ﷺ
[ ٧ ]
وافتتحنا كتابنا هذا بذكر النبي، ﷺ، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين الأبرار الأخيار، لما رجونا فيه من الفضل والبركة واليمن والتوفيق، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وإخوته من النبيين وآله الطيبين أجمعين، اختار الله من خير أرومات العرب عنصرًا ومن أعلى ذوائب قريش فرعًا من أكرم عيدان قصي مجدًا تم لم يزل بلطفه لنبيه، ﷺ وآله، واختياره إياه بالآباء الأخائر والأمهات الطواهر حتى أخرجه في خير زمان وأفضل أوان، تفرّع من شجرة باسقة الندى، شامخة العلى، عربية الأصل، قرشية الأهل، منافية الأعطان، هاشمية الأغصان، ثمرتها القرآن، تندى بماء ينابيع العلم في رياض الحلم، لا يذوي عودها ولا تجفّ ثمرتها ولا يضلّ أهلها، أصلها ثابت وفرعها نابت، فيا لها من شجرة ناضرةٍ خضراء ناعمة غرست في جبل قفر وبلد وعر محل ضرعٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرّم وبلدك المكرّم فهو، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأخيار، كما قال بعض الحكماء: لئن كان سليمان، ﵇، أعطي الريح غدوها شهر ورواحها شهر لقد أعطي نبينا، ﷺ، البُراق الذي هو أسرع من الريح، ولئن كان موسى، ﵇، أعطي حجرًا تتفجر منه اثنتا عشرة عينًا لقد وضع أصابعه، عليه وعلى آله السلام، في الإناء والماء ينبع من بين أصابعه حتى ارتوى أصحابه، ﵃، وما لهم من الخيل، ولقد كان رديف عمه أبي طالب بذي المجاز فقال: يا ابن أخي قد عطشت، فقال: عطشت يا عم؟ قال: نعم، فثنى وركه فنزل وضرب بقدمه الأرض فخرج الماء فقال: اشرب، فشرب حتى روي، ولئن كان عيسى، ﵇، أحيا النفس بإذن الله لقد رفع، ﷺ، ذراعًا إلى فيه فأخبرته أنها مسمومة، وكان، ﷺ، يخبر بما في الضمائر وما يأكلون فما يدخرون، ثم دعاؤه المستجاب الذي لا تأخير فيه، وذلك أن النبي، ﷺ، لما لقي من قريش والعرب من شدة أذاهم له وتكذيبهم إياه واستعانتهم عليه بالأموال دعا أن تجدب بلادهم وأن يدخل الفقر بيوتهم، فقال: اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف! اللهم اشدد وطأتك على مضر! فأمسك الله ﷿ عنهم القطر حتى مات الشجر وذهب الثمر وقلت المراعي فماتت المواشي حتى اشتووا القد وأكلوا العِلهز، فعند ذلك وفد حاجب بن زرارة إلى كسرى يشكو إليه الجهد والأزْل ويستأذنه في رعي السواد وهو حين ضمن عن قومه وأرهنه قوسه، فلما أصاب مضر خاصة الجهد ونهكهم الأزل وبلغت الحجة مبلغها وانتهت الموعظة منتهاها دعا بفضله، ﷺ، الذي كان نداهم به فسأل ربه ﷿ الخصب وإدرار الغيث فأتاهم منه ما هدم بيوتهم ومنعهم حوائجهم، فكلموه في ذلك فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فأمطر الله ما حولهم ودعا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، على المستهزئين بكتاب الله ﷿، وكانوا اثني عشر رجلًا، فكفاه الله جل اسمه أمرهم، فقال: " إنا كفيناك المستهزئين "، وقصة عامر بن الطفيل ودعائه عليه، وناطقه، ﷺ، ذئب، وأظلته غمامة، وحن إليه عود المنبر، وأطعم عسكرًا من ثريدة في جسم قطاة، وسقى عامًّا ووضأهم من ميضأة جسم صاع، ورسوخ قوائم فرس سراقة بن جشعم في الأرض وإطلاقه له بعد إذ أخذ موثقه، ومَريه ضرع شاة حائل فعادت كالحامل، والتزاق الصخرة بيد أربد، وما أراه الله ﷿ أبا جهل حين أهوى بالصخرة نحو رأس رسول الله، ﷺ، وهو ساجد فظهر له فحل ليلقم رأسه فرمى بالصخرة ورجع يشد إلى أصحابه قد انتقع لونه، فقالوا له: ما بالك؟ فقال: رأيت فحلًا لم أر مثله يريد هامتي.
[ ٨ ]
وأما ما أراه الله أعداءه من الآيات فأكثر من أن يحصى، منها ما رواه وهب بن منبه عن الليث بن سعد قال: أتى أربد بن ربيعة وعامر بن الطفيل إلى رسول الله، ﷺ، فقال أحدهما للآخر: أنا أشغله بالكلام حتى تقتله، فوقف أحدهما على النبي، ﷺ، فلما طال عليه انصرف فقال لصاحبه: ما صنعت شيئًا؟ قال: رأيت عنده شيئًا ورجله في الأرض ورأسه في السماء لو دنوت منه أهلكني، وأما أربد فأصابته صاعقة، وأنزل الله تعالى: " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، وأما عامر فإنه قال لرسول الله، ﷺ: لنا أهل الوبر ولكم أهل المدر، فقال، ﷺ: لكم الأعنة، فقال: لأملأنها خيلًا عليكم ورجلًا. فلما ولّى رسول الله، ﷺ، قال: اللهم اكفنيه، فأخذته غدة فقتلته.
وعن محمد بن عبد الله قال: بينا رسول الله، ﷺ، قائم يصلي إذ رآه أبو جهل فقال لنفر من قريش: لأذهبن فأقتلن محمدًا، فدنا منه قال: ورسول الله، ﷺ، قائم يصلي ويقرأ: " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق "، حتى بلغ آخرها، فانصرف أبو جهل وهو يقول: هذا وأبيكم وعيد شديد، فلقي أصحابه فقالوا له: ما بالك لم تقتله؟ قال: والله إن بيني وبينه رجلًا له كتيت ككتيت الفحل يعدني يقول: ادْنُ ادن.
وعن عبد الله أن أعرابيًا جاء بعكّة من سمن فاشتراها أبو جهل فأمسك العكة وأمسك الثمن، فشكاه الأعرابي إلى قريش فكلموه فأبى عليهم، فقال بعض المستهزئين: يا أعرابي أتحب أن تأخذ عكتك وثمنها؟ قال: بلى، قال: أترى هذا الرجل المار؟ القه فكلمه، يعني النبي، ﷺ، فأتاه الأعرابي وشكا إليه أمر العكة، فخرج عليه، ﷺ، حتى وقف بباب أبي جهل فناداه باسمه، فخرج إليه ترعد فرائصه، فقال له: أد هذا عكته وثمنها، فدخل أبو جهل فدفع إلى الرجل العكة، فخرج الأعرابي إلى قريش وأخبرهم بذلك، ثم خرج أبو جهل، فقالت له قريش: كلمناك أن تؤدي الأعرابي حقه فأبيت ثم جاءك ابن عبد المطلب فدفعت إليه ذلك؟ فقال: إن معه لجملًا فاتحًا فاه ينظر ما أقول فيلتقم رأسي فما وجدت بدًا من إعطائه حقه.
وأما أنس الوحش به فمما حدثنا إسماعيل بن يحيى بن محمد عن سعيد بن سيف بن عمر عن أبي عمير عن الأسود قال: سأل رجل هند بن أبي هالة فقال: حدثينا بأعجب ما رأيت أو بلغك عن رسول الله، ﷺ، فقالت: كل أمره كان عجبًا، وأعجب ما رأيت أنه كان لي ربائب وحش كنت آنس بهن وآلفهن فإذا كان يومه الذي يكون فيه عندي لم يزلن قيامًا صواف ينظرن إليه ولا يلهيهن عن النظر إليه شيء ولا ينظرن إلى غيره، فإذا شخص قائمًا سمون إليه بأبصارهن، فإذا انطلق موليًا لاحظنه النظر، فإذا غاب شخصه عنهن ضربن بأذنابهن وآذانهن، وكان ذلك يعجبني.
وعن عبد الملك بن عمير أن النبي، ﷺ، مر بظبية عند قانص فقالت: يا رسول الله إن ضرعي قد امتلأ وتركت خشفين جائعين فخلني حتى أذهب وأرويهما ثم أعود إليك فتربطني، فقال: صيد قوم وربيطتهم! قالت: يا رسول الله فإني أعطيك عهد الله لأرجعن، فأخذ عليها عهد الله ثم أطلقها وأرسلها فما لبثت إلا يسيرًا حتى جاءت وقد فرغت ما في ضرعها، فقال: ﷺ: لمن هذه الظبية؟ قالوا: لفلان، فاستوهبها منه ثم خلى سبيلها وقال: لو أن البهائم تعلم ما تعلمون من الموت ما أكلتم سمنًا.
وأما محاسن شهادات السباع له بالنبوة فمن ذلك ما روي أن أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية خرجا من مكة فإذا هما بذئب يكد ظبية حتى إن نَفسه كاد أن يبلغ ظهر الظبية أو شبيهًا بذلك إذ دخل الظبي الحرم فرجع الذئب، فقال أبو سفيان: ما أرض سكنها قوم أفضل من أرض أسكنها الله إيانا، أما رأيت ما صنع الذئب أعجب منه حين رجع! فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار. فقال أبو سفيان: واللات والعزى لئن ذكرت ذلك بمكة لنتركها خلوًا.
[ ٩ ]
وذكروا أن رافع بن عميرة بن جابر كان يرعى غنمًا إذ غار الذئب عليها فاحتمل أعظم شاة منها فشد عليه رافع ليأخذها منه وقال: عجبًا للذئب يحتمل ما حمل! قال: فأقعى الذئب غير بعيد وقال: أعجب منه أنت أخذت مني رزقًا رزقنيه الله تعالى. فقال رافع: يا عجبًا للذئب يتكلم! فقال الذئب: أعجب من ذلك الخارج من تهامة يدعوكم إلى الجنة وتأبون إلا دخول النار. فأقبل الرجل إلى النبي، ﷺ، وقد جاءه جبريل، ﵇، فأنبأه بما كان، فقص النبي، ﷺ، ما كان فآمن وصدق وقال:
رعيت الضأن أحميها بنفسي من اللص الخفي وكل ذيب
فلما أن رأيت الذئب يعوي وبشرني بأحمد من قريب
يبشرني بدين الحق حتى تبينت الشريعة للمنيب
رجعت له وقد شمرت ثوبي عن الكعبين معتمدًا ركوبي
فألفيت النبي يقول قولًا صوابًا ليس بالهزل الكذوب
ألا بلغ بني عمرو بن عوفٍ وأختهم جديلة أن أجيبي
دعاء المصطفى لا شك فيه فإنك إن تجيبي لا تخيبي
ومن محاسن رسول الله، ﷺ، وبركته ما رواه محمد بن إسحاق عن سعيد بن مينا عن جابر بن عبد الله قال: عملنا مع رسول الله، ﷺ، في الخندق وكانت عندي شويهة غير سمينة فقلت: والله لو صنعت هذه الشاة لرسول الله، ﷺ. قال: فأمرت امرأتي فطحنت شيئًا من شعير فصنعت له منه خبزًا وذبحت الشاة فشويتها، فلما أمسينا وأراد رسول الله، ﷺ، الانصراف قلت: يا رسول الله إني صنعت لك شويهة وشيئًا من خبز الشعير وأحب أن تنصرف معي إلى منزلي، وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله، ﷺ، وحده. فلما قلت له ذلك قال: نعم، ثم أمر بصارخ فصرخ: انصرفوا إلى بيت جابر. فقلت: أنا لله وإنا إليه راجعون. وأقبل رسول الله، ﷺ، والناس معه، فأخرجتها إليه فسمى ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء قوم حتى صدر أهل الخندق عنها.
وروي عن محمد بن إسحاق أن ابنة لبشير بن سعد قالت: دعتني أمي ابنة رواحة فأعطتني حفنة تمر في ثوبي وقالت: يا بنية اذهبي إلى أبيك بهذا. قالت: فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله، ﷺ، وأنا ألتمس أبي فقال، ﵊: تعالي يا بنية، ما هذا معك؟ قلت: تمر بعثت به أمي إلى أبي بشير بن سعد. فقال: هاتي به. فصببته في كفي رسول الله، ﷺ، فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده: ناد في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء. فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل هو يزداد حتى صدر أهل الخندق عليه وهو يسقط من أطراف الثوب.
ومن آياته، ﷺ، ما لا يعرفها إلا الخاصة وهي محاسن أخلاقه وأفعاله التي لم تجتمع لبشر من قبله ولا تجتمع لأحد من بعده، وذلك أنا لم نر ولم نسمع لأحد قط صبره وحلمه ووفاءه وزهده وجوده ونجدته وصدق لهجته وكرم عشيرته وتواضعه وعلمه وحفظه وصمته إذا صمت ونطقه إذا نطق ولا كعفوه وقلة امتنانه، ولم نجد شجاعًا قط إلا وقد فر مثل عامر فر عن أخيه الحكم يوم الرَّقم وعيينة فر عن أبيه يوم نسار وبسطام عن قومه يوم العظالى.
وكان له، ﷺ، وقائع مثل أحد وحنين وغيرهما فلا يستطيع منافق أن يقول هاب حربًا أو خاف.
وأما زهده، ﷺ، فإنه ملك من أقصى اليمن إلى شِحر عمان إلى أقصى الحجاز إلى عذار العراق ثم توفي، ﷺ، وعليه دين ودرعه مرهون في ثمن طعام أهله، لم يبن دارًا ولا شيد قصرًا ولا غرس نخلًا ولا شق نهرًا ولا استنبط عينًا واعتبر برديه اللذين كان يلبسهما وخاتمه.
[ ١٠ ]
وكان، ﷺ، يأكل على الأرض ويلبس العباءة ويجالس الفقراء ويمشي في الأسواق ويتوسد يده ولا يأكل متكيًا ويقتص من نفسه، وكان، ﷺ، يقول: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأشرب كما يشرب، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت ولو أهدي إلي كراع لقبلت. ولم يأكل قط وحده ولا ضرب عبده، ولم ير، ﵊، أدار رجله بين يدي أحد ولا أخذ بيده أحد فانتزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسلها.
وأما كرمه، ﷺ، في فتح مكة وقد قتلوا أعمامه ورجاله وأولياءه وأنصاره وآذوه وأرادوا نفسه فكان يلتقي السفه بالحلم والأذى بالاحتمال، وكان متى كان أكرم وعنهم أصفح كانوا ألأم وعليه ألح، والعجب أنهم كانوا أحلم جيل إلا فيما بينهم وبينه فإنهم كانوا إذا ساروا إليه أفحشوا عليه وأفرطوا في السفه ورموه بالفرث والدماء وألقوا على طريقه الشوك وحثوا في وجهه التراب، وكان لا يتولى هذا منه إلا العظماء والأخوال والأعمام والأقرب فالأقرب، فإذا كانوا كذلك كان أشد للغيظ وأثبت للحقد، فلما دخل، ﵇، مكة قام فيهم خطيبًا فحمد الله، ﷿، وأثنى عليه ثم قال: أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
وأما محاسن قوله الحق فإنه ذكر زيد بن صوحان فقال: زيد وما زيد، يسبقه عضو منه إلى الجنة، فقطعت يده يوم نهاوند في سبيل الله ووعد أصحابه بيضاء إصطخر وبيضاء المدائن وقال لعدي بن حاتم: لا يمنعك ما ترى، يعني ضعف أصحابه وجهدهم، فكأنهم ببيضاء المدائن قد فتحت عليهم، وكأنهم بالظعينة تخرج من الحيرة حتى تأتي مكة بغير خفير، فأبصر ذلك كله عدي وقال لعمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية، فكان كما قال حتى قال معاوية: إنما قتله من أخرجه.
وضلت ناقته، ﷺ، فأقبل يسأل عنها فقال المنافقون: هذا محمد يخبرنا عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن رجلًا يقول في بيته إن محمدًا يخبرنا عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، ألا وإني لا أعلم إلا ما علمني ربي ﷿ وقد أخبرني أنها في وادي كذا وكذا تعلق زمامها بشجرة. فبادر الناس إليها وفيهم زيد بن أرقم وزيد بن اللصيت فإذا هي كذلك.
ولما استأمن أبو سفيان بن حرب إليه، ﵊، أمر عمه العباس أن يأخذه إلى خيمته حتى يصبح، فلما صار في قبة العباس ندم على ما كان منه وقال في نفسه: ما صنعت؟ دفعت بيدي هكذا، ألا كنت أجمع جمعًا من الأحابيش وكنانة وألقاه بهم فلعلي كنت أهزمه! فناداه رسول الله، ﷺ، من خيمته: إذًا كان الله يخزيك يا أبا سفيان. فقال أبو سفيان: يا عباس أدخلني على ابن أخيك. فقال له العباس: ويلك يا أبا سفيان ما آن لك ذلك. فأدخله على رسول الله، ﷺ، فقال: يا رسول الله قد كان في النفس شيء وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله حقًا.
وقوله، ﷺ، لما يكون من بعده مما حدّث به محمد بن عبد الرحمن بن أذينة عن سلمان بن قيس عن سلمان بن عامر عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله، ﷺ: إني رأيت على منبري هذا اثني عشر رجلًا من قريش يخطب كلهم رجلان من ولد حرب بن أمية وعشرة من ولد أبي العاص بن أمية. ثم التفت إلى العباس وقال: هلاكهم على يدي ولدك.
وأما جماله وبهاؤه ومحاسن ولادته، ﷺ، فما روي عن عثمان بن أبي العاص قال: أخبرتني أمي أنها حضرت آمنة أم النبي، ﷺ، لما ضربها المخاض، قالت: جعلت أنظر إلى النجوم تتدلى حتى قلت لتقعنّ عليّ، فلما وضعته خرج منها نور أضاء له البيت والدار حتى صرت لا أرى إلا نورًا. قال: وسمعت آمنة تقول: لقد رأيت وهو في بطني أنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، ثم ولد، ﷺ، فخرج معتمدًا على يديه رافعًا رأسه إلى السماء كأنه يخطب أو يخاطب.
وروي عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله، ﷺ، أشجع الناس وأحسن الناس وأجود الناس، ما مسست بيدي ديباجًا ولا حريرًا ولا خزًّا ألين من كف رسول الله، ﷺ.
[ ١١ ]
وعن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول الله، ﷺ، في ليلة البدر وعليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو أحسن في عينيّ من القمر.
وعن جابر بن زيد عن أبيه قال: أتيت النبي، ﷺ، في مسجد الخيف فناولني يده فإذا هي أطيب من المسك وأبرد من الثلج.
ومن فضله الذي أبرّ على جميع الخلائق ومحاسنه ما روي عن وهب بن منبّه أنه قال: لما خلق الله ﷿ الأرض ارتجت واضطربت فكتب في أطرافها محمد رسول الله فسكنت.
وأما عقله، ﵊، فقد روي أن عقول جميع الخلائق من الأولين والآخرين في جنب عقل رسول الله، ﷺ، كرملة من بين جميع رمال الدنيا.
ومن محاسنه، ﷺ، الإسراء ما روي عن الحسن بن أبي الحسن البصري، ﵀، يرفعه قال: قال رسول الله، ﷺ: إني لنائم في الحجر إذ جاء جبريل، ﵇، فغمزني برجله فجلست فلم أر شيئًا ثم عدت لمضجعي، فجاءني الثانية فغمزني فجلست وأخذ بعضدي فخرج بي إلى باب الصفا وإذا أنا بدابة أبيض بين الحمار والبغل له جناحان في فخذيه يضع حافره منتهى طرفه، فقال لي جبريل: اركب يا محمد، فدنوت إليه لأركب فتنحى عني. فقال له جبريل، ﵇: يا براق ما لك فوالله ما ركبك خير منه قط! فركبت وخرجت ومعي صاحبي لا أفوته ولا يفوتني حتى انتهى بي إلى بيت المقدس فوجدت فيه نفرًا من الأنبياء قد جمعوا لي فأممتهم، ثم أُتيت بإناءين من خمر ولبن فتناولت اللبن وشربت منه وتركت الخمر. فقال جبريل، ﵇: هديت وهديت أمتك وحرمت عليهم الخمر، ثم أصبحت بمكة. قال: فلما ذكر رسول الله ذلك ارتد كثير ممن كان آمن به وقالوا: سبحان الله! أذهب محمد إلى الشام في ساعة من الليل ثم رجع والعير تطرد شهرًا مدبرة وشهرًا مقبلة! فبلغ ذلك أبا بكر، ﵁، فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله، ﷺ، فقال: يا رسول الله ما يقول هؤلاء؟ يزعمون أنك حدثتهم بأنك قد أتيت الشام هذه الليلة ورجعت من ليلتك! قال: قد كان ذاك. قال: يا رسول الله فصف لي المسجد. فجعلت أصفه لأبي بكر، ﵀، وأنا أنظر إليه فكلما حدثته عن شيء قال: صدقت أشهد أنك رسول الله، حتى فرغت من صفته، فقال رسول الله يومئذ: فأنت الصدّيق يا أبا بكر.