هي الصاد، والزاي، والضاد، والطاء، والهاء الأصلية، والواو. أما الزاي فجاءت فيها كلمات نادرة كمجمهرة الشماخ، وهي من غريب الكلام، وكزائية الخنساء في صخر (٢):
تعرقني الدهر نهسًا وحزا وأوجعني الدهر قرعًا وغمزا
وهي جيدة جدا. وكزائية المتنخل الهذلي التي يقول فيها (٣):
لا در دري إن أطعمت زائركم قرف الحتي وعندي البر مكنوز
وهي أجود ما قرأته على الزاي. وقد طال العهد بنصها. فأخشى أن أفسد روايتها إن اعتمدت على الذاكرة وأوردت لك منها أبياتًا.
_________________
(١) الرغم: التراب، والمعطس: الأنف.
(٢) الكامل ٢ - ٢٨٧.
(٣) راجع شعر المتنخل في ديوان هذيل (طبع أوروبا). وقرف الحتي: قرف ثمر الدوم. واستشهد به سيبويه على جواز رفع "مكنوز" لمجيئها بعد تمام الكلام. وروى "نازلكم" مكان "زائركم" ١ - ٢٦١.
[ ١ / ٧٥ ]
وللمتنبي زائية نسيج وحدها في الصفاقة، جمع فيها بين "الخازباز" و"سكر الأهواز" (١). وما كان أغناه عن ذلك.
والصاد قطب أشرس، ولأمية بن عائذ الهذلي فيه كلمة سخيفة. ولعدي بن زيد فيه سريعة غريبة في بابها، رواها المعري في الغفران (٢)، والصناعة ظاهرة فيها، ولا يستبعد أن يكون أكثرها منتحلا، إذ ليست من القصائد التي نص الجمحي على ثوبتها أعدي في طبقاته. وقد ركب الصاد من المحدثين كلا المعري وابن دريد (٣) فلم يأتيا بطائل.
والضاد أيسر من الصاد شيئًا. وجاءت فيها مجمهرة الطرماح، وهي آخر قصائد الجمهرة. ومما أنشره العلامة الميمني في الطرائف الأدبية، ضادية جيدة لعمارة ابن عقيل. ولأبي تمام ضادية في ابن أبي دواد (٤) ما كان يخسر شعر العرب شيئا أو لم تنظم، والعجب للبارودي كيف جعلها من مختاراته. وقد سلمت للمعري ضاديتان حسنتان، إحداهما في سقط الزند، ومطلعها (٥):
منك الصدود ومني بالصدود رضا
والأخرى في اللزوميات، ومطلعها (٦):
لأمواه الشبيبة كيف غضنه
وقد اختار الأولى المرحوم الأستاذ أحمد الزين في أوائل أعداد الثقافة، وأثنى
_________________
(١) ديوانه: ١٨٧.
(٢) رسالة الغفران ٧١.
(٣) انظر باب الصاد في اللزوميات وديوان ابن دريد (لجنة الترجمة والتأليف والنشر) ١٩٤٦ ص ٧٠ هذا، وقد بدا لي الآن أن في صادية عدي بن زيد نفسًا من الجودة لروح الحزن والحسرات الغالب عليها والله أعلم.
(٤) ديوانه: ١ - ١٣٨.
(٥) التنوير: ١ - ٢٠٢.
(٦) اللزوميات: ٢ - ٢٩٥.
[ ١ / ٧٦ ]
عليها ثناء حسنًا. وتحدث العلامة طه حسين عن الثانية في "مع أبي العلاء في سجنه" ولحديثه يرجع الفضل في اطلاعي عليها.
وقد ركب شوقي رحمة الله الضاد في قصيدته "أيها المنتحي بأسوان دارًا"، (٢ - ٦٥) فصعد وأسف، وإن قوله:
قف بتلك القصور في اليم غرقى ممسكًا بعضها من الذعر بعضا
كعذارى أخفين في الماء بضا سابحات به وأبدين بضا
يذكرني بنقد الأوائل لبيت جميل:
ألا أيها النوام ويحكم هبوا أسائلكم هل يقتل الرجل الحب
فقد قالوا إن صدره يمثل أعرابيًا في شملته، والعجز يمثل مخنثًا من مخنثي العقيق. وبيت شوقي الأول جد كله وجلال، أما الثاني فإسفاف أيما إسفاف، وكأنه أراد أن يتملق به بعض القراء ممن يثيرهم ذكر البضاضة وما إليها من مناظر "البلاج". وأحسن ما جاء في ضادية شوقي هذه مطلعها، وما بهده صناعة وتكلف.
وقد قارب الإحسان في قوله:
شاب من حولها الزمان وشابت وشباب الفنون ما زال غضا
رب نقش كأنما نفض الصا نع منه اليدين بالأمس نفضا
وهذا المعنى كثير الدوران في شعره.
والطاء منها مجمهرة المتنخل، وهي حسنة، ومنها بيت النحويين:
فحور قد لهوت بهن عينٍ نواعم في المروط وفي الرياط (١)
_________________
(١) الشاهد فيه حذف رب بعد الفاء، ومثله قول أمرئ القيس: "فمثلك حبلى"، وبيت ثالث في الحماسة أنسيته. وليس للنحويين غير هذه الثلاثة من شاهد على الجر بعد الفاء بمعنى رب.
[ ١ / ٧٧ ]
وللمعري طائية أجاد في أولها وتعمل في سائرها، ومطلعها (١):
لمن جيزة سيموا النوال فلم ينطوا يظللهم ما ظل ينبته الخط
ولدعبل مقطوعات حسنة في الطاء. منها ما قاله في أبراهيم بن المهدي، لما ادعى الخلافة في بغداد ولم يكن في خزائنه شيء، وطالبه الجند بالرزق، فجعل يماطلهم، قال يخاطب الجند ويصف حال إبراهيم:
فسوف تعطون حنينيةً يلذها الأمرد والأشمط
والمعبديات لقوداكم لا تدخل الدار ولا تربط
وهكذا يرزق أجناده خليفة مصحف البربط (٢)
والهاء الأصلية عسرة للغاية، وثقيلة غاية الثقل، وقد نظم فيها رؤبة أرجوزة طويلة جاء فيها بنحو "المدة" لغة في "المدح" وهي مما ينتفع به أصحاب المعاجم، لا أصحاب الذوق.
والواو الساكنة كما في "عصوا" قبيحة إن بني شاعرٌ عليها قصيدة كاملة. وكما في "رضوا" و"ولوا" ضعيفة لا تستقل في النطق أو السمع بنفسها. وقد روى المعري في مقدمة اللزوميات أبياتًا من هذا الروي ليحيى ابن أم الحكم.
وأشق الواوات في القوافي هي التي تأتي في أواخر بعض الأسماء المنقوصة، نحو "مرعو"، والروي يكون في هذه الحالة "وى" وليزيد بن الحكم الكلابي كلمة طويلة من هذا القري اختارها صاحب الأمالي (أمالي الدار ١ - ٧٨)، مطلعها:
_________________
(١) التنوير ٢ - ١٦٦.
(٢) حنينية: أي الأغاني المنسوبة إلى حنين، وكان مغنيًا شعبيًا بالعراق. نسبة إلى المعبديات: نسبة إلى معبد. والبربط: من آلات الطرب، وكل هذا تعريض بأن إبراهيم مشغول بالغناء عن أمور الدولة. (انظر أغاني بولاق ١٨: ٤٣).
[ ١ / ٧٨ ]
تكاشرني كرها كأنك ناصح وعينك تبدي أن صدرك لي دوي
وهي جيدة في بابها، كما قال صاحب الخزانة (١: ١١١) وأحسبه عني بقوله "في بابها": "في رويها" لغرابته. وقد قال عنها الأستاذ كامل كيلاني في هوامشه على ما اختاره من رسالة الغفران (رسالة الغفران لكامل كيلاني ٧٧): "هي من أجمل الشعر العربي، وأدقه في شرح النفوس وتحليلها، مع براعة في الأداء وقوة الشاعرية". وهذا عندي مبالغة. وأحسن ما في القصيدة ما جاء في أبيات الشواهد:
جمعت وفحشًا غيبة ونميمة خصالا ثلاثًا لست عنها بمر عوي (١)
وكم موطن لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قلة النيق منهوي (٢)
فليت كفافًا كان خيرك كله وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي (٣)
يضاف إليها قوله:
وما برحت نفسٌ حسودٌ حشيتها تذيبك حتى قيل هل أنت مكتوي؟