه إليّ ما ترى ولم آمنه مع ذلك أن يقتلني فخرجت هاربًا إليك، ففرح به شمر وأنزله معه في رحله وأوعده من نفسه خيرًا، فلما أصبح وأراد أن يرحل قال لذلك الرجل: كيف علمك بالطريق؟ قال: أنا من أعلم الناس به. قال: فكم بيننا وبين الماء؟ قال: مسيرة ثلاثة أيام وأنا موردك يوم الرابع على الماء، فأمر جنوده بالرحيل ونادى فيهم أن لا تحملوا من الماء إلا لثلاثة أيام، ثم سار في جنوده والرجل بين يديه، فلما كان يوم الرابع انقطع بهم الماء واشتد الحر فقال: لا ماء وإنما كان ذلك مكرٌ مني لأدفعك بنفسي عن ملكي! فأمر به فضربت عنقه، فعطش القوم، وقد كان المنجمون قالوا لشمر عند مولده أنه يموت بين جبلي حديد، فوضع درعه تحت قدميه من شدة الرمضاء ووضع ترسًا من حديد على رأسه من حرّ الرمضاء، فذكر ما كان قيل له في ولادته وقال للقوم: تفرقوا حيث أحببتم فقد أورطتكم، فهلك وجميع من كان معه.
وحكي أنه لما حمل رأس مروان بن محمد الجعدي إلى أبي العباس وهو بالكوفة قعد له مجلسًا عامًا وجاؤوا بالرأس فوضع بين يديه فقال لمن حضره: أمنكم أحد يعرف هذا الرأس؟ فقام سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة فأكبّ عليه وتأمله طويلًا ثم قال: هذا رأس أبي عبد الملك خليفتنا بالأمس، ﵀، وعاد إلى مجلسه، فوثب أبو العباس حتى خرج من المجلس وانصرف ابن جعدة وتحدث الناس بكلامه، فلامه بنوه وأهله وقالوا: عرضتنا ونفسك للبوار! فقال: اسكتوا قبحكم الله! ألستم أشرتم عليّ بالأمس بحرّان بالتخلف عن مروان ففعلت ذلك غير فعل ذي الوفاء والشكر وما كان ليغسل عار تلك الفعلة إلا هذه، وإنما أنا شيخٌ هامةٌ فإن نجوت يومي هذا من القتل متّ غدًا! قال: وجعل بنوه يتوقعون رسل أبي العباس أن تطرقه في جوف الليل، فأصبحوا ولم يأته أحد وغدا الشيخ فإذا هو بسليمان بن مجالد فلما أبصره قال: يا ابن جعدة ألا أبشرك بحسن رأي أمير المؤمنين فيك؟ إنه ذكر في هذه الليلة ما كان منك. فقال: أما ما أخرج هذا الكلام من الشيخ إلا الوفاء ولهو أقرب بنا قرابة وأمسّ بنا رحمًا منه بمروان إن أحسنّا إليه. قال: أجل.
وذكر أن المنصور أرسل إلى شيخ من أهل الشام وكان من بطانة هشام بن عبد الملك بن مروان فسأله عن تدبير هشام في حروبه مع الخوارج فوصف الشيخ له ما دبّر، فقال: فعل، ﵀، كذا وصنع، ﵀، كذا. فقال المنصور: قم عليك لعنة الله! تطأ بساطي وتترحم على عدوي؟ فقام الرجل فقال وهو مولٍّ: إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلا غاسلي! فقال له المنصور: ارجع يا شيخ، فرجع. فقال: أشهد أنك نهيض حرّةٍ وغراس شريف، ارجع إلى حديثك. فعاد الشيخ في حديثه حتى إذا فرغ دعا له بمال فأخذه وقال: والله يا أمير المؤمنين ما لي إليه حاجة ولقد مات عني من كنت في ذكره فما أحوجني إلى وقوف على بابه أحد بعده ولولا جلالة أمير المؤمنين وإيثاري طاعته ما لبست نعمة أحدٍ بعده! فقال المنصور: إذا شئت لله أنت فلو لم يكن لقومك غيرك لكنت قد أبقيت لهم مجدًا مخلدًا وعزًا باقيًا.
[ ٥٣ ]
وعن أبي دفافة العبسي قال: حدّثت المنصور بحديث العجلان بن سهل وكان دخل على عبد العزيز بن القعقاع، فبينا هو جالس إذ دخل رجل متلطخ الثوب بالطين، فقال عبد العزيز: ما لك؟ قال: ركب هذا الأحول، يعني هشام بن عبد الملك، فنفرت ناقتي فسقطت، فانتزع العجلان سيفه فنفحه به ووثب الرجل فأخطأه السيف ووقع في وسادة فقطّعها وقال: يا لكع أعياك أن تسمّيه بأمير المؤمنين وباسمه الذي سماه به أبوه أو بكنيته ونظرت إلى الذي يعاب به فسميته به، أما والله لوددت أن السيف أخذ منك مآخذه! قال: فكان المنصور يستعيدني هذا الخبر كثيرًا ويقول: كيف صنع العجلان بن سهل؟ مع مثله يطيب الملك.
قال: وأخبرنا عطّاف قال: بينا عبد الله بن طاهر مقبل من منزل عبيد الله بن السّريّ بمصر حتى إذا دنا من بابه إذا بشيخ قد قام إليه فناوله رقعةً كانت معه وقال: أصلح الله الأمير! نصيحة واجبة فافهمها، فأخذ الرقعة ودخل، فما هو إلا أن دخل وخرج الحاجب فقال: أين صاحب الرقعة؟ فقام إليه الشيخ فأخذ بيده فأدخله إلى عبد الله فقال: قد فهمت رقعتك هذه وما تنصحت به إلينا فانصفني في مناظرتك. فقال الرجل: ليقل الأمير ما أحب. قال: أخبرني هل يجب شكر الناس بعضهم لبعض؟ قال: نعم. قال: وبم يجب؟ قال: بإحسان المحسن وبفضل المنعم. قال: صدقت، جئت إليّ وأنا على هذه الحال التي ترى خاتمي بفرغانة وآخر ببرقة وحكمي ونهيي وأمري جائز فيما بين هذين الطرفين وقد جمع لي من العمل ما لم يجمع لأحد قطّ من ولاءة المشرق والمغرب والشرطة وما خرج من هذه الطبقة ولست ألتفت إلا إلى نعمة هؤلاء القوم ومنّتهم، لا أستفيء إلا بظلها ولا أعرف غيرهم سادة ولا كبراء ولا أئمة ولا خلفاء، فأردت أن أكفر هذه النعمة وأجحد هذا المعروف وأبايع رجلًا ما امتحن للتقوى ولا أفاد علمًا للهدى ولا جرت له على مِلّي ولا ذِمّيّ يد سالفة ولا نعمة سائرة، افترى على الله جل ذكره، ولو فعلت هذا الذي دعوتني إليه كنت ترضى به في مكارم الأخلاق وشكر المنعمين قال: فسكت الرجل ولم يحر جوابًا، وكان دعاه إلى بيعة ابن طباطبا. وقال بعضهم: إنه كان دسيس المأمون.
برون الكبير قال: وجّه إليّ المأمون وقد مضى من الليل الثلث فقال لي: يا برون قد أكثر علينا أصحاب الأخبار في أن شيخًا يرد خرابات البرامكة فيبكيهم ويندبهم وينشد أبياتًا من الشعر فاركب أنت وعليّ بن محمد ودينار بن عبد الله حتى تردوا هذه الخرابات فتصيروا من وراء جدرانها فإذا رأيتم الشيخ قد ورد وبكى وأنشد فأتوني به. قال برون: فركبت مع القوم حتى وردنا الخرابات، وإذا الخادم قد أتى ومعه زِلّيّة رومية وكرسيّ جديد، وإذا شيخ وسيم جميل له صلعة وهامة فجلس يبكي ويقول:
ولما رأيت السيف قد قدّ جعفرًا ونادى منادٍ للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وأيقنت أنه قصارى الفتى يومًا مفارقة الدنيا
أجعفر إن تهلك فرُبّ عظيمةٍ كشفت ونعمى قد وصلت بها نعمى
فقل للذي أبدى ليحيى وجعفرٍ شماتته أبشر لتأتيهم العقبى
لئن زال غصن الملك عن آل برمكٍ فما زال حتى أثمر الغصن واستعلى
وما الدهر إلا دولة بعد دولةٍ تبدل ذا ملكٍ وتعقب ذا بلوى
على أنها ليست تدوم لأهلها ولو أنها دامت لكنتم بها أولى
بني برمك كنتم نجومًا مضيئةً بها يهتدي في ظلمة الليل من أسرى
لأيكم أبكي أللفضل ذي الندى أم الشيخ يحيى أم لمحبوسه موسى
أم الملك المصلوب من بعد عزةٍ أم ابكي بكاء المعولات أم الثكلى
لكلكم أبكي بعينٍ غزيرةٍ وقلبٍ قريحٍ لا يموت ولا يحيا
[ ٥٤ ]
قال: فتراءينا له ثم قبضنا عليه، فجزع وفزع وقال: من القوم؟ فقال برون: أنا حاجب أمير المؤمنين وهذا فلان وفلان. قال: وما الذي تريدون؟ قال برون: فأعلمته ما أمر به أمير المؤمنين من أخذه إلى مجلسه. قال: ذرني أوص فإني لا آمنه، ثم تقدم إلى بعض العلافين في فرضة الفيل فأخذ بياضًا وأوصى فيه وصية خفيفة ودفعها إلى الغلام وسرنا به، فلما مثل بين يدي المأمون زبره وقال: من أنت وبماذا استوجب البرامكة ما تفعله في دورهم؟ قال: يا أمير المؤمنين للبرامكة عندي أيادٍ خضرة أفتأذن لي أن أحدّثك؟ فقال: سديدًا. قال: أنا يا أمير المؤمنين المنذر بن المغيرة من أهل دمشق كنت بها من أولاد الملوك فزالت عني نعمتي كما تزول عن الرجال، فلما ركبتني الديون واحتجت إلى بيع مسقط رأسي ورؤوس آبائي أشاروا عليّ بالخروج إلى البرامكة، فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون امرأة وصبيًا وصبية وليس معنا ما يباع ولا ما يرهن حتى دخلت بغداد ونزلنا بباب الشام في بعض المساجد ودعوت بثويبات لي قد كنت أعددتها لأستميح بها الناس وتركتهم جياعًا وركبت شوارع بغداد فإذا أنا بمسجد مزخرف وفيه مائة شيخ قد طبّقوا طيالستهم بأحسن زي وزينة وبزة، وإذا خادمان على باب المسجد، فطمعت في القوم وولجت المسجد وجلست بين أيديهم وأنا أقدّم وأؤخر والعرق يسيل مني لأنها لم تكن صناعتي، فأنا لكذلك إذا أنا بخادم قد أقبل وقال للخادمين: ازعجا القوم، فازعج القوم وأنا معهم فأدخلونا دار يحيى بن خالد ودخلت معهم، فإذا بيحيى جالسًا على دكة له وسط بستان، فسلّمنا وهو يعدنا مائة رجل وواحدًا، وبين يدي يحيى عشرة من ولده، وإذا غلام أمرد حين عذّر خداه قد أقبل من بعض المقاصير بين يديه مائة خادم متنطقون في وسط كل خادم منطقة من ألف مثقال مع كل خادم مجمرة من ذهب ورجل من ذهب في كل مجمرة قطعة من العود كهيأة الفهر قد ضم إليه مثله من العنبر السلطاني فوضعوه بين يدي الغلام وجلس الغلام إلى جنب يحيى ثم قال يحيى للزبرقيّ القاضي: تكلم فقد زوّجت ابنتي عائشة من ابن عمي هذا من بيت نار النوُّبهار.
[ ٥٥ ]
فخطب القاضي وشهد القاضي والنفر وأقبلوا علينا بالنثار ببنادق المسك والعنبر، فالتقطت والله يا أمير المؤمنين ملء كمّي ونظرت وإذا يحيى في الدكّة ما بين المشايخ ويحيى وولده والغلام ونحن مائة رجل واثنا عشر رجلًا، فخرج إلينا مائة خادم واثنا عشر خادمًا مع كل خادم صينية فضة عليها ألف دينار شامية، فوضع بين يدي كل رجل منا صينية، فرأيت القاضي والمشايخ يصبّون الدنانير في أكمامهم ويجعلون الصواني تحت آباطهم ويقوم الأول فالأول حتى بقيت وحدي بين يدي يحيى لا أجسر على الصينية، فغمز لي الخادم، فجسرت عليها وجعلتها في كمّي وأخذت الصينية وقمت وأنا أمر طول الصحن والتفتّ ورائي هل يتبعني أحد، فإني لكذلك أطاول الالتفات ويحيى يلحظني فقال للخادم: ائتني بالرجل، فرُددت إليه، فأمر، فسُلبتُ الدنانير والصينية، ثم أمرني بالجلوس فجلست، فقال: ممن الرجل؟ فقصصت عليه قصتي. فقال: علي بموسى، فأُتي به، فقال: يا بني هذا رجل غريب فخذه إليك اخلطه بنفسك ونعمتك. فقبض عليّ موسى وأخذني إلى بعض دوره فقصف عليّ يومي وليلتي، فلما أصبح دعا بأخيه العباس وقال له: إن الوزير أمرني بالقصف على هذا الفتى وقد علمت تشاغلي في دار أمير المؤمنين فاقبض عليه وقاصفه، فلما كان من غد تسلمني أحمد، ثم لم أزل وأيدي القوم تتداولني عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني في الأموات هم أم في الأحياء، فلما كان في اليوم العاشر دُفعت في يدي الفضل فقصف عليّ، فلما كان في الحادي عشر جاءني خادم مع عشرة من الخدم فقالوا: قم عافاك الله فاخرج إلى عيالك بسلام. فقلت: وا ويلاه سلبت الدنانير والصينية وقد تمزقت ثيابي واتسخت وأخرج على هذه الحالة! إنا لله وإنا إليه راجعون! فرُفع لي الستر الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس، فقبل أن رُفع السابع قال لي الخادم: تمنّ ما شئت، ورفع لي ستر عن حجرة كالشمس استقبلني منها رائحة العود والندّ ونفحات المسك، وإذا أنا بصبياني يتقلبون في الحرير والديباج وأنا قد حمل إليّ ألف ألف درهم مبدّرة وعشرة آلاف دينار وقبالتين بضيعتين وتلك الصينية مع الدنانير والبنادق، فبقيت يا أمير المؤمنين مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم من بيت نار النوبهار أو رجل غريب اصطنعوني، فلما جاء القوم البلية ونزلت بهم من الرشيد النازلة قصدني عمرو بن مسعدة وألزمني من الخراج في هاتين الضيعتين ما لا يفي دخلهما به، فلما تحامل عليّ الدهر كنت أنظر إلى خرابات القوم فأندبهم. فقال المأمون: علي بعمرو بن مسعدة، فلما أُتي به قال له: يا عمرو أتعرف الرجل؟ قال: نعم هو من بعض صنائع البرامكة. قال: كم ألزمته في ضيعته؟ قال: كذا وكذا. قال: ردّ عليه كل ما استأديته إياه في سنيه وأوغر ضيعتيه تكونان له ولعقبه من بعده، فعلا نحيب الرجل بالبكاء يرثي البرامكة، فلما طال بكاؤه قال له المأمون: فممّ بكاؤك وقد أحسنا إليك؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا أيضًا من صنائع البرامكة، أرأيتك يا أمير المؤمنين لو لم آت خرابات القوم فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري بأمير المؤمنين ففعل بي ما فعل من أين كنت أصل إلى ما وصلت إليه؟ قال إبراهيم بن ميمون: فلقد رأيت المأمون وقد دمعت عينه واشتد حزنه على القوم وقال: صدقت لعمري هذه أيضًا من صنائعهم، فعليهم فابك وإياهم فاشكر!