السيوطي عالم موسوعي كثير التأليف غزير الإنتاج، ألف في كل فن، واختلف من أحصى مؤلفاته في عدد هذه المؤلفات، وهي بطبيعة الحال تتفاوت بين المجلدات الكبيرة والرسائل الصغيرة، في موضوعات الثقافة العربية والإسلامية، فقد ألف في علوم القرآن، والتفسير، والحديث النبوي وعلومه، والفقه، واللغة وعلومها، والبيان والبديع، والتاريخ والتراجم والطبقات، والأدب وتاريخه، والتصوف، وتحريم علم المنطق، والطب، وغيرها.
وقد ذكر السيوطي مؤلفاته في كتابين، الأول: (التحدث بنعمة الله) وذكر من كتبه ٥٣٠ مؤلفا [٢]، ثم في كتابه (حسن المحاضرة) حين ترجم لنفسه، قال: «وبلغت مؤلفاتي إلى الآن ثلاث مئة كتاب سوى ما غسلته ورجعت عنه) [٣]، والمعروف أن السيوطي ألف كتابه التحدث بنعمة الله قبل كتابه حسن المحاضرة، فكيف تكون مؤلفاته في الأول ٥٣٠ كتابا ثم بعد ذلك في حسن المحاضرة ينزل العدد إلى النصف ٣٠٠ كتاب، هل هناك خطأ في العدد وهو ٦٠٠، وكتب الناسخ ٣٠٠، أم أن ما غسله بلغ نصف مؤلفاته، وهذا ما لا يعقل، وبين تأليف الكتابين مدة طويلة لابد وأنه ألف خلالها كتبا كثيرة، ومما يعزز هذا الفرض أن السيوطي ذكر في (فهرست مؤلفاته) الذي كتبه بعد حسن المحاضرة ٥٣٨ مؤلفا، وقسم هذه المؤلفات إلى موضوعات هي:
في التفسير: ٧٣ كتابا، وفي الحديث: ٥٢ كتابا، وفي المصطلح: ٣٢ كتابا، وفي الفقه: ٧١ كتابا، وفي أصول الفقه والدين والتصوف ٢٠ كتابا، وفي اللغة والنحو والتصريف ٦٦ كتابا، وفي المعاني والبديع ٦ كتب، وفي الكتب الجامعة ٨ كتب، وفي الطبقات ٣٠ كتابا [٤] .
واسترعت كتب السيوطي اهتمام العلماء في عصره وما بعده فأحصوها، فنجد أن كتبه قد نيّفت على الخمس مئة كما يذكر الغزي في الكواكب السائرة [٥]، وابن العماد في
_________________
(١) الكواكب السائرة ١/٢٣١، وينظر: قبر السيوطي وتحقيق موضعه، لأحمد تيمور ص ٦- ٢٢.
(٢) التحدث بنعمة الله ١٠٥- ١٣٦.
(٣) حسن المحاضرة ١/٣٣٨.
(٤) فهرس الفهارس ٢/٣٥٩.
(٥) ١/٢٢٨.
[ ١٥ ]
شذرات الذهب [١]، وأوصل العدد إلى ست مئة مؤلف كل من ابن إياس [٢]، وابن طولون [٣] والعيدروسي [٤] .
واهتم المعاصرون باحصاء مؤلفات السيوطي، فقد أحصى أحمد الشرقاوي إقبال للسيوطي ٧٢٥ مؤلفا [٥]، ويؤخذ علي الباحث أنه أهمل كتابي السيوطي: (التحدث بنعمة الله)، و(فهرست مؤلفاته)، وأحصى أحمد الخازندار، ومحمد إبراهيم الشيباني في دليل مخطوطات السيوطي [٦] ٩٨١ عنوانا، وآخر من أحصى للسيوطي من المعاصرين هو إياد خالد الطباع في كتابه (الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، معلمة العلوم الإسلامية) [٧]، إذ جاء بأكبر عدد وهو ١١٩٤ عنوانا، مقسمة وفق الآتي:
الكتب المطبوعة ٣٣١ عنوانا.
الكتب التي مازالت مخطوطة ٤٣١ عنوانا.
الكتب المفقودة أو المجهولة المكان: ٤٣٢ عنوانا.
وفي هذه الكتب المؤلفات الكبيرة التي تكون مجلدات، وفيها الرسائل الصغيرة التي قد تكون ورقات، وقد امتاز السيوطي بكثرة التأليف، وتنوع الفنون والموضوعات، وحسن العرض والتبويب، مما استرعى انتباه القدامى والمحدثين، فأشادوا بفضله وجودة مؤلفاته، فقد أشاد به المقّري بقوله: إنه إمام الدنيا [٨]، ووصفه الشوكاني: (بالإمام الكبير صاحب التصانيف) [٩]، وأشاد بفضله وكتبه مجموعة من العلماء، منهم: ابن إياس [١٠]، وابن العماد [١١]، وعبد الحي الكتاني [١٢]، أما المؤلفون المعاصرون فقد أشاد بمؤلفاته جمهرة كبيرة نذكر منهم: كراتشكوفسكي الذي يقول عنه: (أكثر المؤلفين قربا إلى جمهرة القراء، لأكثر من ثلاثة قرون، لا في البلاد العربية وحدها، بل في العالم الإسلامي عامة) [١٣]، ويعبر
_________________
(١) ٨/٥٣.
(٢) بدائع الزهور ٤/٨٣.
(٣) مفاكهة الخلان ١/٣٠١- ٣٠٢.
(٤) النور السافر ص ٥٥.
(٥) مكتبة الجلال السيوطي ص ٧.
(٦) الكويت ١٩٨٣.
(٧) طبع دار القلم، دمشق ١٩٩٦.
(٨) أزهار الرياض ٣/٥٦.
(٩) البدر الطالع ١/٣٢٨.
(١٠) بدائع الزهور ٤/٨٣.
(١١) شذرات الذهب ٨/٥٣.
(١٢) فهرس الفهارس ٢/٣٥٩.
(١٣) تاريخ الأدب الجغرافي ٢/٤٨٨.
[ ١٦ ]
نيكلسون عن إعجابه بالسيوطي ومؤلفاته بقوله: (لو سئلنا أن نختار شخصا واحدا يعكس في ذاته الاتجاهات الأدبية للعصر الاسكندري في الحضارة العربية بشكل تام قدر المستطاع، لوقع اختيارنا على جلال الدين السيوطي) [١] .
وهذا التراث الضخم في شتى العلوم والفنون هو جهد رجل فرد، عالم فذ، نذر نفسه للعلم، وأخلص له، فوفقه الله سبحانه، وهداه إلى الطريق القويم.
إن عصر السيوطي هو العصر المغولي، الذي شهد تفتت البلاد الإسلامية، وخراب المدن، وسقوط الحضارة، وقد بدأ هذا التفتت والانحدار قبل سقوط بغداد، ثم ازداد ذلك بعد سقوط بغداد على أيدي المغول سنة ٦٥٦ هـ، حتى دخول العثمانيين مصر سنة ٩٢٣ هـ، وفي هذه الفترة التي بلغت القرنين ونصف، ساد حكم المغول البلاد الإسلامية من الهند شرقا، إلى بلاد الشام غربا، وقد رافق ذلك محنة أخرى، هي خروج المسلمين من الأندلس سنة ٨٩٧ هـ، وإحراق الكتب العربية، فقد أمر الكردينال (زيمتس) باحراق مكتبة غرناطة، وذهب في هذا الحريق أكثر من ثمانين ألف مجلد، من كتب التراث الإسلامي، وكان لهذا البلاء صدى في نفوس العلماء، بأن دعاهم حرصهم على تراث الأمة، أن اتجهوا إلى التأليف الموسوعي، والنقل عن الكتب ليحفظوا هذا التراث من الضياع، وليقدموا الفكر الإسلامي في تضاعيف كتبهم، وقد دأبت مجموعة كبيرة من المؤلفين على هذا الضرب من التأليف الموسوعي، الذي يحفظ تراث الأمة في التاريخ، والأدب، والتراجم، والمعجمات، وكان صفوة من هؤلاء العلماء في هذه الفترة، والذين قدموا مؤلفات نفيسة نادرة نذكر أهمها:
- ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ) في: تاريخ دمشق، ويقع في ٤٠ مجلدا كبيرا.
- ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) في: المنتظم في تاريخ الأمم، طبع منه ستة أجزاء، وألف ابن الجوزي نحو ٣٠٠ كتاب.
- ابن الأثير، عز الدين الشيباني (ت ٦٣٠ هـ) في: الكامل في التاريخ، ٢١٢ مجلدا، وله أسد الغابة في معرفة الصحابة، في ٥ مجلدات.
- ياقوت الحموي (ت ٦٢٦ هـ) في معجم الأدباء، في سبعة مجلدات. ومعجم البلدان في خمسة مجلدات كبار.
- ابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨ هـ) في: طبقات الأطباء.
- ابن خلكان (ت ٦٨١ هـ) في: وفيات الأعيان، في سبعة مجلدات.
- ابن الطقطقي (ت ٧٠٢ هـ) في: الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية.
_________________
(١) تاريخ الأدب العباسي، الترجمة العربية ص ٢٧٨.
[ ١٧ ]
- ابن منظور (ت ٧١١ هـ) في: لسان العرب، (٢٠ مجلدا)، واختصر الحيوان، وتاريخ دمشق، والذخيرة لابن بسام.
- النويري (ت ٧٣٢ هـ) في: نهاية الأرب، طبع منه ثمانية عشر جزءا.
- أبو الفداء (ت ٧٣٢ هـ) في: المختصر في أخبار البشر.
- أبو حيان الغرناطي الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)، له كتب كثيرة في اللغة والتفسير والطبقات.
- الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في: تاريخ الإسلام.
- ابن فضل الله العمري (ت ٧٤٨ هـ) في: مسالك الأبصار (٢٧ مجلدا) .
- ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ) في: أعلام الموقعين، وزاد المعاد، ومفتاح دار السعادة.
- ابن شاكر الكتبي (ت ٧٥٤ هـ) في: فوات الوفيات (٤٠ مجلدا)، وعيون التواريخ (٦ مجلدات) .
- صلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤ هـ) في: الوافي بالوفيات (٣٠ مجلدا) .
- ابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ) في: مقدمته، وفي تاريخه.
- الفيروز أبادي (ت ٨١٧ هـ) في: القاموس المحيط.
- ابن جماعة (ت ٨١٩ هـ)، بلغت مؤلفاته الألف كتاب.
- القلقشندي (ت ٨٢١ هـ) في: صبح الأعشى.
- المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) في: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، والسلوك في معرفة الملوك، وإمتاع الأسماع.
- ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) في: الدرر الكامنة (٥ مجلدات)، وتهذيب التهذيب (١٢ مجلدا)، والإصابة في تمييز الصحابة (٩ مجلدات) .
- ابن تغري بردي (ت ٨٧٤) في: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (١٦ مجلدا) .
- السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) في: الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع (١٢ مجلدا)، وله نحو مئتي مصنف.
- السيوطي (ت ٩١١ هـ) في مؤلفاته الكثيرة.