مهما يولغ في حرية الصحف، فإن لهذه الحرية حدودًا معينةً، والشارع
[ ٦٤ ]
حينما وضع القوانين التي تخوّل الحكومة حق الرقابة على الصحافة، إنما قصد في الحقيقة إلى حماية المصالح العامة، والذود عن التقاليد التي تواضع عليها الناس، فأخذهم بشيء من التحفظ في إبداء الرأي، حتى لا تضر الحرية المطلقة بكيان الفرد أو المجتمع، من أجل ذلك تحرص الحكومات على فرض شيء من الرقابة على الصحف، وتتخذ هذه الرقابة الحكومية مظهرين في الغالب:
أولهما: مظهر الرقابة الاستثنائية في وقت الحروب والثورات، فإذ ذاك تخضع البلاد للأحكام العرفية التي تتيح للحاكم العسكريّ أن ينظر في كل خبر صحفيٍّ قبل نشره، وذلك عن طريق الرقيب الذي يكون له مطلق الحرية في حذف ما يريد، وإثبات ما يريد.
وثانيهما: مظهر الرقابة الجزئية، وذلك عن طريق القضاء؛ إذا ينظر القانون إلى رئيس التحرير على أنه المسئول الأول عن كل ما ينشر في صحيفته؛ من خبر يكون ضارًّا بالفرد أو بالمجتمع، وكاتب المقال يعتبر شريكًا لرئيس التحرير في هذه الحالة.
وعلى الرغم من هذا وذاك، فمن الحقِّ أن يقال: إن الشارع في هذه المحاولات قد يتجاوز الحد في تنظيم حرية الرأي، حين لا يكتفي بالقيود الضرورية لحماية الدولة أو المجتمع، بل يعمد إلى وضع العراقيل في سبيل هذه الحرية، وقصده منها -في الأعم الأغلب- أو التعليق على تصرفاتهم، أو محاسبتهم على أخطائهم التي يرتكبونها أحيانًا ضد شعوبهم، من أجل ذلك حرصت الشعوب كلها -حينما وضعت دساتيرها- على أن تنص في هذه الدساتير كلها نصًّا صريحًا على ضمان حرية الرأي، والنظر إلى هذه الحرية على أنها حقٌّ طبيعيٌّ لا غنى عنه للفرد.
وعلى هذا فالواجب أن تكون الصحافة حرةً لا رقيب عليها من جانب
[ ٦٥ ]
الحاكم، فإن هذا شرط أساسيٌّ لنجاحها، إلّا أنه يجب ألَّا تتعارض هذه الحرية الصحفية وصالح الوطن، وألّا تكون أداةً لعرقلة نهضته، كما يجب ألَّا تقف هذه الحرية في سبيل حركة الشعب الوطنية والقومية بحالٍ ما.
ومهما يكن الأمر، فهناك نظريتنان تخضان بالتشريع الصحفيّ؛ من حيث حرية إعلان الرأي:
الأولى: ترى أن الصحافة وغيرها من طرق النشر والإعلان يجب أن تتحرر من كل قيدٍ قانونيٍّ، مهما كان هذا القيد.
والثانية: ترى فرض القيود القانونية على هذه الحرية، ما دام من واجب الدولة حماية الأفراد، والمحافظة على النظام العام.
ولكل نظريةٍ من هاتين النظريتين أنصار، ولكل طائفة من هؤلاء الأنصار حجج؛ فمن أنصار النظرية الأولى -على سبيل المثال- "ميرابو" أحد أبطال الثورة الفرنسية المعروفة، يحكى أنه قال: "إن حرية الصحافة دواء لكل الأدواء، وإن تقييدها لا يعوق في الحقيقة إلّا الشرفاء ١".
ومنهم "روبيه كولا" الذي قال في كلامه عن الصحافة: "خير قانون ألّا يكون هناك قانون".
ومنهم "إميل دي جير ردان" الذي قال: "الصحافة التي لا تترك حرةً ليست صحافةٌ بالمعنى الصحيح، ولكنها صحافةٌ متسامحٌ في وجودها؛ لأنها صحافةٌ يتضافر عليها العسف والتحامل في وقت معًا".
ومع هذا وذاك، ففي الصحافة كما يقولون: دواء يشفي من دائها، فقد أضحى القارئ لا يقنع عادةً بمطالعة صحيفة واحدة، والضرر الذي
_________________
(١) ١ حرية الرأي وجرائم الصحافة والنشر، للدكتور رياض شمس، ص١١٣.
[ ٦٦ ]
تحدثه صحيفةٌ ما، تصلحه الصحيفة الأخرى، بحيث يزيد خير الصحافة في النهاية على ما فيها من شر١".
على أنه لا خوف في الحقيقة من هجمات الصحف، فقد يكون من ورائها خيرٌ للفرد الذي هو موضوع هذه الهجمات، وخيرٌ للمجتمع إذا أريد إظهار عيوبه ونقائصه.
ويحدثنا الزعماء والسياسيون أنهم أفادوا من أعدائهم بأعظم مما أفادوا من أنصارهم وأصدقائهم، حتى لقد ظهر فيهم من يقول: "أن يكون لك في عالم السياسة اسم ردئ، خير من ألّا يكون لك اسم على الإطلاق".
والأمريكيون يذهبون في حرية إعلان الرأي إلى أبعد حدٍّ، ويرون في الحرية على هذا النحو أمانًا من كل شر، وكذلك يفعل الإنجليز في بلادهم، وأكثر شعوب القارة الأوروبية في وقتنا هذا.
أما النظرية الثانية: وهي النظرية التي تفرض قيودًا قانونيةً على الحرية- فلها كذلك أنصار كثيرون، يرون أن من واجب الدولة حماية الأفراد والجماعات، وتنظيم الحقوق والحريات، والاحتراس الشديد من أولئك الذين يهاجمونها، ويعكرون عليها صفوفها وسلامتها، ومن ثَمَّ بادرت الحكومات بوضع القوانين التي تحول دون إساءة استعمال الحريات بوجهٍ عامٍّ، وحرية الصحافة بوجه خاصٍّ، وفي صلب القانون العام جزء هام اسمه "جرائم الرأي"، وهو مادة تدرس في معاهد الصحافة كلها تقريبًا إلى يومنا هذا، وقد نصَّ هذا القانون على عقوبات خاصةٍ في أمر السب، أو القذف، وغيرهما من الجرائم التي ترتكب عن طريق النشر.
والقاعدة الأساسية في هذا القانون تتلخص في: أن لكل فرد حريةً فكريةً في أية مسألة دينيةٍ، أو سياسيةٍ، أو اجتماعيةٍ، ولا عقاب على التفكير وتكوين الرأي مهما كان مخالفًا للقانون، إنما العقاب على إعلان الرأي
_________________
(١) ١ نفس المصدر المتقدم ص٢٤.
[ ٦٧ ]
المخالف للقانون بطريقة من طرق العلانية المعروفة، والعقاب كذلك على استعمال العنف في إقناع الغير بهذا الرأي المخالف.
ومعنى ذلك أن العقيدة شيء، وإبداء الرأي شيء آخر؛ لأن إبداء الرأي وسيلةٌ من وسائل التأثير في الناس، وقد يكون في ذلك ضرر ما يحيق بهم، فعلى الحكومة في هذه الحالة أن تحمي المجتمع من الآراء الضارة بمصالحهم، ولذلك يفرِّق القانون دائمًا بين إبداء الرأي والتحريض على اعتناق هذا الرأي؛ فالأول مباح في جملته، أما الثاني فيعاقب عليه القانون، ومن حقِّه -عند اتباع النظرية الثانية- أن يفعل.
وجاءت بعض البلاد -ومنها مصر- فنظرت إلى الشيوعية مثلًا على أنها من المذاهب السياسية الخطيرة، وخطورتها في نظر هذه البلاد آتية من أنها تعتمد أولًا على العنف أو القهر، ولذلك يعاقب القانون المصريّ الصادر في سنة ١٩٦٤ كل من يدعو إلى الشيوعية، ويحاول إقناع الناس بها، وما زلنا نسير على هذا القانون إلى اليوم.
على أن الرقابة الصحيحة هي التي تكشف عن النيات السيئة والأغراض المضللة، والرقيب الذكيُّ هو الذي يكشف عن هذه النيات السيئة، حتى ولو لم يقصد الكاتب إلى شيء منها.
والخلاصة: أن للصحافة أن تخوض في هذه الموضوعات المختلفة برفق، وأن تعتمد في ذلك على الجدل المحض، وألّا تتجاوز الجدل إلى غيره من مظاهر القهر، وهي بهذه الشروط تستطيع أن تنجح في أمور شَتَّى، مثل تنقية الدين من عار الخرافة، ومثل إقناع الأمة بفكرة جديدة، تحل محل أخرى قديمة، وكثيرًا ما يكون ذلك حين يثبت للأمة أن الفكرة القديمة قد بليت، وأستنفدت أغراضها، كما يقول السياسيون.
[ ٦٨ ]
على أن هذه الحدود التي يحدُّ بها القانون من حرية الصحافة في بعض الأوقات، أشبه ما تكون بعلامة الخطر أو الإنذار التي نجدها أحيانًا في الطريق العام، وليس من الحكمة مطلقًا أن يتجاهل العاقل هذه الأشياء، ولكن ليس معنى ذلك أيضًا أن يبالغ في خوفه منها مبالغةً تشل حركته، وتحدُّ من نشاطه وقوته؛ فالصحفيُّ المقيد قلَّمَا يكتب شيئًا له قيمة، والصحفيّ متى فعل ذلك حكم على نفسه وعلى جريدته بالجمود الأبديّ، وحَالَ بين أمته وبين أن تتطور وتتقدم، وربما كان ذلك بعض ما عناه الدكتور محمد كامل مرسي؛ حيث قال:
"والذين يدعون مخلصين إلى التوسع في توفير الحريات الفردية، إنما يدعون إلى ذلك على اعتبار أن الإنسان بفضل ما بلغه من المستوى الرفيع في أمور الاجتماع، وفي الأخلاق، وفي الثقافة، خليقٌ أن يدرك واجباته نحو الدولة، ونحو المجتمع، ونحو سائر المواطنين، بحيث لا يحتاج الحال إلى تقييده بقيود، ونظمٍ تقلل من نشاطه الاجتماعيّ، على اعتبار أن الحرية نفسها -مع بعض المراقبة- كفيلةٌ بتنظيم نفسها، وبتطورها مع الزمن إلى الأصلح والأنفع١".
هذا هو منطق الحكام ورجال القانون والقادة والزعماء.
أما الأدباء ورجال الفنون بوجهٍ عامٍّ، فإنهم يبغونها حريةً واسعةً لا حدَّ لها، ويؤمنون إيمانًا لا يمازجه الشك بأن الحرية -مهما حشد لها الظالمون، وبيت لها المتآمرون، وكاد لها الكائدون- لا بد وأن تبلغ ما تريد.
وقف الأستاذ أنطون الجميل في مجلس النواب المصريّ يومًا، وطالب الحكومة المصرية بمثل هذه الحرية، واستشهد في كلامه بأبياتٍ للشاعر خليل مطران قال فيها:
_________________
(١) ١ حرية الرأي" لمؤلفه الدكتور رياض شمس، المقدمة بقلم الدكتور محمد كامل مرسي.
[ ٦٩ ]
كسروا الأقلام هل تكسيرها يمنع الأيدي أن تنقش صخرًا؟
قطعوا الأيدي هل تقطيعها يمنع الأعين أن تنظر شزرًا؟
أطفئوا الأعين هل إطفاؤها يمنع الأنفاس أن تصعد زفرى؟
أخمدوا الأنفاس هذا جهدكم وبه منجاتنا منكم فشكرًا
أجل، إن حرية الرأي مكفولةٌ لكل صحيفةٍ، وهي في الأمم الناهضة القوية أظهر منها في الأمم الضعيفة المتخلفة، ولذلك لا تؤثر الحزبية في الأمم الأولى، ولا تضعف قوة الرأي العام فيها، فلا تراها تعادي الحكومات القائمة بغير سبب، ولا تراها تعارض في الأعمال الحسنة كما تعارض في الأعمال السيئة سواء بسواء، بل تصل الأمم الراقية في أكثر الأحيان إلى حدِّ أن تتفق فيها جميع الأحزاب على طائفة من المسائل القومية الكبرى لا تصبح موضعا للمناقشة تحت أيِّ ظرف؛ وإذ ذاك تصبح المعارضة مسئولة هي الأخرى عن الحكم، ومن أجل ذلك يطلق على المعارضة في انجلترا اسم "معارضة جلالة الملك أو الملكة" أسوة بالاسم الذي يطلق على الحكومة نفسها وهو "حكومة جلالة الملك أو الملكة".
وفي هذا ما يدل على احترام الحكم البريطانيّ للمعارضة، ومدى شعوره بالاشتراك في تحمل التبعات التي يتطلبها موقف المعارضة.
[ ٧٠ ]
"٨"