نحن إذ نتحدث عن أثر الزمن على الألفاظ هنا، إنما نعني أثره على ألفاظ اللغة الواحدة، التي تم نضجها واستواؤها [لو كان يتم لشيء في هذه الدنيا نضج واستواء] وصارت لها قواعد ثابتة، وأصول معروفة، كاللغة العربية مثلًا، إذ الحديث عن أثر الزمن في الماضي السحيق، والحديث عما عسى أن يكون أثره في المستقبل البعيد، يخرج بنا من مجال نقد الشعر إلى فلسفة اللغة، وربما إلى الفلسفة المحضة. وكاتب هذه السطور لا يملك من أدوات ذلك كثيرًا أو قليلا.
وأوضح آثار الزمن في ألفاظ اللغة الواحدة أنه يلعب بحظوظها، فتارة يذيعها، ويشيعها، وتارة يخفيها وينفيها. آنا يقرنها بهذا المعنى، وآونة بذلك المعنى، تبعًا لتباين العصور وتطور الأذواق، وتنوعها بحسب طبقات المجتمع والعوامل الثقافية والنفسانية والأخلاقية التي تؤثر فيها. خذ مثلا أثر العصور في اللغة الواحدة، تجد أن بعض العصور تميل إلى الزخرفة في التعبير، وبعضها إلى البساطة،
[ ٢ / ٢٦ ]
ومنها ما يؤثر اللفظ القيصر، ومنها ما يؤثر التطويل. وحظوظ الكلمات تنخفض وترتفع تبعًا لهذا.
ثم إن ظروف الحياة في عصرٍ ما، كثيرًا ما تباين العصور التي قبله أو بعده. فالجاهلي مثلًا، لم يكن يهتم بالتجارة أو المعاملة المالية اهتمام البغدادي العباسي. وهذا لم يكن يعرف شيئًا عن السكك الحديدية التي هي من الأشياء المألوفة في حياة العصري. ومثل هذا التباين قد ينشأ منه تباين في مدلول الكلمة الواحدة، مع احتفاظها بمعناها الأصلي. كملة "سكة" مثًلا ترتبط في ذهن الجاهلي بسكة النخل، وفي ذهن العباسي إن لم يكن من طلاب الأحاديث والمرتادين لمجالس أبوي العباس، ترتبط بسكة النقد، وفي ذهن المعاصر ترتبط بالسكة الحديدية. وكل هذه الارتباطات تضفي جانبًا من الغموض على معناها الأصلي، وتحصر دائرتها في الاستعمال. وخذ كلمة تجارة مثًلا، أتظن الجاهلي كان يلبسها لونًا قريبًا مما نلبسه إياها نحن الآن حين نقول " كلية التجارة" مثًلا؟ وانظر إلى قول النهشلي:
ولقد أروح على التجار مرجًلا مذلا بمالي لينا أجيادي (١)
ألا تجدك، مع علمك بأنه قصد الخمارين بقوله "التجار" في هذا البيت، لا تستطيع أن تصرف عن ذهنك صورة "الدكاكين" ذوات الرفوف التي نراها في مدننا العصرية؟ وهنا ننبه إلى عامل نفسي مهم، له صله وثيقة جدًا بكل ما تحدثه العصور من تطورات في اللغة الواحدة وفي غيرها، وهو عامل تداعي المعاني. وأثر هذا العامل في تكوين الأذواق من عصر إلى عصر بليغ للغاية. انظر مثًلا كلمة "صرم" بمعنى "هجر" كيف ربطها الذوق منذ أواخر العهد العباسي إلي اليوم بكلمة "ثرم" التي تنطق عند العامة في بعض بلدان العرب (٢) (بإبدال الثاء صادًا، فكان هذا سببًا
_________________
(١) المفضليات، من قصيدة الأسود بن يعفر: "نام الخلي".
(٢) هذا الاستعمال غير معروف عندنا بالسودان ولا أحسبه معروفًا عند أكثر أهل البداوة والله أعلم.
[ ٢ / ٢٧ ]
لتهجينها حتى لو وردت في شعر جاهلي قديم. وبحسبك أن تنظر إلى الدواوين القديمة التي تخرجها المطابع الآن، لتجد أن المحققين لا يكادون يحجمون عن تغير المصدر "صرم"، الكثير الورود في الشعر القديم بمعني الهجر، إلى المصدر "صرم" فرارًا من المعني القبيح، مع أن الصرم بفتح الصاد عند الأوائل كان يسري علي جملة القطع، لا على الهجر خاصة. وأحسب أن أدباء قبل خمسين عامًا لم يكونوا يجدون غضاضة في "صرم" الجاهلية، لجهلهم "بصرم" العامية. أما الآن، وقد استعارت دارجة الشوارع هذه اللفظية من الدراجة المصرية أو السورية، فجملة السودانيين يحسون نحو هذه لكلمة بنحو مما كان يشعر به ابن الأثير. وما قلناه عن "صرم" يصح أن يقال عن "كنيف" الجاهلية، بمعنى المكان الذي تكتنفه الأشجار أو نحوها، وعن "مستراح" بمعنى مكان الاستراحة، وهي الآن معناها المرحاض، وعن "نكح" بمعنى تزوج، وعن "أتى يأتي" إن ورد في نحو قول شوقي:
وطوي القرون القهقري حتى أن فرعون بين طعامه وشرابه
إن كان عامل تداعي المعاني أظهر في هذا الحرف الأخير من عامل التطور الزمني.