البسيط من الرجز في سنخ وزنه، وله نوعان: النوع الأول كما في كلمة النابغة الدالية:
يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد
والنوع الثاني كما في كلمته الرائية:
_________________
(١) نفسه ٢: ٢٥٥.
(٢) سقط الزند ٢: ٢٣٧.
(٣) ديوانه: ١٤٣.
[ ١ / ٤٤٠ ]
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ماذا تحيون من نؤي وأحجار
أما مثال الوزن الأول من الكلمات فهو:
لم يحضروا حضروا لم يسجدوا سجدوا لم يكذبوا كذبوا لم يعبدوا عبدوا
الدار واسعة والناس طائعة والشمس طالعة لم يصعدوا صعدوا
في داركم أسد في داركم ولد مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن
مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن
وهذا هو مقياس الوزن عند العروضيين، وتتعاوره «فاعلن» و«فعلن» في نصف كل شطر، ولا يكاد يحس بين تعاورهما اختلافٌ بين.
والوزن الثاني مثاله:
لم يحشروا حشروا لم يسجدوا ساج لم يكذبوا كذبوا لم يعبدوا عاج
الدار واسعة والناس طائعة والشمس طالعة لم يصعدوا صاع
في داركم أسد في داركم ولد مستفعلن فعلن مستفعلن فاع
مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاع
والفرق بين هذا الوزن وسابقه كما ترى في آخر البيت، حيث تنقص التفعيلة عن حدها فيصير مكان عبدوا: عاد، أو عاب، أو عاج، ومكان «فعلن» فاعي أو فاعن.
وكما في الوزن الأول، فإن نصف كل شطر من هذا الوزن تتعاوره «فعلن» و«فاعلن» وذلك لا يُحدث كبير اختلاف.
وهاك مثال الأول من الشعر:
نُبئت أن أبا قابوس أوعدني ولا قرار على زأرٍ من الأسد
[ ١ / ٤٤١ ]
فلا لعمر الذي مسحت كعبته وما هريق على الأنصاب من جسد
ما قلت من سيء مما أتيت به إذن فلا رفعت سوطي إلى يدي
إذن فعاقبني ربي معاقبةً قرت بها عين من يأتيك بالفند
ومثال الثاني:
أقول والنجم قد مالت أوائله إلى المغيب تأمل نظرةً حار
ألمحةٌ من سنا برقٍ رأى بصري أم ضوء نعم بدا لي أم سنا نار
بل ضوء نعم بدا والليل معتكر فلاح من بين أثوابٍ وأستار
تلوث بعد افتضال الدرع مئزرها لوثًا على مثل دعص الرملة الهاري
والطيب يزداد طيبًا أن يكون بها في جيد واضحة الخدين معطار
والوزنان كما ترى لا اختلاف بين صدور الأبيات فيهما. ولكن الاختلاف في الأعجاز. نعم حين يحصل التصريح في الوزن الثاني، وعجزه يتساويان كما قدمنا لك في بيت النابغة:
عوجوا فحيوا لنعلمٍ دمنة الدار ماذا تحيون من نؤيٍ وأحجار
فصدر هذا البيت أقصر من قوله: «أقول والنجم إلخ» من القصيدة نفسها.
وتفعيلات البسيط تحدث فيها تغييرات عدةٌ، كتعاقب «فاعلن» و«فعلن» في حشو البيت. وأحيانًا يكون الوزن «مفتعلن فعلن إلخ» وأحيانًا: «متفعلن فعلن إلخ» وكل هذا يقبله السمع، وإن كان التغيير الأول يجيء أحيانًا كالثاني، كما في قول قيس بن رفاعة:
من يصل ناري بلا ذنب ولا ترةٍ يصل بنار كريمٍ غير غدار
فقوله «يصل بنار» فيه نقصٌ، ولو كان قال: «يصلى بنارٍ» لاستقام الوزن على الأصل، ولكن هذا يخالف الإعراب.
[ ١ / ٤٤٢ ]
وكقول الأخطل:
مُفترش كافتراش الليث كلكله لوقعةٍ كائنٍ فيها له جزر
فقوله «مفترش» فيه كالاضطراب. والقدماء لم يكونوا يبالون بمثل هذا. ولكن المتأخرين يتحامونه إلا ما ندر. وكأنما يريدون أن يعوضوا بتصحيح الوزن عما يعوزهم من جودة الأسلوب.