حدث القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي في كتاب الفرج بعد الشدة. حدثني أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني قال: كان محمد بن زيد العلوي الداعي بطبرستان إذا افتتح الخاج نظر ما في بيت المال من خراج السنة التي قبلها، وفرقه في قبائل قريش على دعوتهم وفي الأنصار وفي الفقهاء وأهل القرآن وسائر طبقات الناس، إلى أن يفرق جميع ما بقي فجلس سنة من السنين يفرق مثل ذلك على عادته، فلما بدأ ببني عبد مناف، وقد فرغ من بني هاشم، دعا سائر بني عبد مناف فقال إليه رجل فقال: من أي بني عبد مناف أنت؟ قال من بني أمية، قال من أيهم أنت؟ فسكت قال: لعلك من ولد معاوية؟ قال نعم قال أمن أيهم أنت؟ فسكت قال لعلك من ولد يزيد؟ قال نعم. قال: قال بئس الاختيار اخترت لنفسك، من قصدك " بلدا " ولاية آل أبي طالب وعندك ثأرهم في سيدهم، وقد كانت لك مندوحة عنهم بالشام والعراق عند من يتولى جدك ويحب برك. فإن كنت جئت عن جهل منك بهاذ فما يكون بعد جهلك جهل. وإن كنت جئت مستهزئًا بهم فقد خاطرت بنفسك فنظر إليه العلويون نظرًا شديدًا فصاح بهم محمد وقال: كفوا عافاكم الله كأنكم تظنون أن في قتل هذا دركًا أو ثأرًا للحسنين بن علي، وأي جرم لهذا إن الله تعالى قد حرم أن تطالب نفس بغير ما اكتسبت، والله لا يعرض له أحد إلا أقدته به، واسمعوا حديثًا أحدثكم به يكون لكم قدوة فيما تستأنفون:
[ ٤٢ ]
حدثني أبي عن أبيه قال: عرض على المنصور سنة حج جوهر فاخر فعرفه وقال: هذا كان لهشام بن عبد الملك، وهذا يعنيه قد بلغني خبره عند ابنه محمد، وما بقي منهم أحد غيره. ثم قال للربيع: إذا كان غدًا وصليت بالناس في المسجد الحرام، وحصل الناس فيه فأغلق الأبواب ووكل بها ثقاتك من الشيعة وأقفلها، وافتح للناس بابًا واحدًا منها، وقف عليه فلا يخرج أحد إلا من قد عرفته. فلما كان من غد فعل الربيع ذلك، وتبين محمد بن هشام القصة، وعلم أنه هو المطلوب وإنه مأخوذ فتحير. وأقبل محمد بن زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب على أثر ذلك فرآه متحيرًا وهو لا يعرفه فأنكر أمره وقال له. يا هذا أراك متحيرًا متلددًا فمن أنت ولك أمان الله تعالى التام العام وأنت في ذمتي حتى أخلصك بعون الله تعالى قال: أنا محمد بن هشام بن عبد الملك فمن أنت؟ قال أنا محمد بم زيد بن علي بن الحسين قال: فعند الله أحتسب نفسي، إذ قال: لا بأس عليك يا ابن عم، فإنك لست قاتل زيد ولا في قتلك إدراك ثأره، وأنا الآن بخلاصك أولى مني بإسلامك، ولكن تعذرني فيما أتناولك به من مكروه وقبيح خطاب أخاطبك به يكون فيه خلاصك، بمشيئة الله تعالى. فقال: يا سيدي أنت وذاك، فطرح رداءه على رأسه ووجهه ولببه به وأقبل يسحبه، فلما وقعت عين الربيع عليه لطمه لطمات، وجاء به إلى الربيع، وقال يا أبا الفضل إن هذا الخبيث جمال من أهل الكوفة أكراني جماله ذاهبًا وعائدًا وقد هرب مني في هذا الوقت، وأكرى لبعض القواد الخراسانية، ولي عليه بذلك شهود، فتضم إلي حرسيين يصيران به معي إلى القاضي ويمنعان الخراساني من اعتراضه إن اعترضنا، فضم إليه الربيع حرسيين وقال امضيا به معه بعد من المسجد قال له: يا خبيث أتؤدي إلي حقي؟ قال نعم يا ابن رسول الله، فقال للحرسيين: انصرفا في حفظ الله تعالى فانصرفا. فلما بعدا أطلقه، فقبل محمد بن هشام رأسه وقال: بأبي أنت والله وأمي، فالله أعلم حيث يجعل رسالاته ثم أخرج جوهرًا له قدر عظيم فدفعه إليه وقال: تشرفني يا سيدي بقبول هذا مني، قال: اذهب بمتاعك يا ابن عم، فإنا أهل البيت لا نقبل على المعروف مكافأة، وقد تركت لك دم زيد وهو أعظم قدرًا من متاعك، فانصرف راشدًا ووار شخصك عن هذا الرجل إلى أن يخرج، فإنه مجد في طلبك، فمضى وتوارى.
قال ثم أمر محمد بن زيد الداعي " بطبرستان " للأموي بمثل ما أمر به لسائر بني عبد مناف، وضم إليه جماعة من مواليه، وأمرهم أن يخرجوه إلى الري ويأتوه بكتابه بسلامته، فقام الأموي فقبل رأسه ومضى معهم حتى بلغ مأمنه وجاؤوه بكتاب بسلامته.