قيل: كان أبو عطاء السندي بباب أمير المؤمنين أبي العباس وبنو هاشم يدخلون ويخرجون، فقال:
[ ١١٨ ]
إن الخيار من البرية هاشمٌ وبنو أمية أرذل الأشرار
وبنو أمية عودهم من خِزوعٍ ولهاشم في المجد عود نضار
أما الدعاة إلى الجنان فهاشمٌ وبنو أمية من دعاة النار
وبهاشمٍ زكت البلاد وأعشبت وبنو أمية كالسراب الجاري
فلم يؤذن له في الدخول على أبي العباس ولم يصله أحد من بني هاشم، فولّى وهو يقول:
يا ليت جور بني مروان عاد لنا وأن عدل بني العباس في النار
قال: وقال المؤمل المحاربي: شخصت إلى المهدي وهو بالري فامتدحته فأمر لي بعشرين ألف درهم، فرُفع الخبر إلى المنصور فبعث قائدًا إلى جسر النهروان يستبري القوافل، فلما وردت عليه قال: من أنت؟ قلت: أنا المؤمل أقبلت من عند الأمير من الري. فقال: إياك أردت! ثم أخذ بيدي فأدخلني على المنصور وهو بباب الذهب، فقال: أتيتَ غلامًا غرًا فخدعته! فقلت: بل أتيتُ غلامًا غرًا كريمًا فخدعته فانخدع. فقال: أنشدني ما قلته فيه، فأنشدته:
هو المهدي إلا أن فيه مشابه صورة القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما إذا ما أنارا يشكلان على البصير
فهذا في الظلام سراج ليلٍ وهذا بالنهار سراج نور
ولكن فضّل الرحمن هذا على ذا بالمنابر والسرير
وبالملك العزيز فذا أميرٌ وماذا بالأمير ولا الوزير
ونقص الشهر يخمد ذا وهذا منيرٌ عند نقصان الشهور
فيا ابن خليفة الله المصفى به تعلو مفاخرة الفخور
لقد سبق الملوك أبوك حتى تراهم بين كابٍ أو أسير
وجئت وراءه تجري حثيثًا وما بك حين تجري من فتور
فقال الناس ما هذان إلا كما بين الخليق إلى الجدير
فإن بلغ الصغير مدى كبيرٍ فقد خُلق الصغير من الكبير
فقال: ما أحسن ما قلت ولكن لا يساوي ما أخذت، يا ربيع خذ منه ستة عشر ألفًا وخله وما سواها. قال: فحط والله الربيع ثقلي حتى أخذ مني ستة عشر ألفًا فما بقيت معي إلا نفيقة، فآليت على نفسي أن لا أدخل العراق وللمنصور بها ولاية، فلما بلغني موت المنصور واستخلاف المهدي قدمت بغداد وقد جعل المهدي على المظالم رجلًا يقال له ابن ثوبان، فرفعت إليه قصة أذكر فيها خبري فعرضها على المهدي، فضحك حتى استلقى وقال: هذه مظلمة أنا بها عارف، ردوا عليه ماله وزيدوا له عشرين ألفًا، فأخذتها وانصرفت.
قيل: ودخل عون على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين هذا جرير بالباب يريد الدخول عليك. فقال عمر: ما أدري أن أحدًا من أمة محمد، ﷺ، يحجب عني. قال: إنه يريد إذنًا خاصًا قال: أدخله. فخرج عون وأخذ بيده فأدخله، فشكا إليه طول المقام وشدة الحال وإلحاح الزمان وجهد العيال وسأله أن يأذن له في إنشاده شعرًا. فقال: إن أمير المؤمنين لفي شغل عن الشعر. فقال: إنها رسالة من أهل الحجاز، قال: هاتها، فقال:
قد طال قولي إذا ما كنت مجتهدًا يا رب عاف قوام الدين والبشر
خليفة الله ثم الله يحفظه عند المقام وإما كان في السفر
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا من الخليفة ما نرجو من المطر
بذَّ الخليفة أن كانت له قدَرًا كما أتى ربَّه موسى على قدر
ما زلت بعدك في دارٍ تؤرقني قد طال في الحي إصعادي ومنحدري
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت أم قد كفاني الذي نُبئت من خبري
كم بالمواسم من شعثاء أرملةٍ ومن يتيمٍ ضعيف الصوت والنظر
أمسى حزينًا يبكي فقد والده كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر
إن تسه عنه فمن يرجو لفاقته أو تنح عنه فقد أنحيت من ضرر
أنت المبارك والمهدي سيرته تعصي الهوى وتقوم الليل بالسور
ما ينفع الحاضر المجهود بادينا ولا يعود لنا بادٍ على حضر
[ ١١٩ ]
هذي الأرامل قد قضَّيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الخير ما دمت حيًا لا يفارقنا بوركت يا عمر الخيرات من عمر
فبكى عمر ثم رفع رأسه وقال: ما حاجتك يا جرير؟ قال: حاجتي ما عوّدتني الخلفاء قبلك. قال: وما ذاك؟ قال: أربعمائة من الإبل برعاتها وتوابعها من الحملان والكسى. قال له عمر: أمن المهاجرين أنت؟ قال: لا. قال: فمن الأنصار؟ قال: لا. قال: فممن أنت؟ قال: من التابعين بإحسان. قال: إذًا نجري عليك كما نجري على مثلك. قال: فإني لا أريد ذاك. قال: فما أرى لك في بيت المال غيره. قال: إنما جئت أسألك من مالك! قال: فإن لي كسوة ونفقة وأنا أقاسمكهما. قال: بل أؤثرك وأحمدك يا أمير المؤمنين. فانصرف من عنده وهو يقول:
وجدت رُقى الشيطان لا تستفزه وقد كان شيطاني من الجن راقيا
ولبعض الشعراء في مثله:
إن حرامًا قبول مدحته ومنع ما يرتجى من الصفد
كما الدنانير والدراهم في ال صرف حرام إلا يدًا بيد
وقال: أبو نجدة في مثله:
فلما أن بلوناك ولم نلقك بالناشط
أطعنا فيك ميمونًا فصورناك في الحائط
إذا لم تك نفّاعًا فأنت النازح الشاحط
سواء أنت في عيني بِجَي كنت أو واسط
وروي في الحديث قال: لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا.
ويقولون: الشحيح أعذر من الظالم، وأقسم الله جل وعز بعزته لا يساكنه في جنته بخيل.
وقال النبي، ﷺ: من فتح له باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يُغلق عليه، وقال الشاعر في ذلك:
ليس في كل ساعةٍ وأوان يتهيّا صنائع الإحسان
فإذا أمكنت تقدّمت فيها حذرًا من تعذر الإمكان
وسئل بعض الحكماء: من أكيس الناس في زماننا؟ فقال: ابن أبي دواد حيث يقول فيه الشاعر:
بدا حين أثرى بإخوانه ففلل عنهم شباه العدم
وحذّره الحزم صرف الزمان فبادر قبل انتقال النعم
فليس وإن بخل الباخلو ن يقرع سنًا له من ندم
ولا ينكت الأرض عند السؤال ليمنع سُوّاله عن نعم
ولكن ترى مشرقًا وجهه ليرتع في ماله مَن عدم
وفصلٌ لبعضهم في هذا المعنى: إن لأيام القدرة على الخير غنائم فاصطنعها ما دامت راهنة لديك وأنت منها متمكن قبل أن تنقضي عنك.
وفي المثل السائر في البخل: هو أبخل من قاذر. وهو رجل من بني هلال ابن عامر بلغ من بخله أنه سقى إبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل فسلح فيه وقذر الحوض فسمي قاذرًا، وذكروا أن بني فزارة وبني هلال تنافروا إلى أنس بن مدرك وتراضوا به، فقالت بنو هلال: يا بني فزارة أكلتم جلد الحمار! فقالت بنو فزارة: لم نعرفه. وكان سبب ذلك أن ثلاثة أنفار اصطحبوا، فزاري وثعلبي وكلابي، فصادوا حمار وحش، فمضى الفزاري في بعض حوائجه فطبخاه وأكلاه وخبيا للفزاري جلد الحمار، فلما رجع قالا له: قد خبأنا لك فكل، فأقبل يأكل ولا يسيغه، فجعلا يضحكان، ففطن وأخذ السيف وقام إليهما فقال لهما: إن أكلتماه وإلا قتلتكما، فامتنعا، فضرب أحدهما فأبان رأسه، وتناوله الآخر فأكل منه، فقال فيهم الشاعر:
نشدتك يا فزار وأنت شيخٌ إذا خيرت تخطيء في الخيار
أصيحانية أدمت بسمنٍ أحب إليك أم جلد الحمار
فقالت بنو فزارة: منكم يا بني هلال من سقى إبله فلما رويت سلح في الحوض وقذره بخلًا. فقضى أنس بن مدرك على الهلاليين وأخذ الفزاريون منهم مائة بعير. وكانوا تراهنوا عليها، وفي بني هلال يقول الشاعر:
لقد جلّلتْ خزيًا هلال بن عامر بني عامرٍ طرًا بسلحة قاذر
فأفّ لكم لا تدركوا الفخر بعدها بني عامرٍ أنتم شرار المعاشر
وفي المثل: هو أبخل من نار الحباحب، وهو رجل كان في الجاهلية من بخله أنه كان يسرج السراج فإذا أراد أحد أن يأخذ منه أطفأه فضرب به المثل.
[ ١٢٠ ]
ومنهم صاحب نجيح بن سليف اليربوعي، فإنه ذكر أن نجيحًا خرج يومًا إلى الصيد فعرض له حمار وحش فاتبعه حتى دفع إلى أكمة فإذا هو برجل أعمى أسود قاعد في أطمار بين يديه ذهب وفضة ودر وياقوت، فدنا منه نجيح فتناول منها بعضها، فلم يستطع أن يحرك يده حتى ألقاها، فقال: يا هذا ما الذي بين يديك وكيف تستطيع حمله، ألك هو أم لغيرك؟ فإني أعجب مما أرى! أجوادٌ أنت فتجود لنا أم بخيل فأعذرك؟ فقال الأعمى: كيف تطلب مال رجل قد غاب منذ سنتين وهو سعد بن خشرم بن شماس؟ فأتني بسعد يعطك ما تشاء. فانطلق نجيح مسرعًا قد استطير فؤاده حتى وصل إلى محلته ودخل خباءه فوضع رأسه ونام لما به من الغم لا يدري من سعد، فأتاه آت في منامه فقال له: يا نجيح إن سعد بن خشرم في حي محلم من ولد ذهل بن شيبان، فخرج وسأل عن بني محلّم ثم سأل عن خشرم فإذا هو بشيخ قاعد على باب خبائه، فحياه نجيح فردّ عليه. فقال له نجيح: من أنت؟ قال: خشرم بن شماس. قال: وأين ابنك؟ قال: خرج في طلب نجيح بن سليف اليربوعي وذلك أن آتيًا أتاه في منامه فحدثه أن مالًا له في نواحي بني يربوع لا يعلم له إلا نجيح، فضرب نجيح بطن فرسه وهو يقول:
أيطلبني من قد عناني طلابه فيا ليتني ألقاك سعد بن خشرم
أتيت بني يربوع تطلبني به وقد جئت كي ألقاك حي المحلّم
فلما دنا من محلته استقبل سعدًا فقال له: أيها الراكب هل لقيت سعدًا في بني يربوع؟ قال: أنا سعد فهل تدلّ على نجيح؟ قال: أنا نجيح، وحدثه بالحديث ثم قال: الدال على الخير كفاعله، وهو أول من قاله. فانطلقا حتى أتيا ذلك المكان، فتوارى الرجل حين أبصرهما وترك المال فأخذه سعد كله. فقال له نجيح: يا سعد قاسمني! فقال له: اطو عن مالي كشحًا، وأبى أن يعطيه. فانتضى نجيح سيفه فجعل يضربه حتى برد، فلما وقع قتيلًا تحول الرجل الحافظ للمال سعلاة فأسرع في أكل سعد وعاد المال إلى مكانه، فلما رأى نجيح ذلك ولّى هاربًا إلى قومه.
قال: وكان أبو عميس بخيلًا فكان إذا وقع الدرهم في يده نقره بإصبعه ثم يقول له: كم من مدينة قد دخلتها ويدٍ قد وقعت فيها والآن استقر بك القرار واطمأنت بك الدار! ثم يرمي به في صندوقه فيكون ذلك آخر العهد به.
وقيل: ونظر سليمان بن مزاحم إلى درهم فقال: في شقٍّ لا إله إلا الله، وفي شقٍّ محمد رسول الله، ﷺ، ما ينبغي أن يكون هذا إلا معاذة، وقذفه في صندوقه.
وذكروا أنه كان بالري عامل على الخراج يقال له المسيب فأتاه شاعر فامتدحه فسعل سعلة فضرط، فأنشأ الشاعر يقول:
أتيت المسيب في حاجةٍ فما زال يسعل حتى ضرط
فقال غلطنا حساب الخراج فقلت من الضرط جاء الغلط
فولع به الصبيان، فكان كلما مر قالوا: من الضرط جاء الغلط. فما زالوا يقولون ذلك حتى هرب منها من غير عزل.
وكان أبو الأسود الدّئليّ بخيلًا وهو القائل لبنيه: لا تجاودوا الله فإنه أجود وأمجد ولو شاء أن يوسع على الناس كلهم حتى لا يكون فقير لفعل. وسمع رجلًا يقول: من يعشي الجائع. فعشاه، ثم ذهب ليخرج فقال: هيهات تخرج فتؤذي غيريمن المسلمين كما آذيتني! ووضع رجله في الأدهم حتى أصبح.
قال: وكان رجل يأتي ابن المقفع فيلحّ عليه ويسأله الغداء عنده فيقول: لعلك تظن أني أتكلف لك شيئًا! والله لا أقدم إليك إلا ما عندي. فلما أتاه إذ ليس في بيته إلا كسر يابسة وملح جريش. وجاء سائل إلى الباب فقال: وسع الله عليك، فلم يذهب، فقال: والله لئن خرجت إليك لأدقنّ ساقك. فقال ابن المقفع للسائل: لو عرفت من صدق وعيده ما أعرف من صدق وعده لم تردد كلمة ولم تقم طرفةً ببابه.
المدائني عن خالد كيلويه قال: كنت نجارًا حاذقًا فذُهب بي إلى المنصور فقال: افتح لي بابًا أنظر منه إلى المسجد وعجّل الفراغ منه. قال: ففتحت الباب وعلّقت عليه بابًا وجصصته وفرغت منه قبل الصلاة، فلما نودي بالصلاة جاء فنظر إليه فأعجبه عملي وقال لي: أحسنت بارك الله عليك! وأمر لي بدرهمين.
قال: وقال المنصور للمسيب بن زهير: أحضرني بنّاء حاذقًا الساعة.
[ ١٢١ ]
فأحضره، فأدخله إلى بعض مجالسه وقال: ابن لي بإزائه طاقًا يكون شبيهًا بالبيت. فلم يزل يُؤتى بالجص والآجر حتى بناه وجوّده، ونظر إليه واستحسنه فقال للمسيب: اعطه أجره. فأعطاه خمسة دراهم فاستكثرها وقال: لا أرضى بذلك، فلم يزل حتى نقصه درهمًا، ففرح بذلك وابتهج كأنه أصاب مالًا.
وحكي عن المنصور أنه لُدغ فدعا مولىً يقال له أسلم رقاءً فأمره أن يرقيه فرقّاه فبريء، فأمر له برغيف، فأخذ الرغيف فثقبه وصيره في عنقه وجعل يقول: رقّيت مولاي فبريء فأمر لي برغيف! فبلغ المنصور ذلك فقال: لم آمرك أن تشنّع عليّ! قال: لم أشنّع إنما أخبرت بما أمرت. فأمر أن يصفع ثلاثة أيام في كل يوم ثلاث صفعات.
وعن الأصمعي قال: دخل أبو بكر الهجريّ ذات يوم على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين أتنقض عليّ فمي وأنتم أهل بيت بركة؟ فلو أذنت يل لقبّلت رأسك لعل الله يشد فمي. فقال المنصور: اختر ذلك أو الجائزة. فقال: يا أمير المؤمنين أهون عليّ من ذهاب درهم الجائزة أن لا يبقى في فمي حاكّة.
ومنه مكاتبات: كتب أرسطاطاليس إلى رجل في رجل يصله بشيء فلم يفعل فكتب إليه: إن كنت أردت فلم تقدر فمعذور، وإن كنت قدرت فلم ترد فسيأتيك يوم تريد فيه فلا تقدر.
قيل: وكتب إبراهيم بن سيابة إلى رجل صديق له كثير المال يستسلفه، فكتب إليه: العيال كثير والدخل قليل والمال مكذوب. فكتب إليه: إن كنت كاذبًا فجعلك الله صادقًا، وإن كنت صادقًا فجعلك الله معذورًا.
قال: وكتب بعضهم يصف رجلًا: أما بعد فإنك كتبت تسأل عن فلان فكأنك هممت أو حدثت نفسك بالقدوم عليه فلا تفعل، امتع الله بك، فإن حسن الظن به لا يقع في الوهم إلا بخذلان الله، وإن الطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلا بسوء التوكل على الله، وإن الرجاء لما يده لا ينبغي إلا بعد اليأس من رحمة الله، إنه يرى الإقتار الذي نهى الله عنه هو التبذير الذي يعاقب الله عليه، والاقتصاد الذي أمر الله ﷿ به هو الإسراف الذي يعذب الله ﷿ عليه، وإن بني إسرائيل لم يستبدلوا العدس بالمن والبصل بالسلوى إلا لفضل أحلامهم وقديم علم تدارسوه من آبائهم، وإن الصنيعة مرفوعة والصلة موضوعة والهمة مكروهة والصدقة منحوسة والتوسع ضلالة والجود فسوق والسخاء من همزات الشياطين، وإن مؤاساة الرجل أخاه من الذنوب الموبقة وإفضاله عليه من إحدى الكبائر، وإن الله ﷿ لا يغفر أن يؤثر المرء في خصاصة على نفسه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن آثر على نفسه فقد ضل ضلالًا بعيدًا وخسر خسرانًا مبينًا، كأنه لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية الذين قطع الله أدبارهم ونهى جل اسمه عن اتباع آثارهم، وإن الرجفة لم تأخذ أهل مدين إلا لسخاء كان فيهم، وإن الريح العقيم أهلكت عادًا وثمودًا لتوسعٍ كان فيهم، وهو يخشى العقاب على الإنفاق ويرجو الثواب على الإقتار ويعد نفسه العقوق ويأمرها بالبخل خيفة أن تمر به قوارع الدهور وأن يصيبه ما أصاب القرون الأولى، فأقم، رحمك الله، بمكانك واصبر على عسرك لعل الله أن يبدلنا خيرًا منه زكاةً وأقرب رحمًا.
ومنه فن آخر، وصف أعرابي رجلًا فقال له: بشر مُطمع ومطل موئس، فأنت منه أبدًا بني اليأس والطمع، لا منع مريح ولا بذل سريح.
وقال أعرابي: أنا من فلان في أماني تهبط العصم وخلف يذكر العدم، ولست بالحريص الذي إذا وعده الكذوب أعلق نفسه لديه وأتعب راحلته إليه.
وذكر أعرابي رجلًا فقال: له مواعيد عواقبها المطل وثمارها الخلف ومحصولها اليأس.
ويقال: سرعة اليأس أحد النجحين.
وقال بعضهم: مواعيد فلان مواعيد عرقوب، ولمع الآل، وبرق الخلّب، وأماني الكمّون، ونار الحباحب، وصلفٌ تحته راعدة.
ولبعض الكتاب فصل في هذا المعنى: أما بعد فإن كثرة المواعيد من غير نجح عار على المطلوب، وقلتها عند الحاجة مكرمة من صاحبها، وقد رددتنا في حاجتنا هذه مع كثرة مواعيدك من غير نجح لها حتى كأن قد رضينا بالتعلل بها دون النجاح، كقول الأول:
لا تجعلنا ككمّون بمزرعةٍ إن فاته الماء أروته المواعيد
[ ١٢٢ ]
ولآخر منهم: ما رأيت مثل طيب قولك أمرّه سوء فعلك، ولا مثل بسط وجهك خالفه ضيق تنكيدك، ولا مثل قرب مواعيدك باعدها فرط مطلك، ولا مثل أنس بديهتك أوحش منه قبيح عواقبك، حتى كأن الدهر أودعك لطيف الحيلة بالمكر بأهل الخلة، وكأنه زيّنك فيهم بالخديعة لتدرك منهم فرصة الهلكة. وقد قيل: وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتأجيل.
وقال بعضهم: وعدتنا مواعيد عرقوب، ومطلتنا مطل نعاس الكلب، وغررتنا غرور السراب، ومنيتنا أماني الكمّون.
ولبعضهم: أما بعد فلا تدعني متعلقًا بوعدك فالعذر الجميل أحسن من المطل الطويل، فإن كنت تريد الإنعام فأنجح وإن تعذرت الحاجة فأوضح وأعلمني ذاك لأصرف وجه الطلب إلى غيرك.
وذكروا أن فتىً من مراد كان يختلف إلى عمرو بن العاص فقال له ذات يوم: ألك امرأة؟ قال: لا. قال: أفتتزوج وعلي المهر؟ فرجع إلى أمه فأخبرها، فقالت:
إذا حدّثتك النفس أنك قادرٌ على ما حوت أيدي الرجال فكذّب
فتزوج ثم أتى عمرو بن العاص، فاعتلّ عليه ولم ينجز له وعده، فشكا ذلك إلى أمه، فقالت:
لا تغضبن على امريءٍ في ماله وعلى كرائم مال نفسك فاغضب
ولبعض الشعراء في هذا المعنى:
أروح وأغدو نحوكم في حوائجي فأُصبح منها غدوةً كالذي أمسي
وقد كنت أرضى للصديق شفاعتي فقد صرت أرضى أن أُشفّع في نفسي
ولأبي نواس:
وعدتني وعدك حتى إذا أطمعتني في كنز قارون
جئت من الليل بغسالةٍ تغسل ما قلت بصابون
وأنشد لأبي تمام:
يحتاج من يرتجي نوالكم إلى ثلاثٍ بغير تكذيب
فكنز قارون أن يكون له وعمر نوحٍ وصبر أيوب
ولآخر:
إني لأعجب من قولٍ غررت به حلو يلذّ إليه السمع والبصر
لو تسمع العصم في صم الجبال به ظلت من الراسيات العصم تنحدر
كالخمر والشهد يجري فوق ظاهره وما لباطنه طعمٌ ولا حبر
وكالسراب شبيهًا بالغدير وإن تبغ السراب فلا عين ولا أثر
ولا ينبت العشب عن برق وراعدةٍ غرّاء ليس بها سيل ولا مطر
ومما قيل من الشعر في البخل بالطعام لبعضهم:
رأيت أبا عثمان يبذل عرضه وخبز أبي عثمان في أكرم الحرز
يحن إلى جاراته بعد شبعه وجاراته غرثى تحنّ إلى الخبز
ولآخر:
ما كنت أحسب أن الخبز فاكهةٌ حتى نزلت على عوف بن خنزير
الحابس الروث في أعفاج بغلته بخلًا على الحبّ من لقط العصافير
ولغيره:
نوالك دونه خرط القتاد وخيرك كالثريا في البعاد
ترى الإصلاح صومك لا لنسكٍ وكسرًا للرغيف من الفساد
أرى عمر الرغيف يطول جدًا لديك كأنه من قوم عاد
ولآخر:
اللؤم منك على الطعام طباع فعيال بيتك ما حييت جياع
وإذا يمرّ بباب دارك سائلٌ هرّت عليه نوابحٌ وسباع
وعلى رغيفك حيةٌ مسمومةٌ وعلى خوانك عقرب وشجاع
ولآخر:
يا تارك البيت على الضيف وهاربًا منه من الخوف
ضيفك قد جاء بزاد له فارجع فكن ضيفًا على الضيف
إذ ااشتهى الضيف طبيخ الشتا أتاه بالشهوة في الصيف
وإن دنا المسكين من بابه شدّ على المسكين بالسيف
ولآخر:
يكتب بالحبر على خبزه والله لا يأكله الجار
ويسأل الخادم من بخله أي رغيف فيه آثار
ويختم القدر على أهله ويشعب العظم بمسمار
والماء في منزله طرفةٌ يشربه الناس بمقدار
ولآخر:
أرى ضيفك في الدار وكرب الموت يغشاه
على خبزك مكتوب سيكفيكهم الله
ولآخر:
لأبي نوحٍ رغيفٌ أبدًا في حجر دايه
أبدًا يمسحه الده ر بكمّ ووقايه
[ ١٢٣ ]
وله كاتب سرٍّ خطّ فيه بعناية
فسيكفيكهم الل هـ إلى آخر آيه
ولآخر:
الخبز يبطي حين يدعو به كأنه يقدم من قاف
ويمدح الملح لأصحابه يقول هذا ملح سيراف
سيّان أكل الخبز في داره وقلع عينيه بخطّاف
ولآخر:
فتىً لا يغار على عرسه ولكن يغار على خبزه
فمنه يد الجود مقبوضةٌ وكفُّ السماحة في عجزه
ولآخر:
يصونون أثوابهم في التخوت وأزواجهم يخترقن السكك
ينحّون من رام رغفانهم ويدنون من رام حلّ النكك
ولآخر:
ولو أن الذباب تراء يومًا عدت غرثى لصحفته تروم
لنادى في العشيرة أدركوني ألا أين القماقم والقروم
فيا ويل الذباب إن ادركوه وفي الهيجا عدوهم سليم
ولآخر:
أما الرغيف لدى الخوا ن فمن كريمات الحرم
ما إن يُجسّ ولا يم سّ ولا يذاق ولا يشم
فتراه أخضر يابسًا بالي النقوش من الهرم
ولآخر:
أتينا أبا طاهرٍ مفطرين غلى رحله فرجعنا صياما
وجاء بخبزٍ له حامضٍ وقلت دعوه وموتوا كراما
وعن حذيفة بن محمد الطائي قال: قال الرشيد: لا أعرف لمولَّد أهجى من قول أبي نواس:
وما روّحتنا لتذبّ عنّا ولكن خفت مرزئة الذباب
شرابك كالسراب إذا التقينا وخبزك عند منقطع التراب
ولآخر:
خان عهدي عمروٌ وما خنت عهده وجفاني وما تغيرت بعده
ليس لي ما حييت ذنبٌ إليه غير أني يومًا تغديت عنده
الخليل بن أحمد:
كفّاه لم تخلقا للندى ولم يك بخلهما بدعه
فكفٌّ عن الخير مقبوضةٌ كما انقبضت مائةٌ تسعه
ولآخر:
أتيت أبا عمرو أٌرجّي نواله فزاد أبو عمروٍ على حزني حزنا
فكنت كباغي القرن أسلم أذنه فآب بلا أذنٍ ولم يستفد قرنا