[ ٨٤ ]
قال ابن طاهر: حدثوني عن عبد الله بن مالك قال: كنت أتولى الشرطة للمهدي وكان يبعث إليّ في ندماء الهادي ومغنّيه أني أضربهم وأحبسهم صيانة له عنهم، فبعث الهادي يسألني الرفق بهم والترفيه عنهم، فلا ألتفتُ إلى ذلك وأمضي إلى ما يأمر به المهدي، فلما ولي الهادي الخلافة أيقنت بالتلف فبعث إليّ يومًا فدخلت عليه متكفّنًا متحنّطًا، فإذا هو على كرسي والنطع والسيف بين يديه، فسلّمت فقال: لا سلم الله عليك! تذكر يوم بعثت إليك في أمر الحرّاني لما أمر أمير المؤمنين، ﵁، بضربه فلم تجبني في فلان وفي فلان، وجعل يعدّ ندماءه، ولم يلتفت إلى قولي؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، أفتأذن لي في استيفاء الحجة؟ قال: نعم، قلت: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أيسرك أن ولّيتني ما ولاني أبوك وأمرتني بأمر فبعث إليّ بعض بنيك بأمر يخالف أمرك فاتبعت أمره وعصيت أمرك؟ قال: لا، قلت: فكذلك أنا لك وكذا لأبيك وأخيك. فاستدناني فقبّلت يده وأمر بخُلع فصبّت عليّ وقال: قد وليتك ما كنت تتولاه فامض راشدًا. فخرجت من عنده وصرت إلى منزلي مفكرًا في أمره وأمري وقلت حدثٌ والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتّابه فكأني بهم حين يغلب عليه الشراب وقد أزالوه عن رأيه فيّ وحملوه في أمري ما كنت أتخوّفه، قال: فإني لجالس وبين يديّ بنيّة لي والكانون بين يدي ورقاق أشطره بكامخ وأسخنه وأطعمه الصبية حتى توهّمت أن الدنيا قد اقتلعت بي وزلزلت لوقع حوافر الدواب وكثرة الضوضاء فقلت: هاه كان والله ما ظننت! فإذا الباب قد فتح وإذا الخدم قد دخلوا وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم، فلما رأيتهم وثبت عن مجلسي مبادرًا وقبّلت يده ورجله وحافر حماره، فقال: يا أبا عبد الله إني فكرت في أمرك فقلت يسبق إلى قلبك أني إذا شربت وجاءني أعداؤك أزالوا ما حسن من رأيي فيك فأقلقك وأوحشك فصرت إلى منزلك لأؤنسك وأعلمك أن السخيمة قد زالت عن قلبي فهات اطعمني ما كنت تأكل وافعل فيه ما كنت تفعل لتعلم أني قد تحرمت بطعامك وأنست بمنزلك فيزول خوفك ووحشتك. فأدنيت إليه ذلك الرقاق والسُّكُرّجة التي فيها الكامخ فأكل منها ثم قال: هاتوا الزلة التي زللتها لأبي عبد الله من مجلسي، فأدخل إليّ أربعمائة بغل موقرة دراهم، فقال: هذه زلّتك فاستعن بها على أمرك واحفظ هذه البغال عندك فلعلي أحتاج إليها لبعض أسفاري، وانصرف راجعًا. فأخبرني موسى بن عبد الله أن أباه أعطاه بستانه الذي كان وسط داره فبنى حوله معالف لتلك البغال وكان هو يتولى القيام عليها مدّة حياة الهادي.
[ ٨٥ ]
وحدّث من حضر مجلس المأمون وقد أمر بإحضار العباس صاحب الشرطة ببغداد وبين يديه رجل مكبل بالحديد، فلما حضر قال: يا عباس خذ هذا إليك واستوثق منه ولا يفوتنك وبكّر به واحذر كل الحذر. قال العباس: فدعوت جماعة حملوه ولم يقدر يتحرك فقلت في نفسي مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به ما يُحَبّ أن يكون معي إلا في بيتي، ثم سألته عن قصته وحاله من أين هو، فقال: من دمشق، فقال: جزى الله دمشق وأهلها خيرًا، فمن أنت من أهلها؟ قال: لا تزيد أن تسألني، فقلت له: أتعرف فلانًا؟ فقال: ومن أين عرفت ذلك الرجل؟ فقلت: كانت لي قصة معه، فقال: ما أنا بمعرّفك خبره أو تعرّفني قصتك، فقلت: ويحك! كنت مع بعض الولاة بها فخرج علينا أهلها حتى أراد الوالي أن يُدلي في زنبيل من قصر الحجاج وهرب هو وجميع أصحابه وهربت فيمن هرب، فإني لفي بعض الطريق إذا جماعة يعدون خلفي، فما زلت أحاضرهم حتى مررت على هذا الرجل الذي ذكرته لك وهو جالس على باب داره فقلت: أغثني أغاثك الله! فقال: لا بأس عليك ادخل الدار، فدخلت، فقالت لي امرأته: ادخل الحجلة، فدخلتها، وأتت الرجال خلفي فما شعرت إلا به وهم معه يقولون: هو والله عندك! فقال: دونكم الدار، ففتشوها حتى لم يبق إلا البيت الذي كنت فيه، فقالوا: هاهنا، فصاحت المرأة وانتهرتهم، فانصرفوا وخرج الرجل فجلس على باب داره ساعة وأنا قائم في الحجلة خائفًا، فقالت المرأة: اجلس لا بأس عليك، فجلست، فلم ألبث أن دخل الرجل وقال: لا تخف فقد صرت إلى الأمن والدعة إن شاء الله تعالى، فقلت له: جزاك الله عني خيرًا! ثم ما زال يعاشرني أحسن المعاشرة وأجملها ولا يفتر من القصف والأكل والشرب والفرح أربعة أشهر إلى أن سكنت الفتنة وهدأت، فقلت له: أتأذن لي في الخروج لأتعرف خبر غلماني ومنزلي فلعلي أن أقف لهم على أثر أو خبر، فأخذ عليّ المواثيق بالرجوع إليه، فخرجت وطلبت غلماني فلم أر لهم أثرًا فرجعت إليه وأعلمته الخبر وهو مع هذا لا يعرفني ولا يعرف اسمي ولا مخاطبتي بغير الكنية، ثم قال لي: ما تعزم؟ فقلت: قد عزمت على الشخوص إلى بغداد فإن قافلة تخرج بعد ثلاثة أيام وقد تفضلت عليّ هذه المدة فأسألك أن تعطيني ما أنفقه في طريقي وما ألبسه، فقال: بصنع الله ﷿، ثم قال لغلام له أسود: انعل الفرس الفلاني، وتقدم إلى من في منزله بإعداد السفر، فقلت في نفسي: ما أشك إلا أنه يخرج إلى ضيعة له أو ناحية من النواحي، فوقعوا يومهم ذلك في تعبٍ وكدّ، فلما كان يوم خروج القافلة جاءني في السحَر وقال: يا أبا فلان قم فإن القافلة تخرج الساعة وأكره أن تنفرد عنها، فقلت في نفسي: ما أعطاني شيئًا مما سألته، ثم قمت فإذا هو وامرأته يحملان إليّ خفاتين مقطوعة جددًا وراناتٍ وآلة السفر ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي ثم قدّم البغل فحمل عليه الصناديق وفوقها مفرشان ودفع إليّ نسخةً بما في الصناديق وفيها خمسة آلاف درهم وقدّم إلي الفرس الذي كان أنعله بسرجه ولجامه وقال لي: اركب وهذا الغلام الأسود يخدمك ويسوس دوابك، وأقبل هو وامرأته يعتذران من تقصيرهما في أمري، وركب معي فشيعني، وانصرفت إلى بغداد وأنا على مكافأته ومجازاته فعاقنا عن ذلك ما نحن فيه من الشغل بالأسفار واتصالها والتنقل من مكان إلى مكان. فلما سمع الرجل الحديث قال: قد أتاك الله ﷿ بمن تريد مكافأته بلا مؤونة عليك، فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أنا والله ذلك الرجل! ثم قال لي: ما أثبتك! فتعرّف إليّ وأقبل يذكرني بأشياء يتعرف بها إليّ حتى أثبته وعرفته فما تمالكت أن قمت إليه فقبّلت رأسه وقلت له: ما الذي أصارك إلى هذا؟ فقال: هاجت فتنة بدمشق مثل الفتنة التي كانت في أيامك فنسبت إليّ وبعث أمير المؤمنين بجيوش فأصلحوا البلد وحُملت إليه وأمري عنده غليظ جدًا وهو قاتلي لا محالة، وقد خرجت من عند أهلي بلا وصية وقد تبعني من عبيدي من ينصرف إلى منزلي بخبري وهو نازل عند فلان، فإن رأيت أن تنعم وتبعث إليه حتى يحضر فأتقدّم إليه بما أريد، فإذا أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة لي. قال فقال العباس: بصنع الله، ثم قال: علي بحدّادين، فأتوا بهم، فحلّ قيوده وما كان عليه من أنواع الأنكال، ودعا بالحجام فأحضر وأخذ من شعره ثم قال: عليّ بمولاه، فأنفذ في طلبه من يحضره. قال الرجل: فلما أن أخذ شعري
[ ٨٦ ]
أدخلني الحمام فطرح عليّ من ثيابه ما اكتفيت به ثم حضر مولاي وقعد يبكي، فقال العباس: عليّ بفرسي الفلاني والفرس الفلاني والبغل الفلاني، حتى عد عشرًا، ثم قال: عليّ من الصناديق والكسوة بكذا ومن صناديق الطعام بكذا، ثم أمر لي ببدرةٍ فيها عشرة آلاف درهم وكيس فيه خمسة آلاف دينار وقال لصاحب شرطته: خذه واعبر به إلى جسر الأنبار، فقلت له: إن أمري غليظ وإن أنت احتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأُردّ وأُقتل، فقال: انج بنفسك ودعني أدبر أمري، فقلت: والله لا أبرح من بغداد أو أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت، فقال لصاحب الشرطة: إن كان الأمر على هذا فليكن في موضع كذا وكذا فإن سلمت في غداة غدٍ فسبيل المحبة وإن قتلت كنت قد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه، وأنشدك الله أن تذهب من ماله شيئًا قيمته درهم وتخلّصه حتى تخرجه من بغداد. دخلني الحمام فطرح عليّ من ثيابه ما اكتفيت به ثم حضر مولاي وقعد يبكي، فقال العباس: عليّ بفرسي الفلاني والفرس الفلاني والبغل الفلاني، حتى عد عشرًا، ثم قال: عليّ من الصناديق والكسوة بكذا ومن صناديق الطعام بكذا، ثم أمر لي ببدرةٍ فيها عشرة آلاف درهم وكيس فيه خمسة آلاف دينار وقال لصاحب شرطته: خذه واعبر به إلى جسر الأنبار، فقلت له: إن أمري غليظ وإن أنت احتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأُردّ وأُقتل، فقال: انج بنفسك ودعني أدبر أمري، فقلت: والله لا أبرح من بغداد أو أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت، فقال لصاحب الشرطة: إن كان الأمر على هذا فليكن في موضع كذا وكذا فإن سلمت في غداة غدٍ فسبيل المحبة وإن قتلت كنت قد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه، وأنشدك الله أن تذهب من ماله شيئًا قيمته درهم وتخلّصه حتى تخرجه من بغداد.
قال الرجل: فأخذني صاحب الشرطة فصيرني في مكان يثق به وتفرّغ العباس لنفسه واغتسل وتحنّط وتكفن. قال العباس: فلم أفرغ من ذلك حتى وافتني رسل المأمون في السحر وقالوا: أمير المؤمنين يقول هات الرجل، فسكتّ وأتيت الدار وإذا أمير المؤمنين جالس عليه ثيابه أمام فراشه، فقال: الرجل! فسكتّ، فقال: ويحك الرجل! فقلت: يا أمير المؤمنين اسمع مني، فقال: أعطي الله عهدًا لئن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك! فقلت: لا والله ما هرب، فاسمع مني حديثي وحديثه ثم أنت أعلم بما تفعله في أمرنا، قال: قل، فقلت: يا أمير المؤمنين كان من حديثي معه كذا وكذا، وقصصت عليه القصة وعرّفته أني كنت أريد مكافأته فشغلت عن ذلك حتى إذا كان البارحة عرفته وعبرت به جسر الأنبار وقلت: أنا من سيدي أمير المؤمنين بين أمرين، إما تصفح عني وإما قتلني وأكون قد كافيته ووقيته بنفسي كما وقاني بنفسه. فلما سمع المأمون الحديث قال: ويحك! لا جزاك الله خيرًا عن نفسك وعنا وعن هذا الفتى الحرّ، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة وتكافيه بعد المعرفة بهذا! لم لا عرّفتني خبره فكنت أكافيه عنك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنه والله هاهنا قد حلف أنه لا يبرح حتى يعرف سلامتي فإن احتيج إلى حضوره حضر، قال: وهذه والله منه أعظم من الأولى، فاذهب إليه الآن وطيّب نفسه وسكن روعه وتعبر به إليّ حتى أتولى مكافأته عنك. فصرت إليه وقلت: ليسكن روعك إن أمير المؤمنين قال كيت وكيت، فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء غيره، ثم تهيأ للصلاة فصلى ركعتين ثم جئنا فلما مثل بين يدي المأمون أدناه حتى أجلسه إلى جانبه وآنسه وحدّثه حتى حضر الغداء، ثم قال: الطعام، فأكل معه وخلع عليه وعرض عليه أعمال دمشق فاستعفاه، ثم قال المأمون: علي بعشرة أفراس بسروجها ولجمها وعشرة بغال بجميع آلتها وبعشر بدر وبعشر تخوت وعشرة مماليك بذواتهم وجميع آلتهم، فدُفع ذلك إليه، وكتب إلى عامله بالوصاية عليه وأوغر خراجه وكتب إلى صاحب البريد أن تنفذ كتبه وصرفه إلى بلده. قال العباس: فكان إذا ورد له كتاب في خريطة يقول لي المأمون: يا عباس هذا كتاب صديقك.
[ ٨٧ ]
وحدّث رجل عن جعفر العطار قال: بينما يحيى بن أكثم يماشي المأمون في بستان موسى والشمس عن يمينه والمأمون في الظل وقد وضع يده على عاتق يحيى وهما يتحدثان إذ رأى المأمون أن يرجع في الطريق الذي جاء منه، فلما انتهى إلى الموضع الذي قصده قال يحيى: إنك جئت وعن يسارك الشمس وقد أخذت منك فكن أنت الآن في منصرفك حيث كنت وأكون أنا حيث كنت أنت، فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين لو أمكنني أن أقيك بنفسي من هول المطلع لفعلت فكيف لا أصبر على أذى الشمس ساعة؟ فقال: والله لا بدّ من أن آخذ منها كما أخذت منك وتأخذ من الظل كما أخذت منه! فصار المأمون في موضعه وصار يحيى في موضع المأمون وتماشيا وأخذ بيده فوضعها على عاتقه حتى صار إلى المجلس.
وحدّث رجل من آل اسوار بن ميمون عن عمه عبد الله بن اسوار قال: دخلت على يحيى بن خالد البرمكي يومًا فقال: اجلس، وكنت أحد كتّابه فقلت: ليست معي دواة، فقال: ويحك! في الأرض صاحب صناعة تفارقه آلته؟ وأغلظ لي في حرف علمت أنه أراد به خطّي وأراني بعض التثاقل في الكتاب ظهر لي به أنه أراد خطي على الأدب لا غير، ثم دعا بدواة فكتبت بين يديه كتابًا منه إلى الفضل ابنه، ورأى مني بعض الضجر في ما كتبت فتوهّم أن ذلك من أجل الكلمة التي كلمني بها، فأراد أن يمحو عن قلبي ما توهّمه عليّ فقال: عليك دين؟ قلت: نعم، قال: من دينك؟ قلت: ثلاثمائة ألف درهم، فوقع بخطه إلى الفضل في الكتاب:
وكلُّكم قد نال شبعًا لبطنه وشبع الفتى لؤمٌ إذا جاع صاحبه
ثم قال: إن عبد الله ذكر أن عليه دينًا يخرجه منه ثلاثمائة ألف درهم فإذا نظرت في كتابي هذا وقبل أن تضعه من يدك فأقسمت عليك لمّا حملت ذلك إلى منزله من أخصّ مال قِبلك. قال: فحملها الفضل إليّ وما أعلم لها سببًا إلا تلك الكلمة.
وحدّث إبراهيم بن ميمون قال: حدثني جبريل بن بختيشوع قال: اشتريت ضيعة فنقدت بعض الثمن وتعذر عليّ بعضه فدخلت على يحيى وعنده ولده وأنا أفكّر فقال لي: ما لي أراك مفكرًا؟ فقلت: أنا في خدمتك وقد اشتريت ضيعة بسبع مائة ألف درهم ونقدت بعض الثمن وتعذر عليّ بعضه.
فدعا بالدواة وكتب: يعطى جبريل سبع مائة ألف درهم. ثم دفع الكتاب إلى ولده فوقّع فيه كل واحد منهم بثلاثمائة ألف درهم، فقلت: جعلت فداك! قد أدّيت عامة الثمن وإنما بقي عليّ أقلّه، فقال: اصرف ذلك في بعض ما ينوبك. ثم صرت إلى الرشيد فقال: ما أبطأ بك؟ قلت: يا أمير المؤمنين كنت عند أبيك وإخوتك ففعلوا بي كذا وكذا، قال: فما حالي أنا؟ ثم دعا بدابته فركب إلى يحيى فقال له: يا أبت خبّرني جبريل بما كان فما حالي من بين ولدك؟ فقال: يا أمير المؤمنين مُر له بما شئت يحمل إليه، فأمر بحمل مال إلى جبريل.
وكان إبراهيم بن جبريل على شرطة الفضل فوجّهه إلى كابل فافتتحها وغنم غنائم كثيرة ثم ولاه سجستان، فلما انصرف منها كان عنده من مال الخراج أربعة آلاف ألف درهم، فلما قدم بغداد وبنى داره في البغويين استزار الفضل بن يحيى ليريه نعمته عليه وأعد الهدايا والطُّرف وآنية الذهب والفضة والوصفاء والوصائف والدواب والقباب والثياب وما تهيأ لمثله ووضع الأربعة الآلاف الألف الدرهم في ناحية من الدار، فلما تغدّى الفضل قدّم إليه تلك الهدايا، فأبى أن يقبل منها شيئًا وقال: لم آتك لأسلبك! فقال: أيها الأمير إنها نعمتك علي! قال: ولك عندنا مزيد. قال: فلم يزل يطلب إليه فأخذ من جميع ذلك سوطًا سِجزيًا، فقال: هذا من آلة الفرسان، فقال إبراهيم: أيها الأمير فهذا المال من مال الخراج تأمر بقبضه؟ قال: هو لك، فأعاد عليه القول مرارًا، فقال: ما لك بيتٌ يسعه، فوهب له المال بعد أن كان قد صار إليه ألف ألف درهم.
[ ٨٨ ]
قال: ودخل قوم من حاشية المنصور وخدمه عليه فرأى منهم رجلًا عليه سوادٌ خلقٌ فقال له: يا فلان ما لي أرى سوادك منقطعًا، أما تقبض رزقك؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين ولكن أبي توفي وترك دينًا فبعت تركته في قضاء دينه وصرفت أكثر رزقي إلى حرمته وولده من بعده، فقال: أعد عليّ ما قلت، فأعاده، فقال: ما أحسن ما فعلت! اغد عليّ في غدٍ، فغدا عليه فوجد الربيع جالسًا على الكرسي، فقال: قد سأل عنك أمير المؤمنين فادخل، فدخل فوجده قائمًا يصلي، فقضى صلاته وقال: ألم آمرك أن تغدو؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما قصرت في الغدوّ عند نفسي، قال: خذ ما تحت تلك المُضَرّبة، وإذا السراج يزهر وسرير صغير في ناحية المجلس ينام عليه، فرفعت المضربة فإذا دنانير، فجعلت أحثوها في كمي ثم دعوت له هو وخرجت، فبصر بصفرة دينار في ضوء السراج، فدعا لي فقال لي: انظر ما على السرير، فإذا دينار فأخذته، فقال: ادن مني، فدنوت منه فعرك أذني تعريكًا شديدًا فقال: تترك دينارًا وفيه نفقة يومك؟ قال: فأخذت الدينار، ووزنت الدنانير وإذا هي ألف دينار عددها تسعمائة وتسعة وتسعون دينارًا في عافية وأخذت واحدًا بعرك الأذن.
قيل: وقال علقمة بن لبيد لابنه: يا بني إن نازعتك نفسك يومًا إلى صحبة الرجال لحاجتك إليهم فاصحب من إن صحبته زانك، وإن تخففت له صانك، وإذا نزلت بك نازلة مانك، وإن قلت صدّق قولك، وإن صلت به شدد صولك. اصحب من إذا مددت يدك لفضلٍ مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن بدت منك ثلمة سدها. اصحب من لا تأتيك منه البوائق ولا تختلف عليك منه الطرائق ولا يخذلك عند الحقائق.
وقال بعض الحكماء: إذا رأيت كلبًا ترك صاحبه وتبعك فارجمه بالحجارة فإنه تاركك كما ترك صاحبه.
وقال آخر: اصحب من خوّلك نفسه وملّكك خدمته وتخيّرك لزمانه فقد وجب عليك حقه وذمامه، وكان يقال من قبل: صلتك، فقد باعك مروءته وأذلّ لقدرك عزّه.
وقال بعضهم: أنا أطوع لك من اليد وأذل من النعل.
وقال بعضهم: أنا أطوع لك من الرداء وأذل من الحذاء.
قيل: وقال ابن أبي دؤاد لرجل انقطع إلى محمد بن عبد الملك الزيات: ما خبرك مع صاحبك؟ قال: لا يقصر في الإحسان إليّ، قال: يا هذا إن لسان حالك يكذّب لسان مقالك.
مساوئ الصحبة قال: كان يوسف بن عمر يتولى العراقين لهشام بن عبد الملك، وكان مذمومًا في عمله فحدّث المدائني قال: وزن يوسف بن عمر درهمًا فنقص حبة فكتب إلى دور الضرب بالعراق فضُرب أهلها مائة سوط.
قيل: وخطب في مسجد الكوفة فتكلم إنسان مجنون فقال: يا أهل الكوفة ألم أنهكم أن يدخل مجانينكم المسجد؟ اضربوا عنقه! فضربت عنقه.
قال: وقال لهمّام بن يحيى وكان عامله: يا فاسق أخربت مهرجانقذق! قال: إني لم أكن عليها إنما كنت على ماه دينار وتقول أخربت مهرجانقذق! فلم يزل يوسف يعذّبه حتى قتله.
قال وقال لكاتبه: ما حبسك عني؟ قال: اشتكيت ضرسي، قال: تشتكي ضرسك وتقعد عن الديوان؟ ودعا له بالحجام وأمره بقلع ضرسين من أضراسه.
[ ٨٩ ]
وعن المدائني قال: حدثني رضيعٌ كان ليوسف بن عمر من بني عبس قال: كنت لا أحجب عنه وعن حرمته فدعا ذات يوم بجوار له ثلاث ودعا بخصيٍّ أسود يقال له حديج فقرّب إليه واحدةً فقال لها: إني أريد الشخوص أفأخلفك أم أشخصك معي؟ فقالت: صحبة الأمير أحبّ إليّ ولكني أحسب أن مقامي وتخلفي أعفى وأخفّ عليّ، قال: أحببت التخلف للفجور! اضرب يا حديج، فضربها حتى أوجعها، ثم أمره أن يأتيه بأخرى قد رأت ما لقيت صاحبتها، فقال لها: إني أريد الشخوص أفأخلّفك أم أخرجك؟ قالت: ما أعدل بصحبة الأمير شيئًا بل يخرجني، قال: أحببت الجماع ما تريدين أن يفوتك! اضرب يا حديج، فضربها حتى أوجعها، ثم أمر بالثالثة أن يأتيه بها وقد رأت ما لقيت المقدمتان، فقال لها: أريد الخروج أفأخلّفك أم أشخصك؟ قالت: الأمير أعرف أي الأمرين أخف عليه، قال: اختاري لنفسك، قالت: ما عندي لهذا اختيار فليختر الأمير، قال: قد فرغت أنا الآن من كل شيء ومن كل عمل ولم يبق عليّ إلا أن أختار لك! أوجع يا حديج، فضربها حتى أوجعها. قال الرجل: وكأنما يضربني من شدة غيظي عليه، فولّت الجارية وتبعها الخادم، فلما بعدت قالت: الخيرة والله في فراقك، ما تقرّ والله عين أحدٍ بصحبتك! فلم يفهم يوسف كلامها، فقال: ما تقول يا حديج؟ قال: قالت كذا وكذا، قال: يا ابن الخبيثة من أمرك أن تخبرني؟ يا غلام خذ السوط من يده وأوجع به رأسه! فما زال يضرب حتى اشتفيت.