دخلت مدينة فاس - حرسها الله تعالى - سنة تسع وسبعين وألف، إذ خربت الزاوية البكرية، فأقبلت طلبة العلم للأخذ عني، وتخلفت جماعة من المشاهير، وهم أو جهلهم محتاجون إلى المجلس، وكأنهم غلبهم ما هو المألوف من الطبع الآدمي في أمثالهم، وكنت آنست ذلك فيهم، فاتفق أن خرجنا لزيارة صلحاء الساحل، فلما انتهينا إلى مقام الشيخ أبي سلهام جلسنا على شاطئ البحر:
في عشيّ كأنّما اختلسته من نعيم الفردوس نفحة لطف
قد قطفنا به جَنَى جَنَّتي أن س وعلم أشهى اجتذاب وقطف
وارتضعنا ألذ من كأس وصل بعد هجر من ذي وداد وعطف
ولقد كان في الحشا جذوةُ الوجد فكان منهُ لذلك مطف
فحصل للنفس ارتياح وانبساط، وتجدد لها عزم ونشاط، فكتبت ارتجالًا ما صورته: حافظته لما انقدح في الفكرة من الشعر، أذكره بحسب ما اتفق غثًا وسمينًا، " ورخيصًا وثمينًا " وجدًا وهزلًا، وصدقًا وإزْلًا حتى إذا آن لمضروبه الترويج، وبلغت بناته أوان التزويج، دفع الخالص الإبريز، وأحظيت الحسان بالتبريز، وكان الردي أولى أن يكسر أو يعطل، والدميمة منه أحق أن تُوأدَ أو تعضل، هذا وليت شعري، ماذا أكتب اليوم؟ وقد ضاع أكثر شعري:
ليالي كان القلب في موكب الهوى على متن يعبُوب من اللهو سابق
وكان الشباب الغضّ فيْنَانَ مُورقًا فكانت رياض الغَيّ أزهى الحدائق
وللنَفسُ إذ ذاك أقدر على القيل والقال، وأعرف بالسحر الحلال، فكنت إذ ذاك أقول الفذ والنتفة والقصيدة عن نشاط إلى القول وارتياح ثم ادع ذلك يذهب مدرج الرياح، ولم أستفق لتقييد، إلاّ وقد كدت أراهق التفنيد ويقصر من وسواس النفس باطله، ويعرى أفراس الصبا ورواحله:
والقلب يرجو أن ترق شفاره وتطول في سبل الهدى أسفاره
ويبين عن شرك الغرور نواره وتلوح في رتب العلى أنواره
فيقل في سوق الصبا أوطاره ويشط عن وطن الهوى أقطاره
[ ٤٣ ]
ولعمري إن النفس عند هذا أحق أن يجدّ في طلب الجد جدُّها، ويقف عند الأهم حدّها، فتبعد عن قول الشعر بمراحل، وعن سبل اللهو التي هي له أفراس ورواحل، ولكن للنفس فرطات، ولا بد لها أحيانًا من سقطات، فمن ذلك قولي:
ما أنصفت فاس ولا أعلامها علمي ولا عرفوا جلالة منصبي
لو أنصفوا لصبوا إليّ كما صبا راعي سنين إلى الغمام الصّيبِ
ثم اثبت في هذه الحافظة ما وقع لي من الشعر في ذلك العهد، وهو مجموع في الديوان فلا حاجة إلى الإطالة به هنا، وإنما الغرض من ذكر هذين البيتين الواقعين على السبب الذي ذكرناه قبل، وأظن أن البحتري وقع له شبه هذا الشعر في ذم بغداد، ولكني لم أقف عليه بعد، ولم يطرق سمعي حين قلت ذلك وإنما رأيت بعد ذلك أبا العلاء المعري أشار إلى ذلك منتقدًا عليه حيث قال:
ذمَّ الوليدُ ولم أذْمُم جوارَكمُ وقال ما أنصفت بغداد حُوشيتا
فإن لقيت الوليد والنوى قذف يوم القيامة لم أُعدُمْه تبكيتا
فلما رأيت هذا نبهت بهذا الكلام لئلاّ أنسب إلى الأخذ، فإن وقع شيء فمن توافق الخواطر، وفي البيت الثاني تلميح إلى قول الأعرابي في حسن الحديث:
وحديثًا كالقطر يسمعه راعي سنين تتابعت جدبا
فأصبح يرجو أن يكون حيًا ويقول من فرح هَيّا رَبّا
وإنما استسهلت، وأستغفر الله، التمدح والافتخار لأن ذلك مباح في الشعر، مسلوك في سائر الأعصار والأمصار.
لله الأمر من قبل ومن بعد