ومما اتفق لي في هذا أني كنت قدمت في أعوام الستين وألف من رحلتي في طلب العلم، وكنت إذ ذاك شابًا، فدخلت الزاوية البكرية، فوجدت شيخنا أبا عبد الله محمد بن محمد المرابط - ﵀ - قد جمع خطبًا وعظية وتقدم إلى أهل الوقت في بلده ليكتبوا عليها تقريظًا، فكتب كل ما قدر له من نثر ونظم، فلما رأيت ذلك كتبت أنا أيضًا فوقع في مكتوبي لفظة القطائف " اللطائف " فاعترض علي ورام تبكيتي وقال: إنا لا نعرف القطائف إلاّ هذه المفروشات، فقلت له إن القطائف هنا جمع قطيفة بمعنى مقطوفة، فقال: هو صحيح في اللغة ولكن الأدباء لهم الاختيار وعندهم ألفاظ يستعملونها مخصوصة، فلا يرتكب عنده كل ما يقع في اللغة، فقلت له حينئذ: هذا أبو محمد الحريري يقول في " مقاماته ":
[ ٨٥ ]
فلا تعذلوني بعدما قد شرحته على أن منعتم في اقتطاف القطائف
على أن ما زودتم من فكاهة ألذ من الحلوى لدى كل عارف
فتلون وجهه - ﵀ - وخجل ولم يرَاجعني بكلمة، فلولا معرفة المقامات واستحضار هذا البيت لأخجلني عوض ما كنت أخجلته، والشيء يذكر بالشيء.
لله الأمر من قبل ومن بعد