وما ذكر من عدم الإنصاف سببه الكبر والحسد، وهما الداء العضال الذي هلك به إبليس، نسأل الله العافية، وذلك معجون في طينة الآدمي ومبتلى به إلاّ من طهره الله من أصفيائه، وقليل ما هم.
ولم يزل ذو الفضل محسودًا، وكلما كثر الفضل كثر الحساد، فوجود الحساد دليل على وجود الفضل، وعدمهم على عدمه، فإذا قيل للشخص: كثر الله حسادك كان دعاء له، وإذا قيل: قلل الله حسادك كان دعاء عليه.
وقد أكثر الشعراء من هذا المعنى قال الكميت الأسدي:
إن يحسدونني فإني غير لائمهم قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ومات أكثرنا غيظًا بما يجد
أنا الذي يجدوني في صدورهم لا أرتقي صدرًا منها ولا أرِدُ
وأنشد أبو علي الحاتمي في " حلية المحاضرة " بدل البيت الأخير:
لا يبعد الله حسادي فإنهم أشر عندي من اللائي لهن الودد
والظاهر أن قوله: " أشر " تصحيف من الكاتب، وإنما هو: " أحب ".
وقال عروة بن أذينة:
لا يبعد الله حسادي وزادهم حتى يموتوا بداء غير مكنون
إني رأيتهم في كل منزلةٍ أجل فقدًا من اللائي أحبوني
وقال نصر بن سيار:
إني نشأت وحسّادي ذوو عدد يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددًا
إن يحسدوني على ما بي وما بهم فمثل ما بي لعمري جر لي الحسدا
وقال معن بن زائدة:
إني حسدت فزاد الله في حسَدي لا عاش من عاش يومًا غير محسود
ما يحسد المرء إلاّ من فضائله بالعلم والظرف أو بالبأس والجود
وقال أبو نواس:
دعيني أكثر حاسديك برحلة إلى بلد فيه الخصيب أمير
وقال الأول:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
محَسَّدون على ما كان من كرَم لا ينقص الله عنهم ماله حُسدوا
وقال أبو تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرفِ العود
واعلم أن هذا الشعر ونحوه يخيل استحسان الحاسد واستحباب وجوده بل كثرته، ولم يزل الناس يكرهونه ويتخوفون منه، ويستعيذون من شره، وقال تعالى) وَمِنْ شَرِّ حَاسدٍ إذَا حَسَدَ (فقد يقف القاصر على هذا فيحار، ولا يدري ما يختار، وفصل القضية في ذلك أن وجود الحاسد، كما مر، دليل على وجود الفضل، وذلك لما عرف أن الحسد هو حب زوال ما ظهر على الغير من خير، إما ديني أو دنيوي، حسي أو معنوي، عاجل أو آجل، حقي أو ادعائي فلزم من وجود الحسد وجود الخير.
[ ٤٤ ]
ثم إن الحاسد إذا أحب زوال الخير فهو لا محالة يسعى في زواله، أو في إلحاق مضرة تذهب " بها " طلاوة ذلك الخير، ما لم يحجزه حاجز، وهذه مضرة تتوقع من الحاسد، فالحاسد خبيث شرير مضر.
إذا علم هذا فمن استحب وجود الحاسد فلم يحبه لذاته، بل أحب ما يقارنه من الخير، لا من حيث إنه محسود عليه به من حيث كونه خيرًا، وإلاّ فيود الإنسان أن لو أعطي الخير وأعفي من الحساد، فإن ذلك أهنأ لعيشه، وأروح لقلبه، وأبعد له عن الأذاية والهول، ولم تَجْرِ حكمة الله تعالى غالبًا بذلك، إذ نعم الدنيا مشوبة بالنقم، وصفوها مشوب بكدر، فأمام كل عين قذى، وعلى كل خير أذى، فلما لم يكن بد من وجود الحاسد غالبا، كان وجوده مبشرًا بالخير معلمًا بالنعمة، فيفرح بوجوده لذلك لا لذاته.
ومثاله في ذلك الذباب الواقع على الطعام، والفأر الناقب على المخزن فإنهما دليلان على الخير من حيث ذلك، حتى إنه يكنى عن البيت الخالي عن الخير بأنه لا تطور فيه فارة، فمن أحب وجود الذباب ووجود الفار فلم يحبهما لذاتهما، فإنهما مؤذيان مكروهان، بل لما يقارنهما من الخير، ولو وجد الإنسان الخير مع السلامة عنهما كان هو الغنم البارد البارد، ولم تجر بذلك الحكمة.
وبلغني أن ناسًا من الجند قدموا من بلاد السودان أيام السلطان أحمد المنصور، وقاسوا في تلك الفيافي ما هو المعهود فيها من العناء وشظف العيش، فلما لحقوا بقرية من قرى السوس الأقصى خرج منها نفر من اليهود، فحين بصر بهم الجندي قال: مرحبًا بوجوه الخير، فاليهود بغضاء عند كل مسلم، ومع ذلك استبشر بهم الجندي التفاتًا منه إلى النعمة التي تقارنهم، إذ لا يزايلون غالبًا الحاضرة، ومحل الخصب والرفاهية، وهكذا الحاسد.
وقد يكون في وجود الحاسد نعمة ولذة أخرى للمحسود إذا وقي شره، فإنه ينعم هو والحاسد يحترق على عينيه، وهو يزداد ظهورًا وشفوفًا، فيلتذ باحتراقه وإقصاره عنه وشفوفه عليه، ومن كره الحاسد فإنما كرهه لذاته، إذ هو منغص بما يبدو من أقواله وأفعاله، ولما يتوقع من شره وضرره، ولا شك أنه محذور، ولذا أمر بالتعوذ منه بالله تعالى، ولا دواء له هي مع الصبر أعلى ما يرى ويسمع، وبذلك ينعكس على الحاسد البلاء فيموت غمًا، قال تعالى:) قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ (وقال الشاعر:
اصبر على مضض الحسو د فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله
فائدة: من ابتلي بالحسد لشخص فعلاجه بإذن الله أن يكلف نفسه السعي في زيادة الخير على المحسود ولو بالدعاء له بذلك، فإنه إذ لازم ذلك ولو تكلفا سيثيبه الله تعالى من فضله انسلال السخيمة من قبله وسلامة الصدر، فإن بقي شيء فليغمه في صدره مع كراهته ولا يظهره ولا يسع في مقتضاه بقول ولا فعل فذلك لغاية ما يطلب منه والله الموفق.
لله الأمر من قبل ومن بعد