قيل سأل رجل حاتمًا الطائي فقال: يا حاتم هل غلبك أحد في الكرم؟ قال: نعم غلام يتيم من طيء نزلت بفنائه وكان له عشرة أرؤس من الغنم، فعمد إلى رأس منها فذبحه. وأصلح من لحمه، وقدم إلي، وكان فيما قدم إلي الدماغ، فتناولت منه فاستطبته، فقلت: طيب والله. فخرج من بين يدي، وجعل يذبح رأسًا رأسًا، ويقدم إلي الدماغ وأنا لا أعلم. فلما خرجت لأرحل نظرت حول بيته دمًا عظيمًا وإذا هو قد ذبح الغنم بأسره. فقلت له: لم فعلت ذلك؟ فقال: يا سبحان الله تستطيب شيئًا أملكه فأبخل عليك به، إن ذلك لسبة على العرب قبيحة. قيل يا حاتم: فما الذي عوضته؟ قال: ثلاثمائة ناقة حمراء وخمسمائة رأس من الغنم، فقيل أنت إذًا أكرم منه فقال: بل هو أكرم، لأنه جاد بكل ما يمكله وإنما جدت بقليل من كثير.
حكاية
وحدث أبو اليقظان عن جويربة قال: أتى النصيب عبد الله بن جعفر فحمله وأعطاه وكساه فقال له قائل: يا ابن جعفر أعطيت هذا العبد الأسود هذه العطايا؟ فقال: والله إن كان هذا أسود إن ثناه لأبيض، وإن شعره ليهزني، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال وما ذاك؟ إنما هي رواحل تنضى، وثياب تبلى؛ ودراهم تفنى، وثناؤه يبقى، ومديحه يروى.
حكاية
قدم زياد الأعجم على المهلب بن أبي صفرة بخراسان ونزل على ابنه حبيب فجلسا ذات عشية على شراب وفي الدار شجرة علها حمامة فجعلت تغرد وزياد الأعجم يقول:
تغني أنت في ذممي وعهدي وذمة والدي أن لا تضاري
وبيتك أصلحيه ولا تخافي على صفر مزغبة صغار
فإنك كلما غنيت صوتًا ذكرت أحبتي وذكرت داري
فإن هم يفتلوك طلبت ثأري بقتلهم لأنك في جواري
فأخذ حبيب سهمًا فرماها فأثبتها فماتت، فقال له زياد قتلت جاري، بيني وبينك الأمير المهلب ثم أتى المهلب فأخبره فقال: يا حبيب ادفع إلى أبي أمامة ألف دينار قال حبيب: أعز الله الأمير كنت ألعب. فقال: أمع هذا لعب؟ جار أبي أمامة جاري، فدفع إليه حبيب ألف دينار فقال زياد الأعجم:
فلله عينًا من رأى كقضية قضاها فأمضاها الأمير المهلب
قضى ألف دينار بجار أجرته من الطير حضان على البيض ينعب
رماه حبيب بن المهلب رمية فأنفذه بالسهم والشمس تغرب
فألزمه عقل القتيل بزجرة وقال حبيب إنما كنت ألعب
فقال زياد لا يروع جاره وجارة جاري مثل جاري وأقرب
فلما سمعه المهلب أجازه بجائزة حسنة وصرفه مكرمًا وبلغ هذا العشر الحجاج، فقال: ما أخطأت العرب إذ جعلت المهلب شيخها.
حكاية
[ ٥٨ ]
ومن ملح أخبار القاضي أحمد بن أبي داود ما حكي أن المعتصم كان بالجوسق مع ندمائه وقد عزم على الاصطباح، وأمر كلًا منهم أن يطبخ قدرًا، ونظر سلامة غلام أحمد بن أبي داود. فقال: هذا غلام ابن أبي داود جاء ليعرف خبرنا، والساعة يأتي، فيقول: فلان الهاشمي، وفلان القرشي، وفلان الأنصاري، وفلان العربي، فيقطعنا بحوائجه عما كنا عزمنا عليه وأنا أشهدكم أني لا أقضي له اليوم حاجة. فلم يكن بأسرع من أن يدخل ايتاخ يستأذن لأحمد بن أبي داود. فقال لجلسائه: كيف ترون؟ قالوا: لا تأذن له يا أمير المؤمنين. قال: سوأَة لهذا الرأي والله لحمي سنة أسهل علي من ذلك، فأذن له فدخل فما هو إلا أن سلم وجلس وتكلم، حتى أسفر وجه المعتصم، وضحكت إليه جوارحه. ثم قال يا أبا عبد الله قد طبخ كل واحد من هؤلاء قدرًا، وقد جعلناك حكمًا في أطيبها. قال: فلتحضر لآكل وأحكم بعلم. فأمر المعتصم بإحضارها فأحضرت القدور بين يديه وتقدم القاضي أحمد بن أبي داود، فجعل يأكل من أول كل قدر أكلًا تامًا فقال له المعتصم: هذا ظلم قال: وكيف ذاك؟ قال أراك قد أمعنت في هذا اللون وستحكم لصاحبه. قال: يا أمير المؤمنين ليس بلقمة ولا باثنتين تدرك المعرفة بأخلاط الطعام، وعلي أن أوفي كلًا منها حقها في الذوق، ثم يقع الحكم بعد ذلك، فتبسم المعتصم وقال: شأنك إذًا، وأكل من جميعها كما ذكر، ثم قال: أما هذه فقد أحسن صاحبها إذ أظهر فلفلها وقلل كمونها، وأما هذه فقد أجاد صاحبها إذ كثر خلها وقلل فلفلها ليشتهى حمضها. وأما هذه فقد أحكمها طباخها بتقليل مائها وكثرة رُبها وأقبل يصفها واحدةً واحدة حتى أتى على جميعها بصفات سر بها أصحابها. وأمر المعتصم بإحضار المائدة فأكل مع القوم بأكلهم أنظف أكل وأحسنه. فمرة يحدثهم بأخبار الأكلة في صدر الإسلام مثل معاوية بن أبي سفيان وسليمان بن عبد الملك وعبيد الله بن زياد والحجاج، ومرة يحدثهم أكلة دهره مثل ميسرة التراس وحاتم الكيال واسحق الحمامي. فلما رفعت الموائد قال له المعتصم: ألك حاجة يا أبا عبد الله؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال: فاذكرها فإن أصحابنا يريدون أن يتشاغلوا بقية يومهم. فقال: رجل من أهل يا أمير المؤمنين قد وطئه الدهر فغير من حاله وخشن معيشته قال: ومن هو؟ قال: سليمان بن عبد الملك النوفلي. قال: قدّر له ما يصلحه قال: خمسين ألف درهم قال قد أمرت له بها. قال: وحاجة أخرى قال وما هي؟ قال: ضياع هارون توغر بها له. قال: قد فعلت قال: فوالله ما برح حتى سأل في ثلاث عشرة حاجة لا يرده المعتصم عن شيء منها. ثم قام خطيبًا فقال: يا أمير المؤمنين عَمّرك الله طويلًا فبعمرك يخصب جناب رعيتك ويلين عيشهم وتنمو أموالهم ولا زلت ممتعًا بالسلامة منعًا بالكرامة مدفوعًا عنك حوادث الزمان وغيرها، ثم انصرف. فقال المعتصم: هذا والله الذي يُتزيّن بمثله ويُبتهج بقربه. أما رأيتم كيف دخل؟ وكيف أكل، وكيف وصف القدور، وكيف انبسط في الحديث، وكيف طاب به أكلنا، والله لا يردّ هذا عن حاجة إلا لئيم الأصل، خبيث الفرع، والله لو سألني في مجلسي هذا ما قيمته عشرة آلاف ألف درهم ما رددته عنها فإني أعلم أنه يكسبني في الدنيا جمالًا وحمدًا، وفي الآخرة ثوابًا وأجرًا.