[ ٧٠ ]
الربيع كاسمه، ربيع القلوب، ونزهة العيون، وفرحة النفوس، وجلاء الصدور، وفسحة الآمال، وحركة الأجرام المصمتة، ونمو الجماد، كأنك شاهدت به العالم وسر الخلق، وعاينت الهيولى وتركيب البنية فيها والطينة وحدوث الصورة لها؛ ورأيت البسيط وتأليفه، والمفرد وازدواجه، وأبصرت نفخ الأرواح في الأشباح، وكيف تخرَّقت منافسها، وتحلَّلت محارقها؛ فأحسست الجوهر وحلول العرض فيه، والأشخاص وتنوعها، وكيف فتقت الأرض بالصدع حتَّى تأخذ زينتها، وتلبس البسيطة زخرفها من كل زوج بهيج ونشر أريج. فهي خصيبة الجناب، دمثة التراب، مهاد وثير للهاجع، وشعار كبير لليقظان الرائح. والشَّمس عوض من الصِّلاء، والهواء خلف من الغذاء، وصفحة السماء ريَّا تكاد رقة تقطر، وغضارة تمطر، وأوضاح الكواكب نيرة تزهر، كأنهن عيون زرق في البراقع، وأنوار الأقاحي على رياض بنفسج، أوْ نثر جمان في عرضة فيروزج، كأنما دراريهما شرر متقاذف والجو رمادها، أوْ خرائد سوافر والهواء حدادها، أوْ شذور ذهب أحمر على بساط زبرجد أخضر. والجو يبهى رقة وصفاء، وطلعة القمر لألاؤها كأنها ماويَّة عسجد سراة العشاء، وكأنه موجة مكفوفة والبر بحر من فيض قمرائه، والظلمة فجر من أشعة أضوائه، والشَّمس غرة مطلعها مرآة مصقولة في كف الأشل. أوْ كما تهتز الصحيفة الجلواء، أوْ كترس يقلبه كميٌّ رامح. فإذا كربت للمغيب، وعادت مذهبة الفرقد، ونفضت على أطراف الجدران ورس الأصيل كالملاء المعصفر، مدَّت على الأفق الغربي سطر ذهبي من شفق الغروب وجاديّ المغيب؛ فخلت السماء فرشًا كحليًّا مفروشًا أحد الطرفين بالذهب المنسوج والعبير الممزوج، وموصولًا أحد الطرفين بالإبريز المسبوك والوشي المحبول. يميع زبرجها في خضرة الأرض الأريضة والفضاء العريضة، منصدعة سهولها ووعورها، متَّسقة بطنانها وظهورها بجواهر الأزاهير خارجة من أكنة الصدف، وأنوار النوار ضاحكة خلال السدف، والتربة حلة وحرير، والنبات روضة وغدير، والقطر لؤلؤ نثير، وما بين ماحله وأفنان مكمّمه قد جرى في عودها الماء. وأشجار ذات جمم لم تمشطها النساء، وقرارة تطّرد كأنها فيضة مكروب، أوْ بثة مكظوم، أوْ نفثة مصدور، أوْ كما يتنفس الحزين الواجم، والمغتاظ الكاظم. وخدود عشب يضمّخها ثراها.
وأمواهٌ يصلُّ بها حصاها صليلَ الحليِ في أيدي الغواني
[ ٧١ ]
والصارم الهندواني. وظواهر الأطواد، وأقبال الأجلاد بعد العري والعطول فضفاضة الأردية، سابغة الذيول، في مقطعات الحلل، ومصنوعات الحلي، وقلل الجبال متوجة تميل في أطراف الأعشاب أجيادها، وتروق بكسوة الخضرة أجسادها. وعلى كل قنّة شاهقة، وشعفة شامخة غمام مكلل بالمرجان والدرر؛ وبكل سفح برد مهلل بقُراضة الفضة والتبر؛ مفصلات ألواذها وضواحيها، وهضباتها وأعاليها؛ بسيح نطفة زرقاء وفيض ثغرة سجراء، ورصف مترع ملآن، ومستنقع مفعم ريان. ففي كل قلتٍ ندوة كوكب، وعلى كل ثعبٍ هالة قمر، وبكل غدير طفاوة شمسٍ. فإذا نزلت في المذانب والقريان من الشعاف والمصدان انسرحت خلال رملٍ محقوقفٍ ونقًا مستدير، وأفضيت من عواقل الريود وفدر العصم وصحم الأراوي إلى أصورة المها، وأقاطيع الوحوش رواجع إلى السهول والأوعار، بعد أن كانت قواطع إلى المهامه لقفار، مختلطات الأسراب بالآجال هملًا بلا راع، وبددًا دون والٍ عليها ساع. بها العين والآرام يمشين خلفةً، والجآذر والغزلان ينادين صرمةً مؤتلفات جيرةً، وكن أبعادًا، وجميعًا، وكن أفرادًا، فمن ثَمَّ جؤذر أحم السوارين، ومن هنا شادن أدعج الناظرين، حواضنها مولَّعة خنساء ومُغزل أدماء، بين صوارٍ للبقر حور العيون بابليَّات النظر، متولّجة مطافيلها بكل وِهاديّ المراتع يحرجُ كأنه مناط وشاح أوْ معلّق دملُج؛ كأنما هتكن سجوف الرقم والكلل عن ذوات الأهداب والوُطف وحور المقل؛ عينٌ كوانس كالعين الأوانس، لا يسكنّ إلاَّ بمنجاةٍ من الريب. وفرق الظباء ملاطمهنَّ شيمٌ كأن بلادهن سماءٌ تكشفت عن كواكبها غيومٌ من أُدمان الظباء الخواذل؛ لاوياتٌ السوالف كأنهن صفح المناصل، سواكن كل قذف فلاةٍ وبلدةٍ وسمية الثرى غداةٍ، معتادات كل مرتاد الندى خضل مستحلسٍ بعميم النبت مكتهلٍ؛ يراعي كل أحقب ذي سفعةٍ، أوْ أخطب ذي خطةٍ، ومسحَّجٍ عاري الصبيين ومرنِّ الضحى بين جدَّتين وكل أم ساجي الطرف وسنان ينوء من ضعاف فواتر، تستودعه الحمى وتنص إليه جيدها بالمناظر، أوْ مخرفٍ فردٍ بأعلى صريمةٍ عاطفٍ تتصدى لأحوى مدمع العين في فينان من الظل وارف. فواحم المدارى مؤلّلات حدادها كأنهن أقلام بلحظها يردن نطاف المصانع، مطّردة كالسيوف القواطع، عواقد أمهاتها من سحمِ القرون عقائص، كأنها ملوية الأسورة، أوْ مثنية الأهلة، كما سمعت الأول:
وقفتُ على العفر في ربعهمْ فخلتُ على رأسِ كلِّ هلالا
إذا قلت هل يرجعُ الظاعنو نَ تمثَّلَ لي كلُّ ترنٍ ألالا
وورق الحمائم عواطل في قلائد وعقود، وعوار في معمدات وبرود. وكل طروب الضحى هتوف العشا، تترنم خلال أوراق الغصون كما تقطع الكرائن، تحت الستائر، أصوات الأغاني واللحون، فيلتقي شتات المتيم بين اللحون.
يصلنَ بنوْحي نوحهنَّ وإنَّما بكيتُ لشجوي لا لنوحِ الحمائمِ
والنهار معتدل المزاج حره وبرده، ومستقيم ميزان ليله ونهاره. ولا قر يجمد، ولا حر يلفح. والماء فضة بلا ذهب، والشَّمس نور بلا لهب، وقد انحطَّت عن لفحة الهجير ووقدة الشِّعرى العبور، وارتفعت عن خصر الشتاء؛ وكوكب الجرباء تطلع في قميص شعاعٍ مذهب الزبرج، ويتساقط ضياؤها خلل الأوراق كاللؤلؤ المدحرج. والأعشاب غبَّ قطارها كالعروس تحت نثارها:
ذهبٌ حيثما ذهبنا ودرٌّ حيثُ درنا وفضةٌ في الفضاء
والجو مغيم وهو من تلألؤ الزهر مشمس. والليل مظلم وهو من تضاحك الأنوار مقمر. والريح سجواء الهبوب، تغازل الأرواح رقَّة، وتقرص الأبشار خفَّة، كأنها ذيل الغلالة المبلول، أوْ نفس المستهام العليل، فإذا اشتدت عصفتها، ومعجت هبَّتها حسبتها خرقاء ذات نيقة، وهوجاء جدّ رقيقة، نسجت على ظهور الكثبان ومتون الغدران مالا تنمِّقه الصوانع في صفحة القضيم، ولا تقدِّره الخوالق على فراء الأديم ببديع النَّسج في الكثيب، وتمحوه بإقبالها إلى الأدبار.
والفصل متحبَّب شمائله، متلوِّن خلائقه. بينا البرق ضاحكًا استحال باكيًا، ووجه السماء مستبشرًا راح ترفضُّ دموعه مستعبرًا يختال الغصن الرويّ بقدِّه، والورد الجنيُّ بخده.
وترى الرياضَ كأنهنَّ عرائسُ يُنقلنَ من حمراءَ في صفراءِ
إذا لحظتَ زاهرَ الشجْراءِ وجدته مُصفرَ السماءِ
وإن شممت أرجَ الفضاءِ ألفيتهُ مُعنبرَ الهواءِ
[ ٧٢ ]
يجري سلسال الماء على رضراض الحصباء مطَّردًا كأنه سبيل لجين ممدَّد، أوْ صفيح مجرَّد، أو متن يمان مهنَّد. حتَّى إذا ضربت الريح متنه تحلَّق وجهه، وتحزَّز جريه، فانجابت أقذاؤه وصفت كأنه حلق الجواشن مصقولًا حواشيها، أو متون المبارد مجلوًّا نواحيها:
ما إن يزالُ عليه طيرٌ كارعٌ كتطلُّعِ الحسناءِ في المرآةِ
والشَّمس يحسر مرة لثامها، وتارة يسيل غمامها؛ فهي تسفر وتنتقب، وتبرز وتحتجب طلاع فتاة تشرق اغترارًا، وتخاف اشتهارًا:
شمسٌ تُطالعنا فتمنحُنا نورًا يلاحظُنا بلا لهبِ
والخلاف يعقد على القضبان سموط درِّه، ويفتح ختام الربيع بمفترِّ ثغره. معندم القشر، معنبر النَّشر، مرصَّع قشره بنور كأنه لؤلؤ ولاف. والشقائق مصفوفة على الضواحي مطارده، منظومة في سفوح الجبال قلائده، ينشر جمَّته سوداء، وحلَّته حمراء، متمايلًا على قاماته الرشاق، متهاديًا خلال الرياح بقضبانه الدقاق، كأنه سبج قرنت به عقيقًا، أو فحم أشعلت به حريقًا أو أقداح ياقوت قرارتها سحيق مسك أذفر، أو زنجيَّة قامت في معصفرة على ساق أخضر، تتهاداه الرياح فينثني ثمَّ يستوي كأنه سكران طافح، أو كما جرَّ رمحه رامح. وسقيط الطلّ عليها كأنه مواقع الدموع في خدود الخرائد، أو سقوط الفرائد من مناط القلائد في ترائب الولائد:
شقائقُ يحملنَ النَّدى فكأنَّها دموعُ التصابي في خدودِ الخرائد
والورد يقدم من خلل الربيع الباكر، وخصاص الريحان الزاهر، يحكي في معرض شجرة نسيم سحره؛ يحمرُّ خجلًا ويصفرُّ وجلًا، أوْ يبيضُّ جذلًا؟ ما بين أحمر كالحياء شيبت به الخدود، أوْ أصفر كالمحبّ أضرَّ به الصدود، أوْ أبيض كالنجوم مطالعها السعود:
وذي لونينِ نشرُ المسكِ فيه يروقُ بحُمرةٍ فوقَ اصفرارِ
كَمعْشوقيْنِ ضمَّهما عناقٌ على حدثانِ عهدٍ بالمزارِ
والنَّارنجُ تطلعُ بينَ الأغصانِ متَّقدةَ القشرِ بخالصِ العِقيان، أرجوانيَّة اللَّون، كما غمست بالدم قبيعة حسام مهنَّد، أو كأنها شموس عقيق في قباب زبرجد، أو الرّاح صرفًا، أو كخدٍّ مورَّد، أو كمرآةٍ مخروطة من الياقوت على صوالجة زمرُّد، أو حقاق مرجان مترعات من الدرّ في ملاحفها الخضر، أو كبَّة جمر محذوفة من جاحم النار، أو أنهار مضرَّجة ممسَّكة الحافات والأقطار:
أتتْ كلَّ مشتاقٍ بريّا حبيبهِ فهاجتْ له الأشواقَ من حيثُ لا يدري
والأترجُّ متهدِّلٌ من الأشجار أشباه نواهد الأبكار كالشمس معرضةً في ورس الأصائل، أو قناديل ذهبية نيطت بخضر السلاسل:
تخالُ بها في اخضرار الغُصو ن نواهدَ بين مُلاءِ القصبْ
والأقحوان ضاحك عن مباسم الثغور من كلَّة الخدور؛ تبدو أوراقه كافوريَّة الظَّهر والبطن، ولؤلؤيَّة البهجة والحسن:
تُذكرنا ريَّا الأحبَّةِ كلّما تنفَّسُ في جُنحٍ من اللَّيلِ باردِ
والبنفسج يأرج بذكاء الورد، ويعرض بصبغة اللاَّزوَرْد، أو قرص التجميش في صحن الخدّ:
كأنَّها فوقَ طاقاتٍ ضعُفنَ بها أوائلُ النَّارِ في أطرافِ كبريتِ
والنّرجسُ الغضُّ يزهو في مقاطعهِ كأنَّهنَّ عيونٌ مالها هدُبُ
أو أجفان فضَّة أحداقها من ذهب، أو أقداح ياقوت مخروطة من لؤلؤ رطب، أو فصوص درٍّ أبيض حول مصوغ تبر أصفر على قضيب زبرجد أخضر، أو رواصد عيون الرقباء لزيارة الأحبَّاء، أو كواكب تألَّقت في صفاء هواء على صحن سماء:
طَلعن نُجومًا خلالَ الريا ض ما بينَ زُهرةَ والفرقدِ
سهرنَ قيامًا على ساقها ونمنَ وقد قطفتها يدي
والسّوسن مسبوكة ورقاته، متراكبة طبقاته، كأنه شقق صينيّ الحرير الممهّد على قدود رابية من خضر الزبرجد. ليِّن المسِّ، عبق المشمّ، خضل الورق، كأنه من رقَّته وشاح ولنفحته نضاح، كهدب الوشي المبلول أو نسيم السّحر المطلول.
كأنَّ أوراقه في كل شارقةٍ على الميادين أذنابُ الطواويسِ
والآذريون يشدّ الليل أزراره، ويفتح الصبح أبصاره كأنه كأس عقيق بقرارة مسك سحيق، أو نقطة مسك في خدّ متيَّم، أو إيماض بارقة في غيم أسحم، أو دارة سبج في صحيفة زبرجٍ:
أزرارُ ديباجٍ إذا الليلُ دجا وهنَّ في الصبح عيونٌ ساميهْ
[ ٧٣ ]
والجلَّنار مشبع الصبغة قانئ الحمرة مضرَّج بالدَّم كمنحر البدن، أو قوارير خمر عاقرت ساحة الدنِّ:
يدعو إلى وردةٍ مورَّدةٍ حمراءَ مصبوغةِ القواريرِ
إذا وَنَتْ في الأكفِّ حَثْحَثَها للسيرِ نطَّاقةُ المزاميرِ
فثارَ لِلَّهو والهوى رهجٌ تحسبه وقعةَ المغاويرِ
فكم قتيلٍ على الكؤوسِ بها وكم جريحٍ بجنبِ مأسورِ
حتَّى إذا خلف الاعتدال الربيعيّ الاعتدال الخريفيّ، فانثنت القضبان متساقطة والثمار متهدّلة والفواكه يانعة متلوِّنة الأصباغ منفوضة الأزهار، وعادت بعد بشاعتها شهية، وغبَّ مماتها فخمة متصلة أنابيبها بالأفنان أعطافها وحواشيها، كأنها أشربة واقعة دون أوانيها؛ قد أماعها الحر بلفحاته، وعقدها القرُّ بنسماته، وأنضجتها الشَّمس، وصبغها القمر، فهي ظروف هواء على صبابات نور، أوْ أوعية ملاء من الضرب المنثور، طالعك الزعفران غريب الوجه والبنان أنيق الوقت والأوان في أغشية المصمت الأزرق، كأنها نصول السهام أوْ تخطيطات الألفات على الأكمام. فإذا وهت حروفها واتسع بأعاليها فتوقها، زافت كألسنة الحيات مذعورة، أوْ أعراف الخيل منشورة، أوْ شوك الإبر مضمّخات بصفرة فاقعة، أوْ حمرة قانية، كأنهنَّ حياء تحمرُّ أوْ مخافة تصفرُّ:
حُمْرًا وصفرًا في تراكيبها كأنها تخجلُ أو تُذعرُ
قد ذكرنا بعض نعوت الربيع في صدور المقالة قولًا منثورًا، ونحن متبعوها بجميع صفات فصله وسحائبه وبروقه ورعوده وأنهاره وغدرانه ومصانعه وملاءته وأزاهير فضائه وسجسج هوائه شيئًا فشيئًا مبوّبًا مرتَّبًا؛ وبالله الحول والقوة والتوفيق.