كنت في أعوام الستين وألف مرتحلًا في طلب العلم، فدخلت قرية في أرض دكالة، فرأيت فيها رجلًا مسنًا قد لازم المسجد منقطعًا عن الناس، فجلست إليه مستحسنًا لحاله، وفي الحديث " إذَا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ أُعْطِيَ زُهْدًا في الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَادْنُوا مِنْهُ، فَإنَّهُ يُلَقَّنُ الحِكْمَةَ ".
فلما دنوت منه إذا هو يعظم العلم وأهله تعظيمًا بالغًا، فازددت به عجبًا، فكنت أجلس بين يديه ويحدثني ويصبرني على الغربة، ويحضني على العلم رحمة الله عليه، وأنشدني في شأن الغربة ملحونًا:
أنا الغريب المتوح صابر على كلّ هانا
إلى نتجرح ما نقل اح في قلب من قطعت أنا
وفي نحو هذا يقول الشاعر:
إذا كنت في قوم عِدًا لست منهم فكل ما علفت من خبيث وطيب
وإن حدثتك النّفس أنك قادر على ما حوت أيدي الرجال فكذب
وقال الآخر:
لا يعدم المرء كِنًّا يستقر به وَبُلغةً بين أهليهِ وأحبابه
ومن نأى عنهم قلت مهابته كالليث يحقر لما غاب عن غابه
وقال الحريري:
إن الغريب الطويل الذيل ممتهن فكيف حال غريب ما له قوت
وأنشدني في مدح العلم ملحونًا:
العلم شمعا منيرا يتناوله الأكياس
ما فوق منو ذخيرًا يزول عن القلب الإحساس
وفضل العلم وشرفه أمهر أشهر من أن يذكر، وأوضح من أن ينكر، ويكفي في ذلك النظر.
[ ٢٨ ]
ومن غريب ما حكي أنه اتفق للفقيه الخليل الإمام ابن عرفة ﵁ وكان قد مرض فأصابه غشي قال: فجاءتني طائفتان: إحداهما عن يميني وجعلوا يرجحون الإسلام، والأخرى عن يساري وجعلوا يرجحون الكفر، عياذًا بالله تعالى. قال: فأخذ هؤلاء يلقون شبه الكفار ويلهمني الله تعالى الجواب عنها بما كنت عرفت من قواعد العقائد، فعلمت أن العلم ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة.
لله الأمر من قبل ومن بعد